من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الثاني في الشيب وفضله
أول من شاب سيدنا إبراهيم الخليل ﵊. وفي الخبر أن الله تعالى يقول: «الشيب نوري وأنا أستحي أن أحرقه بناري». وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: جاء رجلان إلى النبي ﷺ شيخ وشاب، فتكلم الشاب قبل أن يتكلم الشيخ، فقال ﵊:
«كبّر كبّر». وبهذه الرواية: من وقر كبيرا لكبر سنه آمنه الله من فزع يوم القيامة.
وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى تعالى وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إليّ أني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما».
ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أبكي ممن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله. وقال: من بلغ ثمانين من هذه الأمة حرمه الله على النار. وقال: إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات.
وقيل: كان الرجل فيمن كان قبلكم لا يحتلم حتى يبلغ ثمانين سنة. وقال ابن وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتي سنة، فبكته الانس والجن لحداثة سنه. وقال النخعي: كان يقال إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خلق لم يتغير عنه حتى يموت. وعن ابن عباس ﵄ رفعه: «من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار». وعن أنس ﵁ قال: قال ملك الموت لنوح ﵊، يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل في بيت له بابان، فقام وسط البيت ساعة ثم خرج من الباب الثاني. ويقال: أطع أكبر منك ولو بليلة. وقال عبد العزيز بن مروان: من لم يتعظ بثلاث لم ينته بشيء:
الإسلام، والقرآن، والشيب.
قال الشاعر:
يا عامر الدنيا على شيبهفيك أعاجيب لمن يجب
ما عذر من يعمر بنيانهوعمره منهدم يخرب
وقال الشعبي: الشيب علة لا يعاد منها ومصيبة لا يعزى عليها، وقال الفرزدق:
ويقول كيف يميل مثلك للظباوعليك من عظم المشيب عذار
والشيب ينقص في الشباب كأنّهليل يصيح بعارضيه نهار
وقال أبو دلف في بياض اللحية:
تكوّنني همّ لبيضاء نابتهلها بغضة في مضمر القلب ثابته
ومن عجب أنّي إذا رمت قصّهاقصصت سواها وهي تضحك نابته
وقال أيضا:
أرى شيب الرجال من الغوانيبمبلغ شيبهن من الرّجال
وقال ابن المعتز:
فظللت أطلب وصلها بتذلّلوالشيب يغمزها بأن لا تفعلي
قيل: صاح شاب بشيخ أحدب، بكم ابتعت هذا القوس يا عماه؟ فقال: يا بني إني أعطيتها بغير ثمن. ومر رجل أشمط بامرأة عجيبة في الجمال، فقال: يا هذه إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلا فأعلمينا. فقالت كأنك تخطبني؟ قال: نعم، فقالت: إن فيّ عيبا، قال: وما هو؟
قالت: شيب في رأسي، فثنى عنان دابته، فقالت: على رسلك، فلا والله ما بلغت عشرين سنة ولا رأيت في رأسي شعرة بيضاء، ولكنني أحببت أن أعلمك أني أكره منك مثل ما تكره مني، فأنشد، ويقال إنه لابن المعتز:
رأين الغواني الشيب لاح بمفرقيفأعرضن عني بالخدود النواضر
وقال آخر:
سألتها قبلة يوما وقد نظرتشيبي وقد كنت ذا مال وذا نعم
فأعرضت ومالت وهي قائلةلا والذي أوجد الأشياء من عدم
ما كان لي في بياض الشيب من أربأفي الحياة يكون القطن حشو فمي
وقال آخر:
قالت أرى مسكة الشعر البهيم غدتكافورة قد أحالتها يد الزمن
فقلت طيب بطيب والتنقّل فيمعادن الطيب أمر غير ممتهن
قالت صدقت وما أنكرت ذاك بذاألمسك للشم والكافور للكفن
وقال آخر:
قالت آراك خضبت الشيب قلت لهاسترته عنك يا سمعي ويا بصري
فقهقهت ثم قالت من تعجبهاتكاثر الغش حتى صار في الشعر
وقال ابن نباتة:
تبسّم الشيب بوجه الفتىيوجب سحّ الدمع من جفنه
وكيف لا يبكي على نفسهمن ضحك الشيب على ذقنه
وقال ابن المعتز:
فما أقبح التفريط في زمن الصبافكيف به والشيب في الرأس شامل
وكان المأمون يتمثل بقول الشاعر:
رأت وضحا في الرأس مني فراعهافريقان مبيض به وبهيم
تفاريق شيب في السواد لوامعفيا حسن ليل لاح فيه نجوم
ويقال في الرجل: إذا شاب ليله عسعس وصبحه تنفس:
إذا نازع الشيب الشباب فأصلتابسيفيهما فالشيب لا شكّ غالب
وقال آخر:
ألا إن شيب العبد من نقرة القفاوشيب كرام الناس شيب المفارق
وقال العتبي:
قالت عهدتك مجنونا فقلت لهاإنّ الشباب جنون برؤه الكبر
وقال علي بن ربيع:
كبرت ودقّ العظم مني وعقنيبنيّ وزالت عن فراشي العقائد
وأصبحت أعشى أخبط الأرض بالعصايقودونني بين البيوت الولائد
وقال آخر:
عريت من الشباب وكنت غصناكما يعرى من الورق القضيب
ونحت على الشباب بدمع عينيفما نفع البكاء ولا النحيب
فيا ليت الشباب يعود يومافأخبره بما فعل المشيب
وقال ابن النقيب:
وكم كان من عين عليّ وحافظوكم كان من واش لها ورقيب
فلما بدا شيبي اطمأنّت قلوبهمولم يحفظوني واكتفوا بمشيبي
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ما شبهت الشباب إلا كشيء كان في كمي فسقط. قال الشاعر:
شيئان لو بكت الدماء عليهماعيناك حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهمافقد الشباب وفرقة الأحباب
وقال الجاحظ:
أترجو أن تكون وأنت شيخكما قد كنت في زمن الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوبدريس كالجديد من الثياب
ومما جاء في الخضاب:
قال ﷺ: «عليكم بالخضاب فإنه أهيب لعدوكم وأعجب لنسائكم». وعن أبي عامر الأنصاري ﵁: رأيت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يغير بالحناء والكتم. وقيل: خضاب الحناء يصفي البصر ويذهب بالصداع ويزيد في البهاء.
تسوّد أعلاها وتأبى أصولهاوليس إلى رد الشباب سبيل
وقيل: وفد عبد المطلب بن هاشم على سيف بن ذي يزن. فقال له: لو خضبت شعرك، فلما رجع إلى مكة اختضب. فقالت امرأته نبيلة: ما أحسن هذا لو دام. فقال:
ولو دام لي هذا الخضاب حمدتهوكان بديلا من خليل قد انصرم
تمتّعت منه والحياة قصيرةولا بدّ من موت نبيلة أو هرم
وقال آخر:
يا خاضب الشيب الذيفي كلّ ثالثة يعود
إن الخضاب إذا نضافكأنه شيب جديد
فدع المشيب وما يريد فلن يعود كما تريد
وقال محمود الوراق:
فما منك الشباب ولست منهإذا سامتك لحيتك الخضابا
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع