من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
وأما ما جاء في التيقظ والتبصر في الأمور
فقد قالت الحكماء: من أيقظ نفسه وألبسها لباس
التحفظ أيس عدوه من كيده له وقطع عنه أطماع الماكرين به. وقالوا: اليقظة حارس لا ينام وحافظ لا ينسام، وحاكم لا يرتشي، فمن تدرع بها أمن من الاختلال والغدر والجور والكيد والمكر.
وقيل: إن كسرى أنو شروان كان أشد الناس تطلعا في خفايا الأمور، وأعظم خلق الله تعالى في زمانه تفحصا وبحثا عن أسرار الصدور، وكان يبث العيون على الرعايا والجواسيس في البلاد ليقف على حقائق الأحوال، ويطلع على غوامض القضايا، فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب، والمصلح فيجازيه الإحسان، ويقول: متى غفل الملك عن تعرف ذلك، فليس له من الملك إلا اسمه، وسقطت من القلوب هيبته.
وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في ليلة من الليالي يطوف يتفقد أحوال المسلمين، فرأى بيتا من الشعر مضروبا، لم يكن قد رآه بالأمس، فدنا منه، فسمع فيه أنين امرأة، ورأى رجلا قاعدا، فدنا منه وقال له: من الرجل؟
فقال له: رجل من البادية قدمت إلى أمير المؤمنين لأصيب من فضله، قال: فما هذا الأنين؟ قال: امرأة تتمخض قد أخذها الطلق قال: فهل عندها أحد؟ قال: لا، فانطلق عمر فجاء إلى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بنت فاطمة الزهراء ﵄: هل لك في أجر قد ساقه الله تعالى لك؟ قالت: وما هو؟ قال:
امرأة تتمخض ليس عندها أحد. قالت: إن شئت، قال:
فخذي معك ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن، وائتني بقدر وشحم وحبوب. فجاءت به، فحمل القدر، ومشت خلفه حتى أتى البيت، فقال: ادخلي إلى المرأة، ثم قال للرجل: أوقد لي نارا، ففعل، فجعل عمر ينفخ النار ويضرمها والدخان يخرج من خلال لحيته حتى أنضجها وولدت المرأة، فقالت أم كلثوم ﵂: بشّر صاحبك يا أمير المؤمنين بغلام، فلما سمعها الرجل تقول يا أمير المؤمنين ارتاع وخجل، وقال: واخجلتاه منك يا أمير المؤمنين أهكذا تفعل بنفسك؟ قال: يا أخا العرب:
من ولي شيئا من أمور المسلمين ينبغي له أن يتطلع على صغير أمورهم وكبيره، فإنه عنها مسؤول، ومتى غفل عنها خسر الدنيا والآخرة. ثم قام عمر ﵁، وأخذ القدر من على النار وحملها إلى باب البيت، وأخذتها أم كلثوم، وأطعمت المرأة، فلما استقرت وسكنت طلعت أم كلثوم، فقال عمر ﵁ للرجل: قم إلى بيتك وكل ما في البرمة، وفي غد ائت إلينا، فلما أصبح جاءه، فجهزه بما أغناه به وانصرف.
وكان ﵁ من شدة حرصه على تعرف الأحوال وإقامة قسطاس العدل وإزاحة أسباب الفساد وإصلاح الأمة يعس بنفسه، ويباشر أمور الرعية سرا في كثير من الليالي، حتى أنه في ليلة مظلمة خرج بنفسه فرأى في بعض البيوت ضوء سراج، وسمع حديثا، فوقف على الباب يتجسس، فرأى عبدا أسود قدامه إناء فيه مزر وهو يشرب ومعه جماعة، فهمّ بالدخول من الباب، فلم يقدر من تحصين البيت، فتسور على السطح ونزل إليهم من الدرجة، ومعه الدرة، فلما رأوه قاموا، وفتحوا الباب وانهزموا فأمسك الأسود، فقال له يا أمير المؤمنين: قد أخطأت وإني تائب، فاقبل توبتي، فقال: أريد أن أضربك على خطيئتك. فقال يا أمير المؤمنين: إن كنت قد أخطأت في واحدة، فأنت قد أخطأت في ثلاث: فإن الله تعالى قال: وَلا تَجَسَّسُوا
وأنت تجسست، وقال تعالى:
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
وأنت أتيت من السطح، وقال تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
، وأنت دخلت وما سلمت، فهب هذه لهذه، وأنا تائب إلى الله تعالى على يدك أن لا أعود، فاستتابه، فاستحسن كلامه.
وله رضي الله تعالى عنه وقائع كثيرة مثل هذه.
وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد سلك طريق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك، وكان زياد بن أبيه يسلك مسلك معاوية في ذلك حتى نقل عنه أن رجلا كلمه في حاجة له وجعل يتعرف إليه ويظن أن زيادا لا يعرفه، فقال: أنا فلان ابن فلان فتبسم زياد وقال له: أتتعرف إليّ، وأنا أعرف بك منك بنفسك؟.
والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأعرف أمك، وأعرف جدك وجدتك، وأعرف هذه البردة التي عليك وهي لفلان، وقد أعارك إياها. فبهت الرجل وارتعد، حتى كاد يغشى عليه.
ثم جاء بعدهم من اقتدى بهم وهو: عبد الملك بن مروان، والحجاج، ولم يسلك بعدهما ذلك الطريق،
واقتفى آثار ذلك الفريق إلا المنصور ثاني خلفاء بني العباس ولي الخلافة بعد أخيه السفاح، وهي في غاية الاضطراب فنصب العيون، وأقام المتطلعين، وبث في البلاد والنواحي من يكشف له حقائق الأمور والرعايا، فاستقامت له الأمور، ودانت له الجهات ولقد ابتلي في خلافته بأقوام نازعوه، وأرادوا خلعه، وتمردوا عليه، وتكاثروا، فلولا أن الله تعالى أعانه بتيقظه وتبصره ما ثبت له في الخلافة قدم، ولا رفع له مع قصد أولئك القاصدين علم، لكنه بث العيون فعرف من انطوى على خلافه فعالجه باتلافه، واطلع على عزائم المعاندين فقطع رؤوس عنادهم بأسيافه، وكان بكمال يقظته يتلقى المحذور بدفعه دون رفعه، ويعاجل المخوف بتفريق شمله قبل جمعه، فذلت له الرقاب ولانت لخلافته الصعاب، وقرر قواعدها وأحكمها بأوثق الأسباب.
فمن آثار يقظته وفطنته ما نقله عنه عقبة الأزدي قال:
دخلت مع الجند على المنصور فارتابني، فلما خرج الجند أدناني وقال لي: من أنت؟ فقلت: رجل من الأزد، وأنا من جند أمير المؤمنين قدمت الآن مع عمر بن حفص.
فقال: إني لأرى لك هيبة وفيك نجابة، وإني أريدك لأمر وأنا به معنّى، فإن كفيتنيه رفعتك، فقلت: إني لأرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين. فقال: أخف نفسك واحضر في يوم كذا. قال: فغبت عنه إلى ذلك اليوم، وحضرت، فلم يترك عنده أحدا، ثم قال لي: اعلم أن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيد ملكنا واغتياله ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم، فخذ معك عينا من عندي، وألطافا، وكتبا، واذهب حتى تأتي عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فاقدم عليه متخشعا، والكتب على ألسنة أهل تلك القرية والألطاف من عندهم إليه، فإذا رآك، فإنه سيردك ويقول لا أعرف هؤلاء القوم، فاصبر عليه وعاوده وقل له: قد سيروني سرا، وسيروا معي ألطافا وعينا، وكلما جبهك، وأنكر أصبر عليه، وعاوده، واكشف باطن أمره، قال عقبة: فأخذت كتبه والعين والألطاف، وتوجهت إلى جهة الحجاز حتى قدمت على عبد الله بن الحسن، فلقيته بالكتب، فأنكرها ونهرني وقال: ما أعرف هؤلاء القوم قال عقبة: فلم أنصرف، وعاودته القول وذكرت له اسم القرية وأسماء أولئك القوم، وأن معي ألطافا، وعينا، فأنس بي، وأخذ الكتب وما كان معي. قال عقبة: فتركته ذلك اليوم، ثم سألته الجواب، فقال: أما كتاب، فلا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فاقرئهم السلام وأخبرهم أن ابني محمدا وإبراهيم خارجان لهذا الأمر وقت كذا وكذا، قال عقبة: فخرجت من عنده، وسرت حتى قدمت على المنصور فأخبرته بذلك، فقال لي المنصور: إني أريد الحج، فإذا صرت بمكان كذا وكذا وتلقاني بنو الحسن وفيهم عبد الله، فإني أعظمه وأكرمه وأرفعه، وأحضر الطعام، فإذا فرغ من أكله، ونظرت إليه، فتمثل بين يدي، وقف قدامه، فإنه سيصرف وجهه عنك، فدر حتى تقف من ورائه واغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينيه منك، ثم انصرف عنه، وإياك أن يراك وهو يأكل. ثم خرج المنصور يريد الحج حتى إذا قارب البلاد تلقاه بنو الحسن، فأجلس عبد الله إلى جانبه وحادثه، فطلب الطعام للغداء فأكلوا معه، فلما فرغوا أمر برفعه، فرفع، ثم أقبل على عبد الله بن الحسن وقال: يا أبا محمد قد علمت أن مما أعطيتني من العهود والمواثيق أنك لا تريدني بسوء ولا تكيد لي سلطانا، قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين.
قال عقبة: فلحظني المنصور بعينه، فقمت حتى وقفت بين يدي عبد الله بن الحسن، فأعرض عني، فدرت من خلفه وغمزت ظهره بإبهام رجلي، فرفع رأسه وملأ عينيه مني ثم وثب حتى جثى بين يدي المنصور وقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله. فقال له المنصور: لا أقالني الله إن لم أقتلك، وأمر بحبسه وجعل يتطلب ولديه محمد وإبراهيم ويستعلم أخبارهما. قال علي الهاشمي صاحب غدائه، دعاني المنصور يوما فإذا بين يديه جارية صفراء، وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها: ويلك إصدقيني، فو الله ما أريد إلا الألفة، ولئن صدقتيني لأصلن رحمه ولأتبعن البر إليه. وإذا هو يسألها عن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وهي تقول: لا أعرف له مكانا، فأمر بتعذيبها، فلما بلغ العذاب منها أغمي عليها، فقال: كفوا عنها، فلما رأى أن نفسها كادت تتلف قال: ما دواء مثلها؟ قالوا: شم الطيب وصب الماء البارد على وجهها وأن تسقى السويق، ففعلوا بها ذلك، وعالج المنصور بعضه بيده، فلما أفاقت سألها عنه، فقالت:
لا أعلم، فلما رأى إصرارها على الجحود قال لها:
أتعرفين فلانة الحجامة، فلما سمعت منه ذلك تغيّر وجهها وقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك من بني سليم قال:
صدقت. هي والله أمتي إبتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر، وكسوة شتائها وصيفها من عندي سيرتها، وأمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أحوالكم وأخباركم، ثم قال لها: أتعرفين فلانا البقال؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين هو في بني فلان، قال: صدقت هو والله غلامي دفعت إليه مالا، وأمرته أن يبتاع به ما يحتاج إليه من الأمتعة، وأخبرني أن أمة لكم يوم كذا وكذا جاءت إليه بعد صلاة المغرب تسأله حناء، وحوائج، فقال لها: ما تصنعين بهذا؟ قالت: كان محمد بن عبد الله بن الحسن في بعض الضياع بناحية البقيع، وهو يدخل الليلة، وأردنا هذا ليتخذ النساء ما يحتحن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب. فلما سمعت الجارية هذا الكلام من المنصور ارتعدت من شدة الخوف، وأذعنت له بالحديث وحدثته بكل ما أراد. والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع