من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الثاني في الرشوة والهدية على الحكم وما جاء في الديون
أما الرشوة، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لعن الله الراشي والمرتشي. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لا تولوا اليهود ولا النصارى فإنهم يقبلون الرشا ولا يحل في دين الله الرشا، قال الشهيدي: وأصحابنا اليوم أقبل للرشا منهم.
وفي نوابغ الحكم: «إن البراطيل تنصر الأباطيل».
وعن ابن مسعود ﵁ قال: من شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما، فأهدي له فقبل فذلك السحت، فقيل له، ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر.
وأنشد المبرد رحمه الله تعالى:
وكنت إذا خاصمت خصما كببتهعلى الوجه حتى خاصمتني الدراهم
فلما تنازعنا الحكومة غلّبتعليّ وقالت: قم فإنك ظالم
وأما الدين وما جاء فيه نعوذ بالله من غلبة الدين وقدر الرجال فقد روي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات، تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة.
رواه الحاكم.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي له بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دينه فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة عليه، وإن قيل ليس عليه دين صلّى عليه، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر ﷺ قال: هل على صاحبكم من دين؟ فقالوا: ديناران يا رسول الله، فعدل النبي ﷺ عنه وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي كرم الله وجهه:
هما عليّ يا رسول الله وهو بريء منهما، فتقدم رسول الله ﷺ فصلّى عليه، ثم قال لعلي ﵁:
جزاك الله عنه خيرا، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة.
وقال بعض الحكماء: الدين هم بالليل وذل بالنهار، وهو غل جعله الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه.
وجاء سعد بن أبي وقاص ﵁ يتقاضى دينا له على رجل، فقالوا: خرج إلى الغزو، فقال أشهد أن رسول الله ﷺ قال: لو أن رجلا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل لم يدخل الجنة حتى يقضي دينه.
وعن الزهري قال: لم يكن رسول الله ﷺ يصلي على أحد عليه دين، ثم قال بعد: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من مات وعليه دين فعليّ قضاؤه» ثم صلى عليهم.
وعن جابر: لا همّ إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها، فهو زان، ومن استدان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق، وقال حبيب بن ثابت: ما احتجت إلى شيء أستقرضه إلا استقرضته من نفسي، أراد أنه يصبر إلى أن تمكن الميسرة، ونظيره قول القائل:
وإذا غلا شيء عليّ تركتهفيكون أرخص ما يكون إذا غلا
وقال بعضهم أيضا:
لقد كان القريض سمير قلبيفألهتني القروض عن القريض
وقال غيلان بن مرة التميمي:
وإني لأقضي الدّين بالدين بعدمايرى طالبي بالدين أن لست قاضيا
فأجابه ثعلبة بن عمير:
إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكنقضاء ولكن ذاك غرم على غرم
واستقرض من الأصمعي خليل له فقال: حبا وكرامة، ولكن سكّن قلبي برهن يساوي ضعف ما تطلبه، فقال: يا أبا سعيد أما تثق بي؟ قال: بلى، وإن خليل الله كان واثقا بربه، وقد قال له: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
، اللهم أوف عنّا دين الدنيا بالميسرة، ودين الآخرة بالمغفرة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع