من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
المنهال العنبري
وهو الذي يقول:
ألفت العصا وابتزّني الشّيب وانتهتلداتي وأودى كلّ لهو ومقصد
وظلت أزجّ النّفس وهي بطيّةإلى اللهو زجّي بالثّفال المقّيد
فأصبحن لا يخضبن كفّا لزينةمن آجلي ولا يكحلن عينا بإثمد
وهذا الشاعر وإن خبرّ أنه يمشى على العصا فلم يخبر أنّه أعرج،
وقد يعرض للكبير من الض عف ما يدعوه ذلك إلى أخذ العصا. وقد قال الأوّل:
الدّهر أفناني وما أفنيتهوالدّهر غيّرني وما يتغيّر
والدّهر قيّدني بقيد مرملفمشيت فيه، وكلّ يوم يقصر
إنّ امرأ أمسى أبوه وأمّهتحت التّراب أحقّ من يتفكّر
ومن هذا الشكل قوله:
آتي النّديّ فلا يقرّب مجلسيوأقود للشّرف الرفيع حماريا
ومن هذا الشكل قوله:
إذا أقوم عجنت الأرض معتمداعلى البراجم حتّى يذهب البقر
ما للكواعب يا دهماء قد جعلتتزورّ منّي وتلقى دوني الحجر
قد كنت فرّاج أبواب مغلّقةتعشو إليّ إذا ما خولس النّظر
وهو الذي يقول:
وكنت أمشي على رجلين معتمدافصرت أمشي على رجل من الخشب
وممن تعارج ولم يكن به عرج: الزّبير، وهو مولى [ابن] الزّبير. والزّبير هذا هو أبو الأشعب الذي يقال «أطمع من أشعب»، وكان خرج مع المختار بن أبي عبيد على مصعب بن الزبير، ورآه مصعب في الطريق وإذا هو يتعارج ويتعاور، فأثبته مصعب فقدّمه فضرب عنقه.
وتزوّج أبو الغول الطّهوي، امرأته فوجدها عرجاء من رجليها جميعا فقال:
أعوذ بالله من زلّاء فاحشةكأنّما نيط ثوباها على عود
لا يمسك الحبل حقواها إذا انتطقتوفي الذّنابي وفي العرقوب تحديد
أعوذ بالله من ساق بها عوجكأنّها من حديد القين سفّود
وأنشدني لأعرابيّ:
ليست من العوج العملّجاتكأنّ رجليها كراعا شاة
في قدم عوجاء كالمسحاة.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع