من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
الفصل الأوّل فى الإبانة عن موضوع البلاغة فى اللّغة، وما يجرى معه من تصرّف لفظها، والقول فى الفصاحة، وما يتشعّب منه
البلاغة
البلاغة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلّغتها غيرى. ومبلغ الشىء:
منتهاه. والمبالغة فى الشىء: الانتهاء إلى غايته. فسمّيت البلاغة بلاغة لأنها تنهى المعنى إلى قلب السامع فيفهمه. وسمّيت البلغة بلغة لأنك تتبلّغ بها، فتنتهى بك إلى ما فوقها، وهى البلاغ أيضا. ويقال: الدنيا بلاغ؛ لأنها تؤدّيك إلى الآخرة.
والبلاغ أيضا: التبليغ، فى قول الله ﷿: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ
أى تبليغ.
ويقال: بلغ الرجل بلاغة؛ إذا صار بليغا. كما يقال نبل نبالة؛ إذا صار نبيلا.
وكلام بليغ وبلغ (بالفتح)، كما يقال: وجيز ووجز، ورجل بلغ (بالكسر):
يبلغ ما يريد. وفى مثل لهم «أحمق بلغ». ويقال: أبلغت فى الكلام إذا أتيت بالبلاغة فيه. كما تقول: أبرحت إذا أتيت بالبرحاء وهو الأمر الجسيم. والبلاغة من صفة الكلام لا من صفة المتكلّم.
فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله جلّ وعزّ بأنه بليغ؛ إذ لا يجوز أن يوصف بصفة كان موضوعها الكلام. وتسميتنا المتكلم بأنه بليغ توسّع. وحقيقته أنّ كلامه بليغ، كما تقول: فلان رجل محكم، وتعنى أن أفعاله محكمة. قال الله تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
. فجعل البلاغة من صفة الحكمة، ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلّا أن كثرة
الاستعمال جعلت تسمية المتكلّم بأنه بليغ كالحقيقة، كما أنها جعلت تسمية المزادة راوية كالحقيقة، وكان الراوية حامل المزادة وهو البعير وما يجرى مجراه.
ولهذا سمّى حامل الشعر راوية، وكما صار تسمية البغىّ المكتسبة بالفجور القحبة حقيقة، وإنما القحاب السّعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن زنت وتكسّبت بالفجور قالوا: قحبت، أى سعلت.
ومن ذلك النّجو؛ لأنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة استتر بنجوة، والنجوة:
الارتفاع من الأرض؛ فسمّى ذلك الشىء نجوا مجازا، ثم كثر استعمالهم له فصار كالحقيقة وصرّفوه، فقالوا: ذهب ينجو، كما يقال: ذهب يتغوّط، إذا صار إلى الغائط، وهو البطن من الأرض لقضاء الحاجة، وسمّوا الشىء الغائط، وصار كالحقيقة حين كثر استعمالهم له. وقالوا، إذا غسل ذلك الموضع من النجو: يستتجى، ومثل هذا كثير ليس هذا موضع استيعابه.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع