تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

بعوض

قيل إنه أكثر أعضاء منه فإن للفيل أربعة أرجل وللبعوض ستة ويزيد عليه بأربعة أجنحة وله خرطوم مجوف نافذ فإذا طعن به جسد إنسان استقي الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو انسان يتبع مسام العروق فإنها أرق وأسرع له في إخراج الدم وعنده شره في مصه حتى قيل إنه لا يمص شيئا فيتركه باختياره إلى أن ينشق أو يطار. ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع فيتركه طريحا. وقال الجاحظ من علم البعوض إن وراء جلد الجاموس دما وأن ذلك الدم غذاء لها وأنها إذا طعنت في ذلك الجلد الغليظ نفذ فيه خرطومها مع ضعفه ولو أنك طعنت فيه بمسلات شديدة المتن رهيفة الحد لانكسرت فسبحان من رزقها على ضعفها بقوته وقدرته. قال بعضهم:

أقول لنازل البستان طوبىلعيشك لم تشك فيه البعوض
يململه فليس له قرارويثخنه فليس له نهوض
حماه قرصه وطنينه أنيبيت وعينه فيها غموض
كأنك حين تهدى بالأغانيتكر وفي مسامعك العروض

ومن الحكم التي أودعها الله تعالى إياها أن جعل الله فيها قوة الحافظة والفكر وحاسة اللمس والبصر والشم ومنفذ الغذاء وجوفا وعروقا ومخا وعظاما فسبحان من قدر فهدى ولم يترك شيئا سدى.

وقال الزمخشري في تفسير سورة البقرة في ذلك:

يا من يرى مد البعوض جناحهافي ظلمة الليل البهيم الأليل
للشاعر المؤيد في الدين الفاطمي داعي الدعاة، اقرأ القصيدة
ويرى مناط عروقها في نحرهاوالمخ من تلك العظام النّحّل
للشاعر المؤيد في الدين الفاطمي داعي الدعاة، اقرأ القصيدة
ويرى خرير الدم في أوداجهامتنقلا من مفصل في مفصل
ويرى وصول غذا الجنين ببطنهافي ظلمة الأحشا بغير تمقّل
ويرى مكان الوطء من أقدامهافي سيرها وحثيثها المستعجل
ويرى ويسمع حسّ ما هو دونهافي قاع بحر مظلم متهوّل
امنن عليّ بتوبة تمحو بهاما كان منّي في الزمان الأول

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المستطرف في كل فن مستظرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.