تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثالث في العافية والصحة

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية».

وعنه ﷺ أنه قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له ألم أصح بدنك وأروك بالماء البارد» ؟ وقال علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ

. هو الأمن والصحة والعافية.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يسأل الله العباد عن الأبدان والأسماع والأبصار فيم استعملوها وهو أعلم بذلك. وقال ابن عيينة: من تمام النعمة طول الحياة في الصحة والأمن والسرور. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية.

وقال قبيصة بن ذؤيب: كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجرة في مرضه: يا أهل النعم لا تستقلوا شيئا من النعم مع العافية. ويقال: البحر لا جوار له، والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها.

قال ابن الرومي:

إذا ما كساك الدهر سربال صحةولم تخل من قوت يحلّ ويقرب
فلا تغبطن أهل الكثير فإنّماعلى قدر ما يعطيهم الدهر يسلب

ويقال: صحة الجسم أوفر القسم. وذكر بعضهم العافية فقال: وأي وطاء وأي عطاء. وقال حكيم: إن كان شيء فوق الحياة، فالصحة وإن كان شيء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت، فالمرض وإن كان شيء مثل الموت فالفقر.

وقال علي رضي الله تعالى عنه: ما المبتلي الذي اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.

وقيل: إن فأرة البيوت رأت فأرة الصحراء في شدة ومحنة، فقالت لها: ما تصنعين ههنا؟ اذهبي معي إلى البيوت التي فيها أنواع النعيم والخصب، فذهبت معها وإذا صاحب البيت الذي كانت تسكنه قد هيأ لها الرصد لبنة تحتها شحمة، فاقتحمت لتأخذ الشحمة فوقعت عليها اللبنة فحطمتها، فهربت الفأرة البرية وهزت رأسها متعجبة وقالت: أرى نعمة كثيرة وبلاء شديدا إلا وإن الفقر والعافية أحب إليّ من غنى يكون فيه الموت، ثم فرت إلى البرية.

وكان عند رومي خنزير فربطه إلى أسطوانة ووضع العلف بين يديه ليسمنه، وكان بجنبه أتان لها جحش، وكان ذلك الجحش يلتقط من العلف ما يتناثر، فقال لأمه: يا أماه ما أطيب هذا العلف لو دام. فقالت له: يا بني لا تقربه، فإن وراءه الطامة الكبرى، فلما أراد الرومي أن يذبح الخنزير ووضع السكين على حلقه جعل يضرب وينفخ، فهرب الجحش وأتى إلى أمه، وأخرج لها أسنانه وقال: ويحك يا أماه أنظري هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف فاقلعيه. فما أحسن القنع مع السلامة، والله أعلم بالصواب.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثامن والاربعون في الشباب والصحة والعافية وأخبار المعمرين وما أشبه ذلك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.