من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
ضب
حيوان يجعل جحره في الأرض الصلدة وعنده بلم، فربما لا يهتدي لجحره إذا خرج منه، فلذلك لا يحفره إلا بقرب كودية أو أشارة، وهو من الحيوان الذي يعمر. قيل: إنه يعيش سبعمائة سنة، ومن طبعه أنه يصبر على الماء يقال: إنه لا يشرب، فإنه يبول في كل أربعين يوما قطرة، والأنثى تبيض سبعين بيضة وأكثر، وتجعلها في الأرض، وتتعاهدها في كل يوم إلى أربعين يوما، فيخرج، وبيضها قدر بيض الحمام، وهذا الحيوان شديد الخوف من الآدمي، ولذلك يجعل العقارب في جحره حتى يمتنع بها، ويخرج من جحره كليل البصر، فيستقبل الشمس، فيحصل له بذلك حدة في بصره، وإذا عطش نشق النسيم فيروى، وبينه وبين الأفاعي مناسبة، وذلك أنه لا يخرج زمن الشتاء.
فائدة: قيل أن أعرابيا أتى النبي ﷺ وفي كمه ضب قد صاده، وقال: لولا أن تسميني العرب عجولا لقتلتك، وسررت الناس بقتلك فقال عمر: دعني يا رسول الله أقتله، فقال ﵊: مهلا يا عمر أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا؟ قال: ثم أقبل الأعرابي على النبي ﷺ وقال: والله لا آمنت بك إلا أن يؤمن بك هذا الضب، وأخرجه من كمه قال: فعند ذلك قال النبي ﷺ يا ضب: فأجابه بلسان فصيح لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين، فقال: من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي
الجنة رحمته، وفي النار عذابه، فقال: من أنا يا ضب؟
قال: رسول رب العالمين قد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك، قال، فقال الأعرابي عند ذلك: يا ويلاه ضب اصطدته بيدي من البرية يشهد لك بالرسالة. أنا أولى منه بذلك، هات يدك أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا، ولقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أكثر بغضا مني إليك، ولقد صرت الآن أذهب من عندك وما على وجه الأرض أحدا أكثر محبة مني إليك، ولأنت الساعة أحب إليّ من أهلي وولدي وما تملك يدي، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي هداك لهذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولكن لا يقبله الله إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلا بقراءة. قال: فعلمني يا حبيبي. قال: فعلمه سورة الفاتحة، وسورة الإخلاص، وقال: من قرأها ثلاث مرات، فكأنما قرأ القرآن. قال: لهذا يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، ثم سأله: ألك مال؟ فقال: يا حبيبي ليس في بني سليم أفقر مني، فقال لأصحابه: أعطوه، فأعطوه حتى أثقلوه، فقال عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله: عندي ناقة عشارية أعطيها له، فقال: إن الله يعطيك ناقة في الجنة من درة قوائمها من الزبرجد الأخضر وعيناها من الياقوت الأحمر، وعليها هودج من السندس تخطفك من الصراط كالبرق. قال: فخرج الأعرابي من عنده، فتلقاه ألف فارس من المشركين كلهم يريدون قتل النبي ﷺ، فأخبرهم بقصته، فأسلموا عن آخرهم، وأمر النبي ﷺ خالد بن الوليد عليهم، وهذه القصة ذكرها الدراقطني بتمامها، والبيهقي والحاكم، وابن عدي.
الخواص: قلبه يذهب الحزن والخفقان، وشحمه يطلى به الذكر يزيد في الباه، وكعبه يشد على وجع الضرس يبرأ، وإذا جعل على وجه فرس لا يسبقه شيء، وبعره يذهب البرص والكلف طلاء، ومن أكل لحمه لا يعطش زمانا طويلا.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع