تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثاني في الشفاعة وإصلاح ذات البين

قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً

وقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له جعلت لك جاها، فهل نصرت به مظلوما أو قمعت به ظالما أو أغثت به مكروبا» ؟

وقال ﷺ: «أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له». وعن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاءني طالب حاجة فاشفعوا له لكي تؤجروا، ويقضي الله تعالى على لسان نبيه ما شاء».

وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصدقة صدقة اللسان، قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدماء، وتجرّ بها المعروف إلى أخيك، وتدفع عنه بها كريهة». رواه الطبراني في المكارم.

وقال علي ﵁: الشفيع جناح الطالب. وقال رجل لبعض الولاة: إن الناس يتوسلون إليك بغيرك، فينالون معروفك ويشكرون غيرك، وأنا أتوسل إليك بك ليكون شكري لك لا لغيرك.

وقيل: كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبد الله بن عباس ﵃، وكان الناس لعظم قدره يفزعون إليه في الشفاعات، فثقل ذلك على المنصور، فحجبه مدة، ثم لم يصبر عنه، فأمر الربيع أن يكلمه في ذلك، فكلمه، وقال: اعف أمير المؤمنين لا تثقل عليه في الشفاعات، فقبل ذلك منه، فلما توجه إلى الباب اعترضه قوم من قريش معهم رقاع، فسألوه إيصالها إلى المنصور، فقص عليهم القصة، فأبوا إلا أن يأخذها، فقال: أقذفوها في كمي، ثم دخل عليه وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام وما حولها من البساتين، فقال له: أما ترى إلى حسنها يا أبا عبد الله؟

فقال له: يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيما آتاك وهنأك بإتمام نعمتك عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام ولا العجم في سالف الأيام أحصن ولا أحسن من مدينتك ولكن سمجتها في عيني خصلة، قال: وما هي؟

قال: ليس لي فيها ضيعة، فتبسم، وقال: قد حسنتها في عينك بثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين شريف الموارد كريم المصادر، فجعل الله تعالى باقي عمرك أكثر من ماضيه، ثم أقام معه يومه ذلك، فلما نهض ليقوم بدت الرقاع من كمه، فجعل يردهن ويقول:

ارجعن خائبات خاسرات.

فضحك المنصور وقال: بحقي عليك ألا أخبرتني وأعلمتني بخبر هذه الرقاع، فأعلمه، وقال ما أتيت يا ابن معلم الخير إلا كريما، وتمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

لسنا وإن أحسابنا كرمتيوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
للشاعر إسماعيل صبري، من قصيدة «إنا إذا سلبت وظائفنا»

وتصفح الرقاع وقضى حوائجهم عن آخرها، قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت.

وقال المبرد أتاني رجل لأشفع له في حاجة، فأنشدني لنفسه:

إنّي قصدتك لا أدلي بمعرفةولا بقرب ولكن قد فشت نعمك
فبتّ حيران مكروبا يؤرّقنيذلّ الغريب ويغشيني الكرى كرمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدميفاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك
فلو هممت بغير العرف ما علقتبه يداك ولا انقادت له شيمك

قال: فشفعت له وأنلته من الإحسان ما قدرت عليه.

وكتب رجل إلى يحيى بن خالد رقعة فيها هذا البيت:

شفيعي إليك الله لا شيء غيرهوليس إلى رد الشفيع سبيل

فأمره بلزوم الدهليز، فكان يعطيه كل يوم عند الصباح ألف درهم فلما استوفى ثلاثين ألفا، ذهب الرجل، فقال يحيى والله لو أقام إلى آخر عمره ما قطعتها عنه:

(شعر):

وقد جئتكم بالمصطفى متشفّعاوما خاب من بالمصطفى يتشفّع
إلى باب مولانا رفعت ظلامتيعسى الهمّ عنّي والمصائب ترفع

وقال آخر:

تشفّع بالنبي فكلّ عبديجار إذا تشفّع بالنبيّ
ولا تجزع إذا ضاقت أمورفكم لله من لطف خفيّ

وروي أن جبريل ﵇ قال: يا محمد لو كانت عبادتنا لله تعالى على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال:

سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين إذا أذنبوا.

اللهم استر ذنوبنا واقض عنا تبعاتنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس والعشرون في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم وفضل الشفاعة وإصلاح ذات البين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.