من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
نمل
قال ﵊: ألا تنظرون إلى صغير من خلق الله كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر. انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بحلظ البصر ولا بمستدرك الفكر كيف دبت على الأرض، وسعت في مناكبها، وطلبت رزقها تنقل الحبة إلى جحرها تجمع في حرها لبردها وفي وردها لصدرها لا يغفل عنها المنان ولا يحرمها الديان، ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا، وللقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر، لا إله إلا هو ولا معبود سواه. وقيل:
إذا خافت على حبها أن يعفن أخرجته إلى ظهر الأرض ليجف، وقيل: إنها تفلق الحبة نصفين خوفا من أن تنبت، فتفسد إلا الكزبرة، فإنها تفلقها أربعا لأنها من دون الحب ينبت نصفها، وليس كل أرباب الفلاحة يعرف هذا، فسبحان من ألهمها ذلك، وقيل: إنها تشم رائحة الشيء من بعيد ولو وضعته على أنفك لم تجد له رائحة، وإذا عجزت عن حمل شيء استعانت برفقتها، فيحملونه جميعا إلى باب جحرها، وقيل: إذا انفتح باب قرية النمل، فجعلت فيه زرنيخا أو كبريتا هجرتها، والله أعلم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع