من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الإبل
قيل: ما خلق الله شيئا من الدواب خيرا من الإبل. إن حملت أثقلت، وإن سارت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت أشبعت. وفي الحديث: «الإبل عز لأهلها والغنم بركة، والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وهي من الحيوان العجيب، وإن كان عجبه قد سقط لكثرة مخالطته الناس، وقد أطاعها الله للآدمي وغيره حتى قيل: إن قطارا كان ببعض حبله دهن، فمرت فأرة، فجذبته، فسار معها القطار بواسطة جذبها له، وهي مراكب البر، ولذلك قرنها الله تعالى بالسفن فقال تعالى:
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
. ولما كانت مراكب البر والبر فيه ما ماؤه قليل، وما ماؤه كثير جعل الله تعالى لها صبرا على العطش حتى قيل: إنه يرتع ظمؤها إلى عشر. وفي الحديث: «لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع به على الناس». حكاه ابن سيده.
والذي يعرف: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن.
قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: ليس لشيء من الطحول مثل ما للجمل عند هيجانه، فإنه يسوء خلقه، فيظهر زبده، ويقل رغاؤه فلو حمّل عليه ثلاثة أضعاف عادته حمل، ويقل أكله، ويخرج له عند رغائه شقشقة لا تعرف من أي شيء هي من أجزائه، وهو من الأحرار حتى قيل: إنه لا ينزو لا على أمه ولا على أخته حتى قيل:
إن بعض العرب ستر ناقته بثوب ثم أرسل عليها ولدها، فلما عرف ذلك عمد إلى إحليله، فأكله، ثم حقد على صاحبه حتى قتله، وليس له مرارة، ولذلك كثر صبره.
وقيل: يوجد على كبده شيء رقيق يشبه المرارة ينفع الغشاوة في العين كحلا، وفي معدته قوة حتى أنها تهضم الشوك وتستطيبه، ويحل أكله بالنص والاجماع، وأما
تحريم يعقوب ﵊ أكلها فباجتهاد منه، وذلك أنه كان يسكن البوادي، فاشتكى عرق النسا، فلم يجد ما يلائمه إلا ترك أكل لحومها، فلذلك حرمها. وأما انتقاض الوضوء بأكل لحمها، فاختلف العلماء في ذلك، فهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض، وعليه الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وجماهير التابعين، وبه أخذ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وخالف في ذلك أحمد وإسحاق، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، واختاره البيهقي، وهو مذهب الشافعي القديم.
خواصه: قال ابن زهير وغيره: أكل لحمه يزيد في الباه
وفي الإنعاظ بعد الجماع، وبوله يفيق السكران، ووبره إذا أحرق وذر على دم سائل قطعه، وقراده إذا ربط على كم عاشق يزول عشقه.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع