تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

من سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج

وَيُشبه هَذَا مَا رُوِيَ عَن بزرجمهر بن البختكان الْحَكِيم، الَّذِي كَانَ وَزِير أنوشروان، فَإِنَّهُ حَبسه عِنْد غَضَبه، فِي بَيت كالقبر ظلمَة وضيقا، وصفده بالحديد، وَألبسهُ الحش من الصُّوف، وَأمر أَن لَا يُزَاد فِي كل يَوْم، على قرصين خبْزًا شَعِيرًا، وكف ملح جريش، ودورق مَاء، وَأَن تحصى أَلْفَاظه، فتنقل إِلَيْهِ، فَأَقَامَ بزرجمهر شهورا، لَا تسمع لَهُ لَفْظَة.

فَقَالَ أنوشروان: أدخلُوا إِلَيْهِ أَصْحَابه، ومروهم أَن يسألوه، ويفاتحوه فِي الْكَلَام، واسمعوا مَا يجْرِي بَينهم، وعرفونيه.

فَدخل إِلَيْهِ جمَاعَة من المختصين، كَانُوا، بِهِ، فَقَالُوا لَهُ: أَيهَا الْحَكِيم، نرَاك فِي هَذَا الضّيق، وَالْحَدِيد، وَالصُّوف، والشدة الَّتِي وَقعت فِيهَا، وَمَعَ هَذَا، فَإِن سحنة وَجهك، وَصِحَّة جسمك، على حَالهمَا، لم تتغيرا، فَمَا السَّبَب فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: إِنِّي عملت جوارشا من سِتَّة أخلاط، آخذ مِنْهُ كل يَوْم شَيْئا، فَهُوَ الَّذِي أبقاني على مَا ترَوْنَ.

قَالُوا: فصفه لنا، فَعَسَى أَن نبتلى بِمثل بلواك، أَو أحد من إِخْوَاننَا، فنستعمله وَنصفه لَهُ.

قَالَ: الْخَلْط الأول: الثِّقَة بِاللَّه ﷿، والخلط الثَّانِي: علمي بِأَن كل مُقَدّر كَائِن، والخلط الثَّالِث: الصَّبْر خير مَا اسْتَعْملهُ الممتحنون، والخلط الرَّابِع: إِن لم أَصْبِر أَنا فَأَي شَيْء أعمل، وَلم أعين على نَفسِي بالجزع، والخلط الْخَامِس: قد يُمكن أَن أكون فِي شَرّ مِمَّا أَنا فِيهِ، والخلط السَّادِس: من سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج.

قَالَ: فَبلغ كسْرَى كَلَامه، فَعَفَا عَنهُ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّانِي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.