من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛.
فقال: كيف ينزل الله السّحر على الملائكة؟ أم كيف تعلّم الملائكة الناس السّحر والتفريق بين المرء وزوجه؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنّه بإذنه، وهو تعالى قد نهى عنه، وحذّر من فعله؟ وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم، بقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ، ثم قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؟.
الجواب، قلنا: فى الآية وجوه؛ كلّ منها يزيل الشبهة الداخلة على من لا ينعم النّظر فيها:
أوّلها أن يكون ما فى قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بمعنى الّذي، فكأنه تعالى أخبر عن طائفة من أهل الكتاب، بأنهم اتّبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان، وتضيفه إليه من السّحر؛ فبرأه الله تعالى من قرفهم، وأكذبهم فى قولهم، فقال:
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باستعمال السّحر والتمويه على الناس، ثم قال: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وأراد أنهم يعلّمونهم السّحر
والّذي أنزل على الملكين، وإنّما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيّته وكيفية الاحتيال فيه؛ ليعرفا ذلك ويعرّفاه للناس فيجتنبوه ويحذروا منه، كما أنّه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصى، ووصف لنا أحوال القبائح
لنجتنبها لا لنوقعها؛ لأنّ الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه، وأقدموا على فعله؛ وإن كان غيرهم من المؤمنين لمّا عرفه اجتنبه وحاذره وانتفع باطّلاعه على كيفيته، ثم قال: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ يعنى الملكين، ومعنى يُعَلِّمانِ يعلمان، والعرب تستعمل لفظة علّمه بمعنى أعلمه، قال القطامىّ:
تعلّم أنّ بعد الغىّ رشداوأنّ لتانك الغبر انقشاعا
وقال كعب بن زهير:
تعلّم رسول الله أنّك مدركىوأنّ وعيدا منك كالأخذ باليد
ومعنى «تعلّم» فى البيتين/ معنى «اعلم»؛ والّذي يدلّ على أنّ المراد هاهنا الإعلام لا التعليم قوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ، أى أنهما لا يعرّفان صفات السحر وكيفيته إلّا بعد أن يقولا إنما نحن محنة، لأن الفتنة بمعنى المحنة؛ وإنما كانا محنة، من حيث ألقيا إلى المكلّفين أمرا لينزجروا عنه، وليمتنعوا من مواقعته، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه، فقالا لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، ولا تعدل عن الغرض فى إلقاء هذا إليك، فإنه إنّما ألقى إليك، وأطلعت عليه لتجتنبه؛ لا لتفعله، ثم قال: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، أى فيعرفون من جهتهما ما يستعلمونه فى هذا الباب؛ وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك؛ ولهذا قال: وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ؛ لأنّهم
لمّا قصدوا بتعلّمه أن يفعلوه ويرتكبوه، لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.
وثانيها أن يكون ما أُنْزِلَ موضعه موضع جرّ؛ فيكون معطوفا بالواو على مُلْكِ سُلَيْمانَ؛ والمعنى: واتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان، وعلى ما أنزل على الملكين؛ ومعنى ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أى معهما، وعلى ألسنتهما؛ كما قال تعالى:
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ؛، أى على ألسنتهم ومعهم.
وليس بمنكر أن يكون ما أُنْزِلَ معطوفا على مُلْكِ سُلَيْمانَ وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض؛ لأن ردّ الشيء إلى نظيره، وعطفه على ما هو أولى هو الواجب، وإن اعترض بينهما ما ليس منهما؛ ولهذا نظائر فى القرآن وكلام العرب كثيرة، قال الله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً؛ و «قيّم» من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة «عوج»، وإن تباعد ما بينهما، ومثله قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ؛، فالمسجد هاهنا معطوف به على الشهر الحرام، أى يسألونك عن القتال فى الشهر الحرام وعن المسجد الحرام.
وحكى عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال: العرب تلفّ الخبرين المختلفين، ثم ترمى بتفسيرهما جملة؛ ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ خبره؛ كقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛، وهذا واضح فى مذهب العرب، كثير النظائر.
ثم قال: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ، والمعنى أنهما لا يعلّمان أحدا، بل ينهيان عنه، ويبلغ من نهيهما عنه وصدّهما عن فعله واستعماله أن يقولا: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ باستعمال السحر والإقدام على فعله، وهذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلانا بكذا، ولقد بالغت فى نهيه حتى قلت له: إنك إن فعلته أصابك كذا وكذا؛ وهذا
هو نهاية البلاغة فى الكلام؛ والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعانى الكثيرة؛ لأنه استغنى بقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ عن بسط الكلام الّذي ذكرناه؛ ولذلك نظائر فى القرآن، قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ؛، فلولا الاختصار لكان مع شرح الكلام يقول: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، ولو كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق؛ ومثله قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ؛، أى: فيقال للذين اسودت وجوههم:
أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؛ وأمثاله أكثر من أن تورد.
ثم قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين؛ وكيف يرجع إليهما وقد نفى عنهما التعليم! بل يرجع إلى الكفر والسحر، وقد تقدم ذكر السحر، وتقدم أيضا ذكر ما يدلّ على الكفر ويقتضيه فى قوله: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا؛ فدل كَفَرُوا على الكفر، والعطف عليه مع السحر جائز، وإن كان التصريح قد وقع بذكر السحر دونه؛ ومثل ذلك قوله تعالى:
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى. وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى؛ [الأعلى:، أى يتجنّب الذكرى الأشقى، ولم يتقدم تصريح بالذّكرى، لكن دلّ عليها قوله: سَيَذَّكَّرُ.
ويجوز أيضا أن يكون معنى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما، أى بدلا مما علّمهم الملكان، ويكون المعنى أنهم يعدلون عمّا علّمهم ووقفهم عليه الملكان من النهى عن السحر إلى تعلمه واستعماله؛ كما يقول القائل: ليت لنا من كذا وكذا كذا! أى بدلا منه، وكما قال الشاعر:
/ جمعت من الخيرات وطبا وغلبةوصرّ الأخلاف المزمّمة البزل
ومن كلّ أخلاق الكرام نميمةوسعيا على الجار المجاور بالمحل
يريد جمعت مكان الخيرات، ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة.
وقوله: «ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فيه وجهان:
أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين، ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، فيفرّق بينهما اختلاف النّحلة والملّة.
والوجه الآخر أن يسعوا بين الزّوجين بالنميمة والوشاية والإغراء والتمويه بالباطل؛ حتى يئول أمرهما إلى الفرقة والمباينة.
وثالث الوجوه فى الآية أن يحمل ما فى قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على الجحد والنفى، فكأنه تعالى قال: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، ولا أنزل الله السّحر على الملكين، وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ويكون قوله: بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ من المؤخّر الّذي معناه التقديم، ويكون- على هذا التأويل- هاروت وماروت رجلين من جملة الناس، هذان اسماهما؛ وإنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا وتبيينا، ويكون الملكان المذكوران اللذان
نفى عنهما السحر جبرائيل وميكائيل ﵉؛ [لأن سحرة اليهود- فيما ذكر- كانت تدّعى أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرائيل وميكائيل] إلى سليمان بن داود ﵉، فأكذبهما الله تعالى بذلك.
ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين، كأنه قال: ولكن الشياطين:
هاروت وماروت كفروا؛ ويسوغ ذلك كما ساغ فى قوله تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ؛، يعنى حكم داود وسليمان ﵉.
ويكون قوله تعالى على هذا التأويل: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين، أو من الإنس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به. ومعنى قولهما: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ يكون على طريق الاستهزاء والتماجن والتخالع، كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا: هذا فعل من لا يفلح، وقول من لا ينجب، والله ما حصلت/ إلا على الخسران؛ وليس ذلك منه على سبيل النّصح للناس وتحذيرهم من مثل فعله، بل على وجه المجون والتهالك.
ويجوز أيضا على هذا التأويل الّذي يتضمّن النفى والجحد أن يكون هاروت وماروت اسمين لملكين، ونفى عنهما إنزال السحر بقوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ ويكون قوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ يرجع إلى قبيلتين من الجنّ أو إلى شياطين الجنّ والإنس، فتحسن التثنية لهذا.
وقد روى هذا التأويل الأخير فى حمل ما على النفى عن ابن عباس وغيره من المفسرين.
وروى عنه أيضا أنه كان يقرأ: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام، ويقول:
متى كان العلجان ملكين! إنما كانا ملكين؛ وعلى هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله:
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ إليهما.
وعلى هذه القراءة فى الآية وجه آخر وإن لم يحمل قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على الجحد والنفى، وهو أن
يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتّبعوا ما تتلوا الشياطين وتدّعيه على ملك سليمان، واتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر، ولا يكون الإنزال مضافا إلى الله تعالى، وإن أطلق؛ لأنه جلّ وعز لا ينزل السحر؛ بل يكون منزله إليهما بعض الضّلّال العصاة، ويكون معنى أُنْزِلَ- وإن كان من الأرض- حمل إليهما لا من السماء أنه أتى به به من نجود الأرض وأعاليها؛ فإنّ من هبط من نجد البلاد إلى غورها يقال: نزل وهبط، وما جرى هذا المجرى.
فأما قوله تعالى: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فيحتمل وجوها:
منها أن يريد بالإذن العلم، من قولهم: آذنت فلانا بكذا إذا أعلمته، وأذنت لكذا إذا استمعته وعلمته، قال الشاعر:
فى سماع يأذن الشّيخ لهوحديث مثل ماذىّ مشار
ومنها أن تكون إِلَّا زائدة، فيكون المعنى: وما هم بضارين به من أحد بإذن الله، ويجرى مجرى قول أحدنا: لقيت زيدا إلا أنى أكرمته، أى لقيت زيدا فأكرمته.
ومنها أن يكون أراد بالإذن التخلية وترك المنع، فكأنه أفاد بذلك أنّ العباد لن يعجزوه، وما هم بضارين أحدا إلا بأن يخلّى الله تعالى بينهم وبينه، ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر، زائدا على منعهم بالزجر والنهى.
/ ومنها أن يكون الضرر الّذي عنى أنه لا يكون إلا بإذنه، وأضافه إليه هو ما يلحق المسحور من الأدوية والأغذية التى يطعمه إياها السّحرة ويدّعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور؛ ومعلوم أن الضرر الحاصل عن ذلك من فعل الله تعالى بالعادة؛ لأنّ الأغذية لا توجب ضرّا ولا نفعا، وإن كان المعرّض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحق للذم، وعليه يجب العوض.
ومنها أن يكون الضرر المذكور إنما هو ما يحصل عن التفريق بين الأزواج؛ لأنه أقرب إليه فى ترتيب الكلام؛ والمعنى أنهم إذا أغووا أحد الزوجين، وكفر فبانت منه زوجته، فاستضرّ بذلك كانوا ضارّين له بما حسّنوه له من الكفر، إلّا أنّ الفرقة لم تكن إلّا بإذن الله وحكمه؛ لأنه تعالى هو الّذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفى الأديان؛ فلهذا قال: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؛ والمعنى أنه لولا حكم الله وإذنه فى الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملّة لم يكونوا ضارين له هذا الضّرب من الضرر الحاصل عند الفرقة؛ ويقوّى هذا الوجه ما روى أنه
كان من دين سليمان؛ أنه من سحر بانت منه امرأته.
فأما قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، ثم قال:
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ففيه وجوه:
أوّلها أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا، ويكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبّر عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، والذين لم يعلموا هم الذين تعلّموا السحر، وشروا به أنفسهم.
وثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا؛ إلا أنهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره، فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من عقاب الله الّذي لا نفاد له ولا انقطاع.
وثالثها أن تكون الفائدة فى نفى العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموا، فكأنهم لم يعلموا، وهذا كما يقول أحدنا لغيره: ما أدعوك إليه خير لك وأعود عليك؛ لو كنت تعقل وتنظر فى العواقب، وهو يعقل وينظر فى العواقب، إلا أنه لا يعمل بموجب علمه، فحسن أن يقال له/ مثل هذا القول؛ قال كعب بن زهير يصف ذئبا وغرابا تبعاه؛ ليصيبا من زاده:
إذا حضرانى قلت: لو تعلمانهألم تعلما أنى من الزاد مرمل
فنفى عنهما العلم، ثم أثبته بقوله: «ألم تعلما»، وإنما المعنى فى نفيه العلم عنهما أنهما لم يعملا بما علماه فكأنهما لم يعلماه.
ورابعها أن يكون المعنى أنّ هؤلاء القوم الذين قد علموا أن الآخرة لا حظّ لهم فيها مع عملهم القبيح، إلا أنهم ارتكبوه طمعا فى حطام الدنيا وزخرفها فقال تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أن الّذي آثروه وجعلوه عوضا من الآخرة لا يتمّ لهم، ولا يبقى عليهم، وأنه منقطع زائل، ومضمحلّ باطل، وأن المال إلى المستحق فى الآخرة؛ وكل ذلك واضح بحمد الله.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع