من «الداء والدواء» لابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)
فَصْلٌ أَقْسَامُ النَّاسِ فِي الْعِشْقِ
فَصْلٌ
أَقْسَامُ النَّاسِ فِي الْعِشْقِ
وَالنَّاسُ فِي الْعِشْقِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
مِنْهُمْ: مَنْ يَعْشَقُ الْجَمَالَ الْمُطْلَقَ، وَقَلْبُهُ يَهِيمُ فِي كُلِّ وَادٍ، لَهُ فِي كُلِّ صُورَةٍ جَمِيلَةٍ مُرَادٌ.
وَمِنْهُمْ: مَنْ يَعْشَقُ الْجَمَالَ الْمُقَيَّدَ، سَوَاءٌ طَمِعَ فِي وِصَالِهِ أَوْ لَا.
وَمِنْهُمْ: مَنْ لَا يَعْشَقُ إِلَّا مَنْ يَطْمَعُ فِي وِصَالِهِ.
وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ تَفَاوُتٌ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ.
فَعَاشِقُ الْجَمَالِ الْمُطْلَقِ، يَهِيمُ قَلْبُهُ فِي كُلِّ وَادٍ، وَلَهُ فِي كُلِّ صُورَةٍ جَمِيلَةٍ مُرَادٌ:
فَيَوْمًا بِحَزْوَى، وَيَوْمًا بِالْعَقِيقِ وَبِالْعُذَيْبِ يَوْمًا وَيَوْمًا بِالْخُلَيْصَاءِ
وَتَارَةً يَنْتَحِي نَجْدًا وَآوِنَةًشِعْبَ الْعَقِيقِ وَطَوْرًا قَصْرَ تَيْمَاءَ
فَهَذَا عِشْقُهُ أَوْسَعُ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ كَثِيرُ التَّنَقُّلِ:
يَهِيمُ بِهَذَا ثُمَّ يَعْشَقُ غَيْرَهُوَيَسْلَاهُمْ مِنْ وَقْتِهِ حِينَ يُصْبِحُ
وَعَاشِقُ الْجَمَالِ الْمُقَيَّدِ أَثْبَتُ عَلَى مَعْشُوقِهِ، وَأَدْوَمُ مَحَبَّةً لَهُ، وَمَحَبَّتُهُ أَقْوَى مِنْ مَحَبَّةِ الْأَوَّلِ، لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي وَاحِدٍ، وَلَكِنْ يُضْعِفُهُمَا عَدَمُ الطَّمَعِ فِي الْوِصَالِ، وَعَاشِقُ الْجَمَالِ الَّذِي يُطْمَعُ فِي وِصَالِهِ أَعْقَلُ الْعُشَّاقِ وَأَعْرَفُهُمْ، وَحُبُّهُ أَقْوَى لِأَنَّ الطَّمَعَ يَمُدُّهُ وَيُقَوِّيهِ.
النص من طبعة دار المعرفة بالمغرب (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف إحالات الآيات والحواشي. مصادر الموقع