تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [يسار عن معاوية بن الحكم]

إن سأل سائل فقال: ما تأويل ما رواه يسار عن معاوية بن الحكم قال: قلت يا رسول الله، كانت لى جارية كانت ترعى غنما لى، قبل أحد، فذهب الذئب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف، كما يأسفون، لكنّنى غضبت

فصككتها صكّة، قال: فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وآله، قال، قلت: يا رسول الله؛ أفلا أعتقها؟ قال: «ائتنى بها»، فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟ » فقالت: فى السماء، قال: «من أنا»؟ قالت: أنت رسول الله، فقال ﵇: «أعتقها فإنها مؤمنة».

الجواب، أما قوله: «أنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون» فمعناه أغضب كما يغضبون، قال محمد بن حبيب: الأسف: الغضب، وأنشد للراعى:

فما لحقتنى العيس حتّى وجدتنىأسيفا على حاديهم المتجرّد

والأسف أيضا الحزن؛ قال ابن الأعرابىّ: الأسف: الحزن، والأسف: الغضب، قال كعب بن زهير:

فى كلّ يوم أرى فيه مبيّنةتكاد تسقط منّى منّة أسفا

وقوله: «ولكنى غضبت فصككتها» أراد لطمتها، يقال: صكّ جبهته، إذا لطمها بيده؛ قال الله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها؛؛ وقال بشر بن أبى خازم يصف حمار وحش وأتانا:

فتصكّ محجره إذا ما سافهاوجبينه بحوافر لم تنكب

سافها: أى شمها.

وقولها: «فى السماء»؛ فالسماء هى الارتفاع والعلو، فمعنى ذلك أنّه تعالى عال فى قدرته، عزيز فى سلطانه، لا يبلغ ولا يدرك. ويقال: سما فلان يسمو سموّا، إذا ارتفع شأنه علا أمره، قال الله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً؛ فأخبر بقدرته وسلطانه وعلوّ شأنه ونفاذ أمره.

وقد قيل فى قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ غير هذا، وأن المراد: أأمنتم من فى السماء أمره وآياته ورزقه؛ وما جرى مجرى ذلك. وقال أمية بن أبى الصلت شاهدا لما تقدم:

وأشهد أنّ الله لا شيء فوقهعليّا وأمسى ذكره متعاليا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا»

وقال سليمان بن يزيد العدوىّ:

لك الحمد يا ذا الطّول والملك والغنىتعاليت محمودا كريما وجازيا
/ علوت على قرب بعزّ وقدرةوكنت قريبا فى دنوّك عاليا

والسماء أيضا سقف البيت، ومنه قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ؛.

وقال ابن الأعرابىّ: يقال لأعلى البيت: سماء البيت، وسماوته، وسراته، وصهوته؛ والسماء أيضا: المطر قال الله تعالى: وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً؛. ومنه الحديث الّذي رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله مر على صبرة طعام؛ فأدخل ﵇ يده فيها، فنالت أصابعه بللا؛ فقال: ما هذا يا صاحب البرّ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال ﵇: «أولا جعلته فوق الطّعام، يراه الناس! من غشّ فليس منا». وقال المثقّب العبدىّ:

فلمّا أتانى والسّماء تبلّهفقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «وسار تعناه المبيت فلم يدع»

ويقال أيضا لظهر الفرس: سماء؛ كما يقال فى حوافره: أرض. ولبعضهم فى فرس:

وأحمر كالدّينار، أمّا سماؤهفخصب، وأما أرضه فمحول

وإنما أراد أنه سمين الأعلى، عريان القوائم ممشوقها؛ وكل معانى السماء التى تتصرف وتتنوع ترجع إلى معنى الارتفاع والعلو والسموّ؛ وإن اختلفت المواضع التى أجريت هذه اللفظة فيها.

وأولى المعانى بالخبر الّذي سئلنا عنه ما قدّمناه من معنى العزة وعلو الشأن والسلطان، وما عدا ذلك من المعانى لا تليق به تعالى؛ لأنّ العلوّ بالمسافة لا يجوز على القديم تعالى الّذي ليس بجسم ولا جوهر ولا حالّ فيهما؛ ولأن الخبر والآية التى تضمنت أيضا ذكر السماء خرجت مخرج المدحة، ولا تمدّح فى العلو بالمسافة؛ وإنما التمدّح بالعلو والشأن والسلطان ونفاذ الأمر؛ ولهذا لا تجد أحدا من العرب مدح غيره فى شعر أو نثر بمثل هذه اللفظة؛ وأراد بها علوّ المسافة؛ بل لا يريدون إلا ما ذكرناه من معنى العلوّ فى الشأن؛ وإنما يظن فى هذا

الموضع خلاف هذا من لا فطنة عنده ولا بصيرة له؛ والحمد لله رب العالمين.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ٦٤

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.