تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الأول فيما جاء في القضاء وذكر القضاة وأحوالهم وما يجب عليهم

قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ

. وقال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ

. وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

. وقال رسول الله ﷺ: من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضياه، فلم يقض بينهما بالحق، فعليه لعنة الله. وعن أبي حازم، قال: دخل عمر على أبي بكر رضوان الله عليهما، فسلّم عليه، فلم يرد عليه، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون وجد عليّ خليفة رسول الله ﷺ، فكلم عبد الرحمن أبا بكر، فقال: أتاني، وبين يدي خصمان قد فرغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وقلت. وادعى رجل على عليّ عند عمر ﵄ وعليّ جالس، فالتفت عمر إليه وقال: يا أبا الحسن

قم فاجلس مع خصمك، فتناظرا، وانصرف الرجل، ورجع عليّ إلى مجلسه، فتبين لعمر التغير في وجه عليّ، فقال يا أبا الحسن ما لي أراك متغيرا، أكرهت ما كان؟

قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي.

هلا قلت يا علي قم، فاجلس مع خصمك، فأخذ عمر برأس علي ﵄، فقبله بين عينيه، ثم قال بأبي أنتم بكم هدانا الله وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور.

وعن أبي حنيفة ﵁: القاضي كالغريق في البحر الأخضر إلى متى يسبح وإن كان سابحا. وأراد عمر بن هبيرة أن يولي أبا حنيفة القضاء، فأبى، فحلف ليضربنه بالسياط، وليسجننه، فضربه حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب، فقال: الضرب بالسياط في الدنيا أهون عليّ من الضرب بمقامع الحديد في الآخرة.

وعن عبد الملك بن عمير عن رجل من أهل اليمن قال:

أقبل سيل باليمن في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، فكتب إلينا، لا تحركوه حتى يقدم إليكم كتابي، ثم فتح، فإذا برجل على سرير عليه سبعون حلة منسوجة بالذهب وفي يده اليمنى لوح مكتوب فيه هذان البيتان:

إذا خان الأمير وكاتباهوقاضي الأرض داهن في القضاء
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا خان الأمير وكاتباه»
فويل ثم ويل ثم ويللقاضي الأرض من قاضي السماء
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا خان الأمير وكاتباه»

وإذا عند رأسه سيف أشد خضرة من البقلة مكتوب عليه هذا سيف عاد بن إرم.

عن ابن أبي أوفى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار برىء الله منه ولزمه الشيطان.

وقال محمد بن حريث: بلغني أن نصر بن علي راودوه على القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم فلما ألحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره وألقى ملاءة على وجهه وقال: اللهم إن كنت تعلم أني لهذا الأمر كاره فاقبضني إليك، فقبض.

وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ القضاة جسور للناس يمرون على ظهورهم يوم القيامة.

وقال حفص بن غياث لرجل كان يسأله عن مسائل القضاء: لعلك تريد أن تكون قاضيا، لأن يدخل الرجل أصبعه في عينيه فيقلعهما ويرمي بهما خير له من أن يكون قاضيا.

وقيل أول من أظهر الجور من القضاة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان أمير البصرة وقاضيا فيها وكان يقول إن الرجلين يتقدمان إلي فأجد أحدهما أخف على قلبي من الآخر فأقضي له.

وتقدم المأمون بين يدي القاضي يحيى بن أكثم مع رجل ادعى عليه بثلاثين ألف دينار، فطرح للمأمون مصلّى يجلس عليه فقال له يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس، ولم يكن للرجل بينة، فأراد أن يحلف المأمون فدفع إليه المأمون ثلاثين ألف دينار وقال: والله ما دفعت لك هذا المال إلا خشية أن تقول العامة أني تناولتك من جهة القدرة ثم أمر ليحيى بمال وأجزل عطاءه.

وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي يوسف بن يعقوب في حكم فارتفع الخادم على خصمه في المجلس فزجره الحاجب عن ذلك فلم يقبل، فقال أبو يوسف: قم، أتؤمر أن تقف بمساواة خصمك في المجلس فتمتنع، يا غلام ائتني بعمرو بن أبي عمرو النخّاس فإنه إن قدم عليّ الساعة أمرته ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثم إن الحاجب أخذ بيده حتى أوقفه بمساواة خصمه فلما انقضى الحكم رجع الخادم إلى المعتضد وبكى بين يديه وأخبره بالقصة، فقال له: لو باعك لأجزت بيعه ولم أردك إلى ملكي، فليست منزلتك عندي تزن رتبة المساواة بين الخصمين في الحكم فإن ذلك عمود السلطان وقوام الأديان. والله تعالى أعلم.

وقال العكلي يمدح بعض القضاة:

رفضت وعطلت الحكومة قبلهفي آخرين وملّها روّاضها
حتى إذا ما قام ألّف بينهابالحق حتى جمّعت أوفاضها

وفي ضد ذلك قول بعضهم:

أبكي وأندب ملّة الإسلامإذ صرت تقعد مقعد الحكّام
إنّ الحوادث ما علمت كبيرةوأراك بعض حوادث الأيام

وتقدمت إمرأة إلى قاض، فقال لها: جامعك شهودك، فسكتت، فقال كاتبه: إن القاضي يقول لك جاء شهودك معك، قالت: نعم، هلا قلت مثل ما قال كاتبك كبر سنّك وقلّ عقلك وعظمت لحيتك حتى غطت على لبك، ما رأيت ميتا يقضي بين الأحياء غيرك.

وقيل: المضروب بهم المثل في الجهل وتحريف الأحكام، قاضي منى وقاضي كسكر وقاضي أيدج، وهو الذي قال فيه أبو إسحاق الصابي:

يا ربّ علج أعلجمثل البعير الأهوج
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
رأيته مطلعامن خلف باب مرتج
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وخلفه عذيبةتذهب طورا وتجي
فقلت من هذا ترىفقيل قاضي أيدج

وقاضي شلبة وهو الذي قال فيه أبو الحسن الجوهري:

رأيت رأسا كدبّهولحية كالمذبة
للشاعر أبو الحسن الجوهري، اقرأ القصيدة
فقلت من أنت قل ليفقال قاضي شلبه

وتقدمت امرأة جميلة إلى الشعبي فادّعت عنده فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي:

فتن الشعبيّ لمارفع الطرف إليها
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة
فتنته ببنانكيف لو رأى معصميها
ومشت مشيا رويداثم هزت منكبيها
للشاعر الهذيل الأشجعي، من قصيدة «فُننِ الشعبي لما»
فقضى جورا على الخصمولم يقض عليها

فتناشدها الناس وتداولوها حتى بلغت الشعبي فضرب الأشجعي ثلاثين سوطا.

وحكى ابن أبي ليلى قال: انصرف الشعبي يوما من مجلس القضاء ونحن معه فمررنا بخادمة تغسل الثياب وهي تقول: فتن الشعبي لما. وأعادته ولم تعرف بقية البيت فلقنها الشعبي وقال: رفع الطرف إليها. ثم قال أبعده الله أما أنا فما قضيت إلا بالحق. وأنشد بعضهم في أمين الحكم:

تتماوتنّ إذا مشيت تخشّعاحتّى تصيب وديعة ليتيم

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثامن عشر فيما جاء في القضاء وذكر القضاة وقبول الرشوة والهدية على الحكم وما يتعلق بالديون وذكر القصاص والمتصوفة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.