من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الأول في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم
قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
. ووصف الله نفسه لعباده فقال ﷿:
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
. وقال الله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قال المفسرون: «الرحمن» اسم رقيق يدل على العطف والرقة واللطف والكرم والمنّة والحلم عن الخلق، والرحيم مثله. وقيل: يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلا على رحيم، قلنا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: ليس الرحيم الذي يرحم نفسه وأهله خاصة، ولكن الرحيم الذي يرحم المسلمين» رواه أبو يعلى والطبراني.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يغفر لا يغفر له».
وعنه ﷺ قال: «إرحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم».
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ، قال الله ﷿: «إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي»، رواه أبو محمد بن عدي في كتاب الكامل.
وروينا من طريق الطبراني، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، قال الطبراني: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فسألته عن هذا الحديث، فقال النبي ﷺ، وأشار بيده صحيح صحيح صحيح ثلاثا.
وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر عليها يده نور يوم القيامة». ودخل عامل لعمر بن الخطاب ﵁، فوجده مستلقيا على ظهره وصبيانه يلعبون على بطنه، فأنكر ذلك عليه، فقال له عمر: كيف أنت مع أهلك؟ قال:
إذا دخلت سكت الناطق. فقال له: اعتزل فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمة محمد ﷺ.
وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أبدال أمتي لن يدخلوا الجنة بالأعمال ولكن يدخلونها برحمة الله وسخاوة النفس وسلامة الصدور والرحمة لجميع المسلمين».
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع