من «عيار الشعر» لابن طباطبا العلوي (ت ٣٢٢هـ)
أشْعَارُ المُوَلَّدين
وستَعْثُرُ فِي أشْعار المُوَلَّدين بعجائبَ استفادُوهَا مِمَّن تقدَّمهم، ولَطُفُوا فِي تَنَاوُلِ أصُولها مِنْهُم، وَلَبَّسُوها على من بَعْدهم، وتكَثَّروا بإبداعها فَسَلَّمتْ لَهُم عِنْد إدِّعائها للَطِيفِ سِحْرهم فِيهَا، وزَخْرفَتِهم لمعَانيها.
والمِحْنَةُ على شُعَراءِ زَمَانِنَا فِي أشْعارهم أشَدُّ مِنْهَا على من كانَ قبلَهُمْ؛ لأنَّهم قد سُبِقوا إِلَى كلِّ مَعْنَى بَديعٍ، ولَفْظٍ فَصِيحٍ، وحيلةٍ لَطيفةٍ، وخَلابَةٍ ساحِرةٍ. فَإِن أَتَوْا بِمَا يَقْصُر عَن مَعَاني أُولَئِكَ وَلَا يُرْبي عَلَيْهَا لم يُتَلَقَّ بالقَبُول، وَكَانَ كالمُطَّرَحِ المَمْلُولِ.
ومَعَ هَذَا، فإنَّ مَنْ كانَ قَبْلنا فِي الجاهِليَّة الجَهْلاءِ وَفِي صَدْر الإسلامِ من الشُّعَراء كَانُوا يؤسِّسُون أشعَارَهُمْ فِي المَعَاني الَّتِي رَكَّبُوها عَلَى القَصْد للصِّدْق فِيهَا مَدِيحاً وهِجَاءً، وافتخَاراً ووَصفْاً، وتَرْغيباً وتَرْهيباً إلاّ مَا قد احْتُمِل الكَذبُ فِيهِ فِي حُكْم الشِّعْر من الإغراقِ فِي الوَصْف، والإفراط فِي التَّشْبيه. وَكَانَ مجرَى مَا يُورِدونه مِنْهُ مجْرى القَصص الحَقِّ، والمخاطبات بالصِّدْق فَيُحابُون بِمَا يُثَابون، أَو يُثَابون بِمَا يُحَابون.
والشُّعَراءُ فِي عَصْرِنا إنَّما يُثَابونَ على مَا يُسْتَحْسَنُ من لَطِيفِ مَا يُورِدُونَهُ من أشْعَارهم، وبديع مَا يُغْربونَهُ من معانيهم، وبَليغِ مَا يَنْظِمونَهُ من ألفاظهم، ومُضْحِكِ مَا يوردونَهُ من نوادرهم، وأنيقِ مَا يَنْسِجُونَهُ من وَشْي قَوْلهم دون حَقَائِق مَا يَشْتمِلُ عَلَيْهِ من المَدْحِ والهَجاءِ وسَائرِ الفُنُون الَّتِي يُصَرِّفون القَوْلَ فِيهَا.
فَإِذا كَانَ المديح ناقِصاً عَن الصِّفة الَّتِي ذكرنَاها كانَ سَببا لحرمَانِ قائلهِ والمُتَوسِّل بِهِ.
وإِذا كَانَ الهجاءُ كَذَلِك أَيْضا كانَ سبَبَاً لاستهانة المَهْجُوِّ بِهِ، وأمْنِهِ من سَيْرهِ، وَرِوَايَة النَّاس لَهُ، وإذاعَتِهم إيَّاهُ، وتَفَكٌّ هِهِمْ، بنوادره؛ لَا سِيَّما وأشْعَارُهُمْ مُتَكَلّفَةٌ غيرُ صَادِرةٍ عَن طَبْعٍ صَحِيح
كأشْعَارِ العَرَب الَّتِي سَبِيلُهم فِي مَنْظُومِهَا سَبيلُهم فِي مَنْثور كَلَامِهم الَّذِي لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِم فِيهِ.
فَيَنبغي للشاعر فِي عَصْرنا أَن لَا يُظْهِرَ شِعْرَهُ إلَاّ بعد ثِقَتِهِ بجَوْدَتهِ وحُسْنِه وسَلامتهِ من العُيوب الَّتِي نُبِّهَ عَلَيْهَا وأُمِرَ بالتَّحرُّز مِنْهَا، ونُهِيَ عَن استعمَال نَظَائرها. وَلَا يَضَعُ فِي نَفْسِهِ أنّ الشِّعْرَ موضِعُ اضطرارٍ وأنَّهُ يَسْلُك سَبِيلَ من كَانَ قبلَهُ، ويحتجُّ بالأبيات الَّتِي عِيبَتْ على قَائِلهَا، فَلَيْسَ يُقْتَدى بالمُسِيء، وإنَّما الِاقْتِدَاء بالمُحْسِن، وكُلُّ واثقٍ فِيهِ حَجِلٌ إلاّ الْقَلِيل.
وَلَا يُغِير على مَعَاني الشُّعراءِ فيودِعُها شِعرَهُ، ويخرِجُها فِي أوْزانٍ مخالفةٍ لأوَزانِ الأشْعار الَّتِي يَتَناولُ مِنْهَا مَا يَتَنَاولُ، ويَتوهَّمُ أنَّ تَغْييرهُ للألَفَاظ والأوزَانِ مِمَّا يَسْتُر سَرقَتَهُ أَو يُوجِبُ لَهُ فَضِيلةً، بل يُديم النَّظَرَ فِي الْأَشْعَار الَّتِي قد اخترنَاهَا لتَلصَق مَعَانِيهَا بفَهْمِهِ، وتَرْسَخَ أصُولها فِي قَلْبهِ، وتَصِيرَ موادَّ لطَبْعهِ، ويَذُوبَ لِسَانُهُ بألفَاظِها فَإِذا
جاشَ فِكرهُ بالشِّعر أدَّى إِلَيْهِ نتائجَ مَا استفاده مِمَّا نَظَر فِيهِ من تِلْكَ الأشْعار فكانَتْ تِلْكَ النَّتيجةُ كسبيكَةٍ مُفْرَغَةٍ من جَميعِ الأصْنَافِ الَّتِي تُخْرِجُها المَعَادن، وكما قد اغترَفَ من وادٍ قَدْ مَدَّتْهُ سيول جَارِيَة من شعَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وكَطِيبٍ تَركَّبَ عَن أخلاطٍ من الطِّيب كثيرةٍ فَيَستْغرِبُ عِيانُهُ، ويَغْمُضُ مُسْتَبطَنُهُ ويذهبُ فِي ذَلِك إِلَى مَا يُحْكَى عَن خَالد بن عبد الله القَسْريِّ فَإِنَّهُ قَالَ: حَفَّظَني أبي
أَلْفَ خُطبَةٍ ثمَّ قَالَ لي: تناسَهَا، فتناسيْتُهَا، فَلم أُرِدْ بَعْدُ شَيْئا من الْكَلَام إلاّ سَهُلَ عليَّ، فَكَانَ حِفْظُهُ لتِلْك الخُطَب رياضَةً لفَهْمِهِ، وتَهْذيباً لطَبْعِهِ وتلقيماً لذهنِهِ، ومادَّةً لفصاحَتهِ، وسبَبَاً لبلاغَتهِ ولَسَنهِ وخَطَابتهِ.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع