تجاوز إلى المحتوى

من «البرهان في وجوه البيان» لابن وهب الكاتب (ت بعد ٣٣٥هـ)

باب البيان الثالث وهو العبارة

فأما البيان بالقول، فهو العبارة، وقد قلنا: إنه يختلف باختلاف اللغات وإن كانت الأشياء المبين عنها غير مختلفة في ذواتها، وإن منه ظاهراً وإن، منه باطناً، وأن الظاهر منه غير محتاج إلى تفسيره، وإن الباطن هو المحتاج إلى التفسير، وهو الذي يتوصل إليه بالقياس والنظر والاستدلال والخبر، ونحن نذكر الآن ذلك بشرحه إن شاء الله.

فنقول: إن الذي يوصل إلى معرفته من باطن القول بالتمييز والقياس مثل قول الله ﷿: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وهو لم يفوض إليهم أن يعملوا بما أحبوا، ولم يخلهم من الأمر والنهي، ومثله قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فلم يطلق لهم الكفر ولم يحببهم إياه، فهذا وإن كان ظاهره التفويض إليهم فإن باطنه التهديد والوعيد لهم، ويدل على ذلك قوله بعقب هذا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

وأما ما يوصل إليه بالخبر فمثل الصلاة التي هي في اللغة: "الدعاء" والصيام الذي هو الإمساك، والكفر الذي هو ستر الشيء، فلولا ما أتانا

من الخبر في شرح مراد الله ﷿ في الصلاة والصيام، ومعنى الكفر، لما عرفنا باطن ذلك. ولا مراد الله ﷿ في الصلاة والصيام [ومعنى الكفر، ولما عرفنا باطن ذلك لا مراد الله فيه] ولا كان ظاهر اللغة يدل عليه، بل كنا نسمى كل من دعا مصلياً، وكل من أمسك عن شيء صائماً، وكل من ستر شيئاً كافراً، فلما أتانا الرسول ﷺ بحدود الصلاة والتكبير والركوع والسجود، والتشهد، ومحدود الصيام من ترك الأكل والشرب والنكاح نهاراً، وأن الكافر الذي يجحد الله ﷿ ورسله، وصلنا إلى علم جميع ذلك بالخبر، ولولاه ما عرفناه.

وللغة العربية - التي نزل بها القرآن، وجاء بها عن رسول الله، ﷺ البيان - وجوه وأقسام، ومعان وأحكام متى لم يقف عليها من يريد تفهم معانيها، واستنباط ما يدل عليه لفظهما، لم يبلغ مراده، ولم يصل إلى بغيته.

ومنها ما هو عام للسان العرب وغيرهم؛ ومنها ما هو خاص له دون غيره، ويجمع ذلك في الأصل: الخبر والطلب، والخبر: كل قول أفدت به مستمعه ما لم يكن عنده، كقولك: قام زيد، فقد أفدته العلم بقيامه: ومن الخبر ما يبتدئ المخبر به فيخص باسم الخبر، ومنه ما يأتي [به] بعد سؤال فيسمى جواباً، كقولك في جواب من سألك: ما رأيك في كذا؟ فنقول: رأيي كذلك، وهذا يجوز أن يكون [ابتداء منك فيكون] خبراً، فما أتى بعد سؤال كان جواباً كما قلنا. والطلب. كل ما طلبته من غيرك؛ ومنه الاستفهام، والنداء، والدعاء: والتمني، لأن ذلك كله طلب. فإنك إنما تطلب

من الله ﷿ بدعائك ومسألتك، وتطلب من المنادي الإقبال إليك أو عليك، وتطلب من المستفهم [منه] بذل الفائدة لك.

ومن الاستفهام ما يكون سؤالاً عما لا تعمله لتعلمه، فيخص باسم الاستفهام؛ ومنه ما يكون ظاهره الاستفهام ومعناه التوبيخ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ومن السؤال ما هو محصور، ومنه ما هو مفوض، فالمحصور ما حصرت فيه على المجيب أن يجيب إلا ببعض السؤال، كقولك: ألحما أكلت أم خبزاً؟ فقد حصرت عليه أن يجيبك إلا بأحدهما؛ والمفوض كقولك: ما أكلت؟ فله أن يقول ما شاء من المأكولات لأنك قد فوضت الجواب إليه.

وليس في فنون القول ما يقع به الصدق والكذب غير الخبر والجواب، إلا أن الصدق والكذب يستعملان في الخبر، ويستعمل مكانهما في الجواب الخطأ والصواب، والمعنى واحد وإن فرق في اللفظ بينهما، وكذلك يستعمل في الاعتقاد في موضع الصدق والكذب الحق والباطل والمعنى قريب من قريب.

والخبر منه جزم، ومنه مستثنى، ومنه ذو شرط، فالجزم مثل: زيد قائم، فقد جزمت في خبرك على قيامه، والمستثنى: قام القوم إلا زيداً، فقد استثنيت [زيداً] ممن قام، وذو الشرط: إذا قام زيد صرت إليك، فإنما يجب مصيره إليه إذا قام زيد، فهو متعلق بشرط، وكل واحد من هذه

المعاني إما أن يكون مثبتاً أو منفياً. فالمثبت كقولك: قام زيد، والمنفي: ما قام زيد، والمستثنى من المثبت منفي، ومن المنفي مثبت.

وليس يخلو الخبر المثبت أو المنفي من أن يكون واجباً أو ممتنعاً أو ممكناً فالواجب مثل حرارة النار لأنها واجبة في طبعها، والممتنع مثل حرارة الثلج لأن ذلك ممتنع في طبعه، والممكن مثل قام زيد، لأنه قادر عليه جائز أن يقع منه وألا يقع.

ثم لا يخلو الخبر بعد هذا كله من أن يكون عما مضى مثل قام زيد، أو عما أنت فيه مثل قولك: قائم زيد، ولا يخلو مع ذلك من أن يكون عاماً كلياً، أو خاصاً جزئياً، أو مهملاً. وكل ما ظهر فيه حرف العموم فهو عام كقولك: كل القوم جاءنا، وجميع المال انفقت، ومنه قوله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فهذا لا يجوز أن يراد به الخصوص لظهور حرف العموم فيه. وكل ما ظهر فيه حرف الخصوص فهو خاص، كقولك: بعض المال قبضت، ومن القوم من جاءنا، ومثل قول الله ﷿: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا﴾ فهذا لا يجو أن يراد به العموم لظهور حرف الخصوص فيه. وما لم يظهر فيه حرف العموم، ولا حرف الخصوص فهو مهمل، وقد يكون عاماً [وقد] يكون خاصاً، واعتباره أن ينظر فإن كان في الأشياء الواجبة أو الممتنعة فهو عام، وإن كان لفظه واحداً، كقول الله ﷿: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ لأنه من الواجب أن يكون كل واحد على نفسه بصيرة، وإن كان

في الممكن فهو خاص كقول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ فهذا خاص وإن كان لفظه على الجماعة، لأن القول ممن قال، والجمع ممن جمع من الأشياء الممكنة، وجائز أن يقع منهم وألا يقع، فهذا أصل يعمل عليه في الخاص والعام والمهمل.

ومن البين للعقل أن الأخبار المثبتة الجازمة من الأمر الواجب - ماضيها ومستقبلها وما أنت فيه منها، وعامها وخاصها ومهملها - صدق أجمع، وأن منفيات ذلك كله كذب، وأن مثبتات هذه الأخبار في الأحوال التي قدمنا ذكرها إذا كانت في الممتنع فهي كذب، ومنفياتها صدق، وأن جميع هذه الأخبار في هذه الأحوال إذا جاءت في الأمر الممكن فقد تكون صدقاً وقد تكون كذباً؛ وقد دللنا على جمل ما يعرف به الصدق في ذلك من الكذب، ولم نستقصها لئلا يطول الكتاب بها، وهي في كتب المنطقيين مشروحة، فمن أراد علمها فليطلبها هنالك إن شاء.

وأعلم أن من الأخبار أخباراً تقع بها الفائدة ولا يحصل منها قياس يوجب حكماً؛ فمن ذلك الخبر المنفي، فإنه يفيدنا انتفاء الشيء الذي ينفيه ولا يحصل في نفوسنا منه حكم، ذلك مثل قولنا: "زيد غير قائم"، فلم يحصل بهذا القول غير العلم بانتفاء القيام عنه، ثم لسنا ندري على أي حال هو من قعود أو اضطجاع أو سجود. والخبر الذي بشرط لا يحصل في النفس منه حكم، لأنا إذا قلنا: إذا قام زيد

صرت إليك فليس يحصل في نفس المخاطب علم بمصير المخاطب إليه لأنه متعلق بقيام زيد الذي يجوز أن يقع وألا يقع.

والكذب إثبات شيء لشيء لا يستحقه [أو نفي شيء عن شيء يستحقه، والصدق ضد ذلك، وهو إثبات شيء لشيء يستحقه، أو نفي شيء عن شيء لا يستحقه].

والخلف في القول إذا كان وعدا دون غيره، وهو أن يعمل خلاف ما وعد فيقال: أخاف فلان وعده ولا يقال: كذب، وقد يخلف الرجل الوعد بفعل ما هو أشرف منه فلا يقال: أخلف وعده، وذلك كرجل وعد رجلا بثوب فأعطاه ألف دينار فقد تفضل عليه، وإن كان قد عمل به خلاف ما وعد، ولا يسمى ذلك مخلفاً لوعده، وبهذا تعلق من أبطل الوعيد، فزعموا أن إنجاز الوعد كرم، وأن إخلاف الوعيد عفو وتفضل، وأنشدوا:

وإني إذا أوعدته أو وعدتهلأخلف ميعادي، وأنجز موعدي

وعليهم في ذلك كلام لأهل الحق ليس هذا موضعه.

والنسخ في الحكم تبدله برفعه، ووضع غيره مكانه؛ وأصله في اللغة وضع الشيء مكان غيره إذا كان يقوم مقامه، [ومنه نسخ الكتاب لأنه وضع غير موضعه، وإقامته مقامه]، ومنه قوله ﷿: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والنسخ لا يكون في الخبر لأن الخبر إذا تبدل عن حاله بطل، وفي بطلان

قول الصادق [وجوب الكذب لا محالة، وليس بجوز الصادق] أن يخبر بخبر فيكون ضده ونقيضه صدقا، إلا أن يكون خبره الأول معلقا بشرط أو استثناء، كما وعد الله سبحانه قول موسى-﵇، دخول الأرض المقدسة إن أطاعوه في دخولها، فلما عصوه حرمها عليهم، فلم يدخلها أحد منهم، وكما أوعد قوم يونس ﵇ العذاب إن لم يتوبوا، فلما تابوا كشف عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، وإلى هذا المعنى تذهب الشيعة في البداء على قبح هذه اللفظة، وبشاعة موقعها في الأسماع.

فأما الخبر إذا لم يكن معلقاً بشرط ولا بشيء مما ذكرنا، فليس يجوز أن يقع غيره [موقعه] فيكون صدقاً، ولذلك قال الله ﷿: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

والمعارضة في الكلام: المقابلة بين الكلامين المتفاوتين في اللفظ، وأصله من معارضة السلعة بالسلعة في القيمة والمبايعة، وإنما تستعمل المعارضة في التقية وفي مخاطبة من خيف شره، فيرى بظاهر القول، ويتخلص في معناه من الكذب الصراح، وذلك مثل قول بعضهم، وقد سأله بعض أهل الدولة العباسية عن قوله في لبس السواد، فقال: هل النور إلا في السواد؟ ! أو أراد أن نور العين في سوادها، فأرضى السائل

ولم يكذب، وكقول شرمح. وقد خرج من عند عبد الملك في الساعة التي مات فيها، وسئل عن حاله فقال: تركته يأمر وينهى، فلما فحص عن ذلك قال: تركته يأمر بالوصية، وينهي عن النوح، وقد قال رسول الله ﷺ: "رأس العقل بعد الإيمان بالله ﷿ مداراة الناس".

ومن المعارضة قول مؤذن يوسف ﵇: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا الصاع، وإنما عني سرقتهم أياه من أبيه [وإذا كان]، الكذب إنما استقبح في العقل، وخرج عن شريعة العدل، من أجل أنه مخالف لحقيقة الأشياء في أنفسها من غير نفع يقصد به حتى قال رسول الله ﷺ: - "الكذب مجانب للإيمان، "وقال الله ﷿: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وسمى الكاذبين ظلمة، ولعنهم فقال: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ كان الكذب إذا أريد به الصلاح العام والمنفعة الحقيقية مطلقاً، وقد روى: "لا كذب إلا في ثلاثة مواطن: كذب في حرب، وكذب في إصلاح بين الناس، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها به"، وقد قال أمير المؤمنين ﵇: - "والكذب كله إثم إلا ما نفعت به مسلماً، أو دفعت به عن دين،

وليس يدخل كذب الإنسان لنفع نفسه، وضر غيره في هذا المعنى، لأن النفع الحقيقي هو [الذي] لا يقع به ضرر على وجه. وقد استعمل الناس أشياء ظاهرها كذب، ولهم فيها معان تخرجها عنه كتسميتهم الصبي بأبي فلان، وهو لم يستحق أن يكون أباً، (ودعي أبو فلان) وربما توفى قبل أن يولد له ولد، وربما ولد له ولد فيسمى ولده بغير ما كنى به فهذا على ظاهره كذب، ولذلك أبته رهبان النصارى وجماعة من أهل الأديان، والذي نقصده، العرب بذلك في الصغير التفاؤل [له] بالحياة، وطول العمر والولد، وتقصد به الكبير وذي الشرف التعظيم له من التسمية باسمه، ولذلك ترى السلطان إذا شرف وزيراً من وزرائه أو ولياً من أوليائه كناه، وقد تجعل العرب للرجل الكنية والكنيتين والثلاث على مقدار جلالته في النفوس، وممن كان له كنى أمير المؤمنين، ﵇، وحمزة، - رضوان الله عليه-، ومن العرب عامر بن الطفيل، وعمرو، بن معد يكرب، وغيرهما، وذلك معروف في أخبارهم ومما استعملت فيه العرب أيضاًَ التفاؤل تسميتهم أبنائهم أسداًَ تفاؤلاًَ بالشجاعة والنجدة والبسالة، وكلباً تفاؤلاً بالحراسة والمحافظة، وأشباه ذلك مما سموا به. ومما قلبوه عن معناه وسموه بضد ما يستحقه على سبيل

التفاؤل "المفازة" وإنما هي مهلكةوالسليم" الملموع، وإنما هو التآلف. ومما أرادوا به التعظيم لرؤسائهم أيضاً اللقب، كتلقيبهم بذي يزن. ومكلم الذئب، والباقر، والصادق، والرضا، وأشباه ذلك، واللقب يجري على وجهين: أحدهما بالاشتقاق والتمثيل كتلقيبهم الغريض بالغريض لتشبيههم إياه في بياضه بالإغريض وهو الطلع؛ والآخر بالاتفاق كتلقيبهم بالقليزر، والدمحاك، وربما لقبوا الإنسان بغير لسان العرب كتلقيبهم بالإخشيد، وبرجيس. ومما جرى من الألقاب على جهة التعظيم تلقيب الخلفاء أنفسهم، ومن رفعوا منزلتهم من أوليائهم، وذلك مشهور يغني عن تمثيله، ومن اللقب ما جرى على سبيل الذم [كتلقيبهم]: بذنب العذر، ورأس الكلب، وأنف الناقة قبل أن يمدح بنوه بذلك. فهذا، أقسام للعبارة التي يتسارى أهل اللغات في العلم بها.

فأما العرب فلهم استعمالات أخر من الاشتقاق، والتشبيه، واللحن والزمر، والوحي، والاستعارة، والأمثال، واللغز، والحذف، والصرف: والمبالغة والقطع [والعطف] والتقديم والتأخير والاختراع، ونحن

نذكرها بوجيز من القول ليعرفها الناظر في هذا الكتاب، ويحيط بأقسام معاني كل منها إن شاء الله.

فمن ذلك:

الاشتقاق:

الاشتقاق، وهو ما اشتق لبعض الأفعال، من بعض، كما يشتق من الزيادة اسم زيد، وزيادة، وأزيد، ومزيد، ويزيد، وهو مأخوذ من شقك الثوب أو الحشبة، فيكون كل جزء منها مناسباًَ لصاحبه في المادة والصورة، وللأسماء والأفعال في اللغة العربية أبنية يحتاج إلى معرفتها في الاشتقاق والتصريف، فمن ذلك الأسماء، وأقل ما جاء منها على حرفين مثل: من، وما، وأشباه ذلك، وليس يجوز أن يكون اسم على أقل من حرفين، لأن المتكلم لا يجوز له أن يبتدئ نطقه إلا متحركاً، ولا أن يقف إلا على ساكن، وصار، أقل الأسماء على حرفين لذلك، ولما أشبه ما كان على هذا المثال حروف المعاني منع من الصرف، وجعل مبنياً، وأصل البناء على السكون إلا ما كان قبل آخره ساكن فيحرك لالتقاء الساكنين. فأما ما بني على الفتح فلخفة الفتح نحو: كيف، وأين، وأما وأما ما بني على الكسر، [فلأن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر] مثل أمس وحذام، وأما ما بني على الضم فما أعرب في بعض الأماكن مثل قبل، وبعد فإنك إذا أعربتهما وإذا أفردتما بنيتهما على الضم فرقاً بينهما وبين ما لا يعرب على حال. وشرح هذا في كتب اللغة وهو

يغنينا عن الإطالة فيه؛ ثم يلي ذلك الثلاثي، وهو ما بني على ثلاثة أحرف، وله عشرة أمثلة:

فعل مثل رجل، وفعل مثل جمل، وفعل مثل كتف، وفعل مثل برد، وفعل مثل كبش، وفعل مثل عطر، وفعل مثل عنق، و [فعل مثل عضد] (وفعل مثل عنب)، وفعل مثل صرد، وفعل مثل إبل.

ثم يلي ذلك الرباعي وهو على خمسة أبنية:

فعلل مثل جلجل، وفعلل مثل جعفر، وفعلل مثل سمسم، وفعلل مثل درهم وفعل مثل قمطر.

ثم يلي ذلك، الخماسي وله أربعة أمثلة: -

مثل فعلل مثل سفرجل، وفعلل مثل جر دحل، وفعلل مثل جحمرش، وفعلل مثل خزعبل، وسائر الأسماء التي تتجاوز خمسة أحرف فإنها تلحقها زيادات ليست من بناء الاسم مثل عنكبوت وأشباهه.

والحروف التي تسمى حروف الزوائد عشرة. وهي الهمزة، واللام، والباء، والواو، والميم، والتاء، والنون، والسين، والألف، والهاء.

وليس يأتي من الأفعال السالمة شيء على أقل من ثلاثة أحرف، ولا أكثر من أربعة أحرف إلا ما لحقته الزيادة.

والثلاثي، ثلاثة أبنية وهي فعل مثل ضرب، وفعل مثل كرم،

وفَعِل مثل علم؛ فأما فعل لما لم يسم فاعله كضرب فليس بأصل، ولكنه يدخل على، كل بناء.

والرباعي السالم له بناء واحد وهو فعلل مثل دحرج.

وإذا لحقته الزوائد صارت خمسة عشر بناء. وصار جميعها مع ما لا زيادة فيه من الثلاثي والرباعي تسعة عشر بناء، فمن الأبنية التي تلحقها الزوائد تسعة أبنية، في أولها الهمزة، وهي ألف الوصل، وهي افتعل نحو افتقد واستفعل نحو استخرج، وانفعل نحو انطلق، وافعلل نحو احرنجم، وأفعل نحو أحر، وأفعال نحو احمار، وأفعول نحو أخروط، وأفعوعل نحو اغدودن، وأفعلل نحو افشعر؛ وبناء واحد في أوله ألف القطع نحو أخرج؛ وخمسة لا ألف في أولها: وهي فاعل مثل قاتل، وتفاعل مثل تهالك، وفعل مثل كسر، وتفعل مثل تكسر (وتفعلل مثل تكبر)، وتفعلل مثل تدحرج.

ولكل زيادة من هذه الزيادات معنى تحدثه في الفعل إذا دخلته، وذلك مثل قولنا: خرج زيد، فهذا بلا زيادة يدلنا على خروج زيد بإرادته، فإذا قلنا: أخرج زيد عمراً، فزدنا ألف القطع كان المخرج له غيره، وكقولنا: قال زيد خيراً، فإذا بنينا من ذلك فاعل قلنا: قاول زيد عمراً، فصار الفعل من اثنين، فعل كل واحد منهما بصاحبه كفعل صاحبه به، وكقولنا: كسر زيد القدح، فيدل على وقوع الكسر به؛ فإذا قلت: كسر القدح دللت على ترداد الفعل وتكراره، وتقول: اعتل زيد فدل على علته؛ فإذا قلت: تعالل زيد دللت على أنه أظهر علته وليس بعليل، فكذلك كل مثال من هذه الأمثلة

يفيد معنى ليس في الآخر، فإذا أرددت أن تشتق من الانطلاق اسماً للفاعل قلت: منطلق، فإذا أردت أن تشتق منه اسماً للمفعول به قلت: منطلق به، وإن أردت أن تشتق منه فعلاً ماضياً قلت: انطلق، وإن أردت أن تشتق منه فعلاً مستقبلاً قلت: ينطلق، فإذا أردت أن تأمر منه قلت: انطلق، فإذا نهيت عنه قلت: لا تنطلق؛ فهذه أوجه الاشتقاق في الأسماء والأفعال.

فأما الأمر فكل فعل كان ثاني مستقبله متحركاً فإنك تسقط علامة الاستقبال منه، وتقر الباقي على بنائه فيكون أمراً مثل، دحرج يدحرج الأمر فيه دحرج؛ وما كان ثاني مسقبله ساكناً فلست تصل إلى النطق به مبتدئاً: فلابد أن تدخل الهمزة لتتوصل بها إلى النطق، وتسمى ألفاً على المجاز لا على الحقيقة، لأن الألف لا تكون إلا ساكنة. فما كان من الرباعي فهي ألف قطع! مثل أخرج يخرج، فيكون الأمر أخرج، وهذه ألف مفتوحة على كل حال، وما كان من ذلك في الثلاثي فه ألف وصل. وحركتها فيما كان ثالثه مضموماً، وفي المستقبل بالضم نحو قولك في أخرج يخرج، وفيما كان [ثالث]، مستقبله مفتوحاً أو مكسوراً بالكسر نحو قولك في ضرب يضرب أضرب وفي نفع ينفع انفع وليس يجيء فعل يفعل إلا فيما كان موضع عين الفعل فيه أو لامه أحد حروف الحلق؛ فأما ما ليس فيه في [هذين الموضعين] حرف من حروف الحلق فإنما يجيء على يفعل بالكسر أو يفعل بالضم إلا أحرفاً،

جئن نوادر منها: أبى يأبى، وركن يركن، وقلى يقلى، وغشى الليل يغشى: إذا أظلم.

والمعتل من الأفعال ما كان في موضع الفاء منه أو العين أو اللام حرف من حروف المد واللين، وهي الواو، والألف، والياء، ولها أحكام في التصريف إن أردنا أن نستوعبها طالب ها الكتاب لكننا، نذكر جملاً من ذلك تدل ذا القريحة على ما فيها.

المعتل الفاء:

ما اعتلت فاؤه - كل واو كانت فاء الفعل وكان الماضي منه على فعل والمستقبل على يفعل فإنها تسقط في المستقبل نحو وعد يعد، ووزن يزن؛ وإن كان مستقبله على يفعل، وماضيه على فعل صحت نحو وضؤ يوضؤ؛ وإن كان [ماضيه] على فعل ومستقبله على يفعل صحت نحو ولع يولع، ووجل يوجل.

المعتل العين:

ما اعتلت عينه - كل واو تكون عيناً للفعل الذي على فعل فإنها تجعل في الماضي ألفاً لفتحه ما قبلها، وتسكن في المستقبل وتصح، نحو: قال يقول، وعال يعول، وكذلك الياء إذا وقعت هذا الموقع نحو: باع يبيع، وكان يكيل، وتسقط الواو في المفعول منه نحو: مقول، ومكيل، والأصل مكيول ومبيوع [ومقوول] وكل واو وياء تحركتا بأي حركة كانت وقبلهما فتحة فإنهما تقلبان ألفاً نحو طال وقام.

وإذا اجتمعت الواو والياء وسيقت الأولى منهما بالسكون قلبت الواو

ياء وأدغمت في الأولى. فما سبقت الياء فيه الواو قولهم: سيد وأصله سيود، ومما سبقت فيه الواو الياء قولهم: لويته لياء، وأصله لؤيا؛ وكل واو وياء وقعتا بعد ألف زائدة جاز أن تبدل همزة نحو قائم وهائم، وكل واو انضمت وهي أول الفعل فهمزها جائز نحو أقتت ووقتت، وأجلت ووجلت.

وكل واو انكسرت في أول الحرف فهمزتها جائزة نحو وشاح وإشاح، وإكاف ووكاف.

ما اعتلت لامه:

كل واو ياء في آخر الفعل سكنتا، وانضم ما قبل الواو وانكسر ما قبل الياء صحتا نحو يغزو ويحصى، فإن كانت في الأسماء وانكسر ما قبلها أسكنت في الخفض والرفع، وفتحت في النصب نحو: قاض، ورأيت قاضياً، فإذا أضيف ذلك أو دخلته الألف واللام صحتا؛ وكل واو في آخر الفعل قبلها ضمة، أو ياء قبلها كسرة، فإنهما تسكنان في الرفع، وتفتحان في النصب، وتحذفان في الجزم نحو زيد يغزو، ولم يغز، [وإن يغزو] وإن كانت في آخره ألف ساكنة أقرت على سكونها في الرفع والنصب، وحذفت في الجزم، نحو زيد يخشى ويسعى ولن يسعى ولم يسع.

التشبيه:

وأما التشبيه فمن أشرف كلام العرب، وفيه تكون الفطنة والبراعة

عندهم، وكلما كان المشبه منهم في تشبيهه ألطف كان بالشعر أرعف، وكلما كان إلى المعنى أسبق كان بالحذق أليق.

والتشبيه ينقسم قسمين: تشبيه الأشياء في ظواهرها وألوانها ومقدارها كما شبهوا اللون بالخمر، والقد بالغصن، وكما شبه الله ﷿ النساء في ورقة ألوانهن بالياقوت، وفي نقاء أبشارهن بالبيض [قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾] وكما قال الشاعر:

كأن بيض نعام في ملاحفهاإذا اجتلاهن قيظ ليلة ومد
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا»

وقال آخر:

أيا شبه ليلى لا تراعي فإننيلك اليوم من بين الوحوش صديق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني»
فعيناك عيناها وجيدك جيدهاولكن عظم الساق منك دقيق
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وردت اتساقاً والثريا كأنهاعلى قمة الرأس ابن ماء محلق

ومنه تشبيه في المعاني كتشبيههم الشجاع بالأسد، والجواد بالبحر، والحسن الوجه بالبدر، وكما شبه الله ﷿ أعمال الكافرين في تلاشيها مع ضلالتهم أنها حاصلة لهم بالسراب الذي إذا دخله الظمآن الذي قد وعد

نفسه به لم يجده شيئاً، وكما شبه من لا يقنع بالموعظة بالأصم الذي لا يسمع ما يخاطب به، وشبه من ضل عن طريق الهدى بالأعمى الذي لا يبصر ما بين يديه، وفي هذا النوع من التشبيه قال الشاعر:

فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقال غيره:

هو البحر من أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحله
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هو البحر من أي النواحي أتيته»
فلو لم يكن في كفه غير نفسهلجاد بها فليتق الله سائله

وهذا كثير في القرآن والشعر، وما ذكرنا منه دليل على ما تركنا إن شاء الله.

اللحن:

وأما اللحن: فهو التعريض بالشيء من غير تصريح، أو الكناية عنه بغيره كما قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، والعرب تفعل ذلك لوجوه [وهي] نستعمله في أوقات ومواطن؛ فمن ذلك ما استعملوه للتعظيم، أو التخفيف، أو للاستحياء، أو للبقيا، أو للإنصاف، أو للاحتراس، فأما ما يستعمل من التعريض

للإعظام، فهو أن يريد [مريد] تعريف ما فوقه قبيحاً إن فعله فيعرض له بذلك من فعل غيره، ويقبح له ما ظهر منه، فيكون قد قبح له ما أنا من غير أن يواجهه به، وفي ذلك يقول الشاعر:

ألا رب من أطنبت في ذم غيرهلديه على فعل أتاه على عمد
ليعلم عند الفكر في ذاك أنمانصيحته فيما خطبت به تصدى

وأما التعريض للتخفيف: فهو أن يكون لك إلى رجل حاجة فتجيئه مسلماً لا تذكر حاجتك، فيكون ذلك اقتضاء له وتعريضاً بمرادك منه، وفي ذلك يقول الشاعر:

أروح لتسليم عليك وأغتدىوحسبك بالتسليم منى تقاضيا

وأما التعريض للاستحياء فكالكتابة عن الحاجة بالنجو والعذرة، والنجو: المكان المرتفع، والعذرات الأفنية، وبالغائط وهو الموضع الواسع، فكنى عن الحاجة بالمواضع التي تقصد لوضعها فيها، وكما كي عن الجماع بالسر، وعن الذكر بالفرج، وإنما الفرج ما بين الرجلين وكما تقول لمن كذب ليس هذا كما يقال.

فأما التعريض للبقيا فمثل تعريض الله ﷿ بأوصاف المنافقين وإمساكه عن تسميتهم إبقاء عليهم وتألفا لهم، ومثل تعريض الشعراء بالديار والمياه والجبال والأشجار بقياء على ألا فهم وصيانة لأسرارهم، وكتماناً لذكرهم، ومنه قول الشاعر:

أيا أثلات القاع من بطن توضححنيني إلى أفيائكن طويل
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة

ومنه قول الآخر:

ألا يا سيالات الرحائل باللوىعليكن من بين السيال سلام

وهذا باب تكثر [فيه] الشواهد من الشعر وغيره، وقد صرح بعض الشعراء عن المراد سنه فقال:

أدور ولولا أن أرى أم جعفربأبياتكم ما درت حيث أدور
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «لقد منعت معروفها أم جعفر»

وأما التعريض للأنصاف فكقول الله ﷿ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.

ومنه قول حسان بن ثابت في مناظرته بعض من هجا رسول الله -صلى اله عليه وسلم-:

أتهجوه ولست له بكفءفشر كما لخيركما الفداء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

وأما التعريض للاحتراس: فهو ترك مواجهة السفهاء والأنذال بما

يكرهون، وإن كانوا لذلك مستحقين، خوفاً من بوادرهم وتسرعهم، وإدخال ذلك عليهم بالتعريض، والكلام اللين، وفي ذلك يقول الله ﷿ ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقال لموسى وهارون في فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.

الرمز:

وأما الرمز: فهو ما أخفى من الكلام، وأصله للصوت الخفي الذي لا يكاد يفهم، وهو الذي عناه الله ﷿ بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ وإنما يستعمل المتكلم الرمز فيما يريد طيه عن كافة الناس، والإفضاء به إلى بعضهم فيجعل الكلمة، أو الحرف اسماً من أسماء الطير أو الوحش، أو سائر الأجناس، أو حرفاً من حروف المعجم، ويطلع على ذلك الموضع من يريد إفهامه رمزه، فيكون ذلك قولاً مفهوماً بينهما مرموزاً من غيرهما، وقد أتى في كتب المتقدمين والحكماء والمتفلسفين من الرموز شيء [كثير]، وكان أشدهم استعمالاً للرمز أفلاطون، وفي القرآن من الرموز أشياء عظيمة القدر، جليلة الخطر، قد تضمنت علم ما يكون في هذا الدين من الملوك والممالك، والفتن والجماعات، ومدد كل صنف من ذلك وانقضائه، ورمزت بحروف المعجم وغيرها من الأقسام

كالتين والزيتون، والفجر والعاديات، والعصر، والشمس، وأطلع على علمها الأئمة المستودعون علم القرآن، ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇ "ما من مائة تخرج إلى يوم القيامة إلا وأنا أعلم قائدها وباعثها، وأين مستقرها من جنة أو نار؛ وروى عن ابن عباس -[﵁]- أنه سئل عن الم وحسم وطسم، وغير ذلك مما في القرآن من هذه الحروف؛ فقال: ما أنزل الله كتاباً إلا وفيه سر، وهذه أسرار القرآن، وهي حروف الجمل، [ومنها كان علي يعلم حساب الفتن، فهذه الرموز هي أسرار آل محمد، ومن استنبطها من ذوي الأمر وقف عليها، فعلم جليل ما أودعهم اله إياه من الحكمة، وقد ذكرنا مما تأدى إلينا من تفسير ذلك في كتابنا الذي لقبناه بأسرار القرآن" ما أغنى عن إعادته ها هنا، فإن رغبت في النظر فيه فاطلبه تقف عليه إن شاء الله].

الوعي:

وأما الوحي فإنه الإبانة عما في النفس بغير المشافهة على ايمعني وقعت من إيماء، وإشارة، ورسالة، وكتابة، ولذلك قال الله ﷿ -

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ وهو على وجوه كثيرة فمنه الإشارة كما قال الله ﷿: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، ومنه الوحي المسموع من الملك كقول الله ﷿: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ومنه الوحي في المنام، وهو الرؤيا الصحيحة كما قال الله -سبحانه-: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ولذلك قال رسول الله ﷺ: "للرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة" ومنه الإلهام كما قال الله ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾، أي ألهمها، ومن الكتاب، ويقال منه: وحيت الكتاب إذا كتبته، قال الشاعر:

ما هيج الشوق من أطلال [دراسة]أضحت قفارا كوحي خطه الواحي

ويقال منه: وحيث أحي كما يقال: رفيت أفي.

ومن الوحي الإشارة باليد والغمز بالحاجب، والإيماض بالعين كما قال الشاعر:

وتوحى إليه باللحاظ سلامهامخافة واش حاضر ورقيب

وقال آخر:

أشارت بطرف العين خيفة أهلهاإشارة محزون ولم تتكلم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني»
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباوأهلاً وسهلاً بالحبيب المسلم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألا قل لهند إحرجي وتأثمي»

وقال آخر:

أشارت بأطراف كأن بنانهاأنابيب در قمعت بعقيق
وقالت: كلاك الله في كل مشهدمكانك في قلبي مكان شقيق

(فهذا ما في الوحي والإشارة).

الاستعارة:

وأما الاستعارة فإنما احتيج إليها في كلام العرب لأن ألفاظهم أكثر من معانيهم، وليس هذا في لسان غير لسانهم، فهم يعبرون عن المعنى الواحد بعبارات كثيرة، وربما كانت مفردة له، وربما كانت مشتركة بينه وبين غيره، وربما استعملوا بعض ذلك في موضع بعض على التوسع والمجاز، فيقول إذا سأل الرجل شيئاً فبخل به عليه: "لقد بخله فلان، وهو لم يسأله ليبخل، إنما سأله ليعطيه، لكن البخل لما ظهر منه عند مسألته إياه جاز في توسعهم ومجاز قولهم أن ينسب ذلك إليه، ومنه قول الشاعر:

فللموت ما تلد الوالدة

والوالدة إنما تطلب الولد ليعيش لا ليموت، لكن لما كان مصيره إلى الموت جاز أن يقال: للموت ولدته، ومثله في القرآن: ﴿وَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، وذلك لأنهم كانوا عند تلاوة القرآن قد حجبوا قلوبهم عن فهمه، وصدقوا بأسماعهم عن تدبره، فجاز أن يقال على المجاز والاستعارة: إن الذي تلا ذلك عليهم جعلهم كذلك، والدليل على ما قلنا، وأن حقيقة الأمر أنهم هم الفاعلون دون غيرهم، قول الله، ﷿ في موضع آخر: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾؛ ومثل الأول قوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ لأنه لما غفل عن الذكر كان بمنزلة من غفل عن الكلام فجاز، أن يقال الذي أذكره إنه إغفل قلبه، كما جاز أن يقال الذي يسأل ذلك فيبخل عليه [قد] بخله.

ومن الاستعارة ما قدمنا من إنطاق الربع، وكل ما لا ينطق إذا ظهر من حاله ماشا كل النطق. ومما جاء من هذا النوع في القرآن قوله ﷿: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾

جاز أن تحتمل مزيداً من الكافرين حسن أن يقال: نقول: هل من مزيد؟ وكذلك قوله ﷿ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وذلك لما كانتا عن إرادته من غير عصيان له ولا استصعاب عليه جاز أن يقال: إنهما قالتا: أتينا طائعين وكذلك قوله ﷿: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، لما كانت الإرادة من أسباب الفعل، وكان وقوع الفعل يتلوها، جاز (لما قد كاد يقع وقرب وقوعه) أن يقال أراد أن يقع، ومثل ذلك قول الشاعر:

امتلأ الحوض وقال قطني

أي لما كان فيه سعة لغير ما قد وقع فيه من الماء، جاز على الاستعارة أن يقال: حسبي، وهذا شائع في اللغة كثير.

الأمثال:

وأم الأمثال فإن الحكماء والعلماء والأدباء لم يزالوا يضربون الأمثال، ويبنون للناس تصرف الأحوال بالنظائر والأشكال، ويرون هذا النوع من القول أنجح مطلباً، وأقرب مذهباً، ولذلك قال الله ﷿:

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ وقال: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾.

وإنما فعلت العلماء ذلك لأن الخبر في نفسه إذا كان ممكناً فهو محتاج إلى ما يدل على صحته، والمثل مقرون بالحجة، ألا ترى أن الله ﷿ لو قال لعباده: إني لا أشرك أحداً من خلائقي في ملكي لكان ذلك قولاً محتاجاَ إلى أن يدل على العلة فيه، ووجه الحكمة في استعماله فلما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ كانت الحجة من تعارفهم مقرونة بما أراد أن يخبرهم به من أنه لا شريك له في ملكه من خلقه، لأنهم عالمون بأنهم لا يقرون أحداً من عبيدهم على أن يكون فيما ملكوه مثلهم بل يأنفون من ذلك ويدفعونه، فالله ﷿ أولى بأن يتعالى عز ذلك. وكذلك جعلت القدماء أكثر آدابها، وما دونته من علومها بالأمثال والقصص عن الأمم، ونطقت ببعضه

على ألسن الطير والوحش، وإنما أرادوا بذلك أن يجعلوا الأخبار مقرونة بذكر عواقبها، والمقدمات مضمومة [إلى] نتائجها، وتصريف القول في ذلك حتى يتبين لسامعيه ما آلت إليه أحوال أهليها عند لزومهم الآداب أو تصنيعهم إياها، ولهذا بعينه قص الله علينا أقاصيص من تقدمنا ممن عصاه، وآثر هواه، فخسر دينه ودنياه، ومن اتبع رضاه، فجعل الخير والحسنى عقباه، وصير الجنة مثواه ومأواه، وقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.

اللغز:

وأما اللغز: فإنه من لغز اليربوع إذا حفر لنفسه مستقيماً ثم أخذ بمنة ويسره ليخفي بذلك على طالبه، وهو قول استعمل فيه اللفظ المتشابه طلباً للمعاياة والمحاجته والفائدة في ذلك في العلوم الدنيوية رياضة الذكر في تصحيح المعاني وإخراجها من المناقضة والفساد إلى معنى الصواب والحق، وقدح الفطنة في ذلك واستنجاد الرأي باستخراجه، وذلك مثل قول الشاعر:

رب ثور رأيت في جحر نملونهار في ليلة ظلماء

فالثور هنا القطعة من الأقط، والنهار فرخ الحباري، فإذا استخرج هذا صح المعنى، وإذا حمل على ظاهر لفظه كان محالاً، وكذلك قول الآخر:

فأصبحت والليل مستغلسوأصبحت والأرض بحر طمى

فأصبحت: أشعلت المصباح ولو حمل على الصبح لنا في القول ومسد، والفائدة في استعمال ذلك في الدين المعارضة التي ذكرناها وقلنا: إن للإنسان استعمالها عند التقية. حتى يخرج بهذا الكلام عن الكذب باشتراك الاسم ومن هذه الأسماء المشتركة المحنون الذي به الخبل، والمجنون الذي قد جنه الليل، والنبيذ الذي يشرب، والنبيذ؛ الصبي المنوذ، والعلي: المرتفع والعلي: الفرس الشديد؛ والجرح: المصدر من الجراح، والجرح: الكسب، والطعن بالرمح، والطعن في العرض، والبطن: ضد الظهر، والبطن من العرب؛ والفخذ العضو، والفخذ من القبيلة؛ والبعل: الزوج، والبعل: النخل الذي يشرب ماء السماء؛ (واليد الجارحة] واليد النعمة، واليد القدرة وأشباه هذا كثير، وقد جمعه أهل اللغة. وممن جوزه وجمع أكثره ابن دريد في كتاب "الملاحن"، فإن أردته فاطلبه منه إن شاء الله.

الحذف:

وأما الحذف: فإن العرب تستعمله للإيجاز والاختصار والاكتفاء بيسير القول إذا كان المخاطب عالماً برمادها فيه، وذلك كقوله ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وسكت عن تمام الكلام لعلم المخاطب به، وكان تقدير ذلك: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم استكبروا وعتوا وتمادوا، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ حذف ما بعده لعلم المخاطب به، وإن كان تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعد بكم [بما فعلتم].

من ذلك قول الشاعر:

أجدك [لو] شيء أتانا رسولهسواك، ولكن لم نجد لك مدفعاً

أراد لدفعناك، ولكن لم نجدلك مدفعاً، فحذف اكتفاء لعلم المخاطب بما أراده، ومثله قوله:

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحىبنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل

[وهذا كثير في كلام العرب، وإذا مر بك عرفته إن شاء الله]

الصرف:

وأما الصرف: فإنهم يصرفون القول من المخاطب إلى الغائب، ومن الواحد إلى الجماعة، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾.

وكقول الشاعر:

وتلك التي لا وصل إلا وصالهاولا صرم إلا ما صرمت يضبر

وقال آخر:

يا لهف نفسي كان جده خالدوبياض وجهك للتراب الأعفر
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

المبالغة:

وأما المبالغة: فإن من شأن العرب أن تبالغ في الوصف والذم، كما أن من شأنها أن تختصر وتوجز، وذلك لتوسعها في الكلام واقتدارها عليه، ولكل من ذلك موضع يستعمل فيه، وسيمر بك في مواضعه إذا صرنا إلى ذكره إن شاء الله.

والمبالغة تنقسم قسمين:

أحدهما في اللفظ، والآخر في المعنى، فأما المبالغة في اللفظ فتجرى مجرى التأكيد، كقولنا: رأيت زيداً نفسه، وهذا هو الحق بعينه، فتؤكد زيداً بالنفس والحق بالعين، وإن كان قولك: هذا زيد وهذا هو الحق قد أغناك عن ذكر النفس والعين، ولكن ذلك مبالغة في البيان.

ومنه قول الشاعر:

ألا حبذا هند، وأرض بها هندوهند أتى من دونها النأي والبعد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا طرقتنا بعدما هجدوا هند»

(فذكر البعد بعد النأي - وهما شيء واحد - تأكيداً ومبالغة).

وأما المبالغة في المعنى: فإخراج الشيء أبلغ غايات معانيه، كقوله ﷿: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ولربما قالوا بأنه قد أقتر فقتر علينا، فبالغ الله ﷿ في تقبيح قولهم وإخراجه على غاية الذم.

ومن المبالغة في المعنى قول الشاعر:

وفيهن ملهى للطيف ومنظرأنيق لعين الناظر المتوسم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «معلقة زهير بن أبي سلمى»

فلم يرض من أن يكون فيهن ملهى، وإن كان ذلك مدحاً لهن حتى قال: اللطيف، لأن اللطيف لا يلهو إلا بفائق، وقال: ومنظر أنبق، وهذا في الوصف

مخبر، فلم يكتف به حتى قال: "لعين الناظر المتوسم"، لأن الناظر إذا كرر نظره وتوسم تبينت له العيوب عند توسمه وتكراره ونظره، ولذلك قال الشاعر:

يزيدك وجهها حسناًإذا ما زدتها نظراً
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «ظلوم قد رأيناها»

ومن هذا قول الشاعر أيضاً:

فلما صرح الشرفأمسى وهو عريان
مشينا مشية الليثغدا والليث غضبان

فلم يرض بتصريح الشر حتى عراه من سائر ما يستره، ولم يرض بمشية الليث حتى جعله غضبان وأشباه هذا كثير في القرآن والشعر.

القطع والعطف والتقديم والتأخير:

وأما القطع والعطف (والتقديم والتأخير) فو واضح لمن أراد أن يعرفه، وهو في القرآن كثير، ومنه - مما قطع الكلام فيه وأخذ في فن آخر من القول ثم عطف بتمام القول الأول عليه - قوله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية] ومثله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ

وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ثم قطع وأخذ في كلام آخر فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ثم رجع إلى الكلام الأول فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومثل ذلك ما حكاه عن لقمان في وصيته لابنه إذ قال له: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قطع وأخذ في آخر فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم رجع إلى تمام القول في وصية لقمان فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ إلى آخر الآيات.

وأما التقديم والتأخير فكقوله ﷿: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [أراد ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما].

وكقوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أراد ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض لا يستطيعون شيئاً وفيما ذكرنا دليل على ما لم نذكره إن شاء الله.

الاختراع:

وأما الاختراع: فهو ما اخترعت له العرب اسماً فيما لم تكن تعرفه، فمنه ما سموه من عندهم كتسميتهم الباب في المساحة باباً، والجريب جريباً، والعشير عشيراً، ومنه ما عربته وكان أصل اسمه أعجمياً كالقسطاس المأخوذ من لسان الروم، والشطرنج المأخوذ من لسان الفرس والسجيل أيضاً المأخوذ من كلام الفرس، وكل من استخرج علماً، واستنبط شيئاً، وأراد أن يضع له اسماً من عنده، ويواطئ من يخرجه إليه عليه فله أن يفعل ذلك، ومن هذا الجنس اخترع النحويون اسم الحال والزمان والمصدر والتمييز والتبرئة، وأخرج الخليل ألقاب العروض، فسمى بعض ذلك الطويل، وبعضه المديد وبعضه الهزج، وبعضه الزجر وقد ذكر أرسطا طاليس ذلك وقال: إنه مطلق لكل أحد احتاج إلى تسمية شيء ليعرف به أن يسميه بما شاء من الأسماء، وهذا الباب مما يشترك العرب وغيرهم فيه، وليس مما ينفردون به.

باب

تأليف العبارة

اعلم أن سائر العبارة في لسان العرب إما أن يكون منظوماً أو منثوراً، والمنظوم هو الشعر، والمنثور هو الكلام، فالشعر ينقسم أقساماً: منها القصيد وهي أحسنها وأشبهها بمذاهب الشعراء، ومنها الرجز وهو أخفها؛ والراجز الساقي الذي يسقي الماء، وكان الأصل في الأراجيز أن يجريها الساقي على دلوه إذا أمدها، ثم أحدث الشعراء فيه فلحق بالقصيد ومنها المسمط: وهو أن يأتي الشاعر بخمسة أبيات على قافية، ثم يأتي ببيت على خلاف تلك القافية، ثم يأتي بخمسة أبيات على قافية أخرى، ثم يعود فيأتي على قافية البيت [الأول] وكذلك إلى آخر الشعر. ومنها المزدوج: وهو ما أتى على قافيتين فافيتين إلى آخر القصيد، وأكثر ما يأتي وزنه على وزن الرجز.

وفي الشعر والنثر جميعاً نقع البلاغة أو العي، والإيجاز أو الإسهاب، إلا أن البلاغة والإيجاز إذا وقعا في الشعر والقول قضى الشاعر بالفلج، والعي والإسهاب، وإذا وقعا في الشعر والقول كان الشاعر أعذر، وكان العذر عن المتكلم أضيق، وذلك لأن الشعر محصور بالوزن، محصور بالقافية، فالكلام يضيق على صاحبه، والنثر مطلق غير محصور، فهو يتسع لقائله.

فما تساوى القول والشعر فيه من هذا الفن، فحكم الشاعر فيه بالفضل قول بعضهم في بعض كتب الفتوح "فكانت معاقله تعقله، وما يحرزه يبرزه".

وقال الشاعر:

وإن يبن حيطاناً عليه فإنماأولئك عقلاته لا معاقله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

وقيل لبعضهم، وقد أطال الوقوف في الشمس على باب بعض الولاة: (لقد أطلت الوقوف في الشمس) فقال: الظل أريد لا وقال الشاعر:

نقول سليمي لو أقمت سررتناولم تدر أني للمقام أطوف

وأشباه هذا كثير

فأما عذرهم الشاعر في التقصير واغتفارهم [له] العيوب، فقد جوزوا له من قصر الممدود، وحذف الحركة، وتخفيف الهمزة، وصرف ما لا ينصرف، ما لم يجيزه المتكلم، فأجازوا له في الوزن استعمال للزحاف والمخرم في القافية والإكفاء والإقواء

والسناد والإيطاء، والتضمين، وكل ذلك عيوب وهي على من استعمل البديهة وقال الشعر على الهاجس والسجية أقل عيباً منها على من استعمل الروية والتفكير، وكرر النظر والتدبير؛ وقد ذكر الخليل وغيره في أوزان الشعر وقوافيه ما يغني من نظر فيه، ويغنينا عن تكلف شرح ذلك إذ كنا نرى أن تكلف ما قد فرغ منه عناء لا فائدة فيه، إلا أنا نذكر جملة من ذلك في باب استخراج المعمى تدعو الضرورات إلى ذكر ما فيه إن شاء الله.

معنى البلاغة:

وقد ذكر الناس البلاغة ووصفوها بأوصاف لم تشتمل على حدها، وذكر الجاحظ كثيراً مما وصفت به، وكل وصف منها يقصر عن الإحاطة بحدها؛ وحدها عندنا: "القول المحيط بالمعنى المقصود، مع اختيار الكلام، وحسن النظام، وفصاحة اللسان، وإنما أضيف إلى الإحاطة بالمعنى اختيار الكلام، لأن المامي قد يحيط قوله بمعناه الذي يريده، إلا أنه بكلام مرذول من كلام أمثاله، فلا يكون موصوفاً بالبلاغة، وزدنا فصاحة اللسان لان الأعجمي واللحان قد يبلغات مرادهما بقولهما فلا يكونان موصوفين بالبلاغة، وزدنا حسن النظام لأنه قد يتكلم الفصيح بالكلام الحسن الآتي على المعنى، ولا يحسن ترتيب ألفاظه، ويصير كل واحد

مع ما يشاكله، ولا يقع ذلك موقعه؛ فمما أتى في نهاية النظم قول أمير المؤمنين ﵇ في بعض خطبه: "أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد"؟ فاتبع كل حرف بما هو من جنسه، وما يحسن معه نظمه، ولم يقل: أين من سعى ونجد، وزخرف وشيد، وبنى وعدد؟ ولو قال ذلك لكان كلاماً مفهوماً مستقيما، وكان مع ذلك فاسد النظم، قبيح التأليف.

معنى الشعر:

والشاعر من شعر يشعر فهو شاعر، والمصدر [الشعر] ولا يستحق الشاعر هذا الاسم حتى يأتي بما لا يشعر به غيره، وإذا كان إنما يستحق اسم الشاعر لما ذكرنا فكل من كان خارجاً عن هذا الوصف فليس بشاعر، وإن أتى بكلام موزون مقفى؛ وقد كره قوم قول الشعر واستماعه، وإنما الشعر كلام موزون، فما جاز في الكلام جاز فيه، وما لم يجز في ذلك لم يجز فيه، وقد سمع رسول الله ﷺ الشعر واستنشده وأناب عليه، وأنشد في مسجده على منبره، وقال لحسان: "اهج قريشاً ومعك روح القدس" وقال: إن من الشعر لحكماً". ومما احتج به من كرهه ما روى عن رسول الله ﷺ من قوله: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً"، وما روي

عنه في شأن امرئ القيس وقوله: "ذلك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، ويأتي يوم القيامة ومعه لواء الشعراء حتى يقودهم النار". وهذا القول منه ﵇ خاص في كفار الشعراء، والدليل على ذلك إجماع الأمة على أن حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وغيرهما من شعراء المؤمنين الذين كادوا يناضلون عن رسول الله ﷺ بأشعارهم، ويجاهدون معه بألسنتهم وأيديهم، خارجون عن جملة من يرد النار مع امرئ القيس، وقد وصف رسول الله ﷺ حسان بن ثابت بذلك فقال: "جاهد معي بيده ولسانه"، وأقعد كعب ابن زهير على منبره فأنشد:

(بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)

حتى إذا بلغ إلى قوله:

إن الرسول لنور يستضاء بهوصارم من سيوف الله مسلول

أومأ إلى الناس باستماع قوله. وقد قلنا: إن كل مهمل من الأخبار إذا كان في الأمر الممكن فهو خاص، وهذا في الممكن فهو خاص، ويزيد ما قلناه وضوحاً قول الله ﷿ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ثم بين مراده، وأنه خاص في الكفار منهم ومن تعدى الحق وفسق فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا

وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وأما قوله: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً [حتى يريه] خير من أن يمتلئ شعراً" فإن المعقول من معنى الامتلاء أن يشعل المالئ للشيء جميع أجزائه حتى لا يكون فضل لغيره، وإذا كان هذا هكذا فإنما أراد النبي ﷺ بهذا القول من امتلأ جوفه من الشعر، حتى لا يكون فيه موضع للذكر ولا لحفظ القرآن، ولا لعلم الشرائع والأحكام، والسنة في الحلال والحرام، وهذا ظاهر لمن تدبره، ويزيده وضوحاً ما روى عنه ﵇ من أنه سمع قوماً يقولون: فلان علامة، فقال: وما هو علامة؟ فقيل: يعلم أيام العرب وأشعارها، وأنسابها ووقائعها فقال: ذلك علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله، إنما العلم آية محكمة، أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، [وما خلاهن فهو فضل] ولم يزل الشعر ديوان العرب في الجاهلية لأنهم كانوا أميين [ولم تكن الكتابة فيهم] إلا أهل الحيرة ومن تعلم منهم، فإنما حفظت مآثرها وأخبر آبائها، وما مضى من أيامها [ومذكور أحسابها] ووقائعها، ومستحسن أفعالها ومكارمها بالشعر، [الذي قيل فيها، ونقلته الرواة عن شعرائها]، ولولا الشعر ما عرف جود حاتم طيء، وكعب بن مامة، وهرم بن ستان، وأولاد جفنة، لكن

الذي قيل فيهم من الشعر أشاد بذكرهم، وبين عن فخرهم؛ فقال الفرزدق في حاتم:

على ساعة لو أن القوم حاتماًعلى جوه ضنت بها نفس حاتم

وقال زهير في هرم:

من يلق يوما على علاته هرمايلق السماحة منه والندى خلقا
لو نال حي من الدنيا بمكرمةأفق السماء لنالت كفه الأنقا

وقال آخر:

فما كعب بن ملعة وابن سعديبأجود منك يا عمر الجواد

إلى غير ذلك مما قيد على الأبطال ذكر شجاعتهم، وشهر في الناس ذكرهم، وعرفنا به غناءهم في مواقفهم وآثارهم في وقائعهم، فقال عنترة:

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمهاقول الفوارس وبك عنتر أقدم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم ( معلقة )»

وقال آخر:

وفككنا غل امرئ القيس عنهبعد ما طال حبسه والعناء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وقال آخر:

أليسوا بالألي قسطوا قديماًعلى النعمان وابتدروا السطاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وهم وردوا الكلاب على تميمبجيش يبلع الناس ابتلاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقد ذكر أرسطاطاليس الشعر في "كتاب الجدل"، فجعله حجة مقنعة إذا كان قديماً، واحتج في كثير من كتب السياسة بقول أوميروس شاعر اليونانيين؛ وقول رسول الله ﷺ أحق بالتقدمة وأولى بالأتباع، وقد قال: إن من الشعر لحكما، وروى عن بعض السلف: أعربوا القرآن والتمسوا عربيته في الشعر". وقيل: "حسبك من الأدب أن تروي الشاهد والمثل". وقال معاوية لابنه: "يا بي إرو الشعر، وتخلق به، ولقد هممت يوم صفين بالفرار مرات فما ردفي عن ذلك غلا قول ابن الإطنابة:

أبت لي همتي وأبي علائيوكسبي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفعيوضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
لأدفع عن مكارم صالحاتوأحمي بعد [عن] عرض صحيح

وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده في وصيته إياه: "وعلمهم الشعر يحمدوا به".

وللشعراء فنون من الشعر كثيرة يجمعها في الأصل أصناف أربعة، وهي: المديح، والهجاء، والحكمة، واللهو، ثم يتفرع عن كل صنف من ذلك فنون، فيكون من المديح: المرائي، والافتخار، والشكر، واللطف في المسألة، وغير ذلك مما اشبهه، وقارب معناه معناه؛ ويكون من الهجاء: الذم، والعتب، والاستبطاء، والتأنيب، وما أشبه ذلك وجانسه؛ ويكون من الحكمة: الأمثال، والتزهيد، والمواعظ، وما شاكل ذلك، وكان من نوعه؛ ويكون من اللهو: الغزل، والطرد، وصفة الخمر والمجون، وما أشبه ذلك [وقاربه]. فما أجمعوا على استحسانه من المديح قوله:

على مكثريهم حق من يعتريهموعند المقلين السماحة والبذل

وقول الآخر:

يجود بالنفس إن ضمن الجواد بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجود

ومن المرائي قول الخنساء:

ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقلت نفسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»
وما يبكون مثل أخي وسكنأعزى النفس عنه بالتأسي

وفي الشكر قوله:

لأشكرنك معروفا هممت بهإن اهتمامك بالمعروف معروف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فلا ألومك إن لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف

وفي الافتخار قوله:

أخذنا بآفاق السماء عليكملنا قمراها والنجوم الطوالع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل»

وفي الهجاء قوله:

فغض الطرف إنك من نميرفلا كسبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وفي الاستبطاء قوله:

كلانا غني عن أخيه حياتهونحن إذا متنا اشد تفانيا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وعين الرضا عن كل عيب كليلة»

وفي الحكمة قوله:

ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزود
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وفي الزهد قوله:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو في ثياب صديق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيا رب وجه في التراب عتيق»

وفي الوعظ قوله:

وما الناس إلا هالك وابن هالكوذو نسب في الهالكين عريق

وفي اللهو والمبادرة به قوله:

كم من مؤخر لذة قد أمكنتلغد وليس له غد بموات

وفي الغزل قوله:

وما ذرفت عيناك إلا لتضر بيبسهميك في أعشار قلب مقتل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وفي الطرد قوله:

فعادى عداء بين ثور ونعجةداركاً ولم ينضج بماء فيغل
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ولما رأينا المغربي بخدمة المؤيد»

وفي الخمر قوله:

لا يسكن الليل حيث حلتفدهر شرابها نهار

ما يحتاج إليه الشاعر:

ويحتاج الشاعر إلى تعلم العروض، ليكون معياراً له على قوله، وميزاناً على ظنه؛ والنحو ليصلح به من لسانه، ويقيم به إعرابه، والنسب وأيام الناس، ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب، فيذكرهما فيمن قصده بمدح أو ذم، وأن يروى الشعر ليعرف مسالك الشعراء ومذاهبهم وتصرفهم فيحتذي مناهجهم، ويسلك سبيلهم، فإذا لم يجتمع له هذا فليس ينبغي أن يتعرض لقول الشعر، فإنه ما أقام على الإمساك معذور، فمتى تعرض لما يظهر فيه عيبه وخطؤه كان مذموماً، وقد قال الشاعر:

الشعر صعب وطويل سلمهإذا ارتقى في الذي لا يعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زلت به إلى الحضيض قدمهيريد أن يعربه فيعجمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

[فإذا كملت هذه الأدوات ورأى من طبعه] انقياداً لقول الشعر وسماحة به قاله وتكلفه، وإلا لم يكره عليه نفسه، فالقليل مما تسمح به النفس، ويأتي به الطبع خير من الكثير [الذي] يحمل فيه عليها، وإن أعين مع هذا بأن يكون في شرف من قومه، ومحل من أهل

دهره، كان قليل ما يأتي به من الصواب كثيراً، وكثيره جليلاً خطيراً، ولذلك قال الشاعر:

وخير الشعر أكرمه رجالاوشر الشعر ما قال العبيد

وقال على بن الجهم في قريب من هذا المعنى:

وما أنا ممن سار بالشعر ذكرهولكن أشعاري يسير بها ذكري
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ولا كل من قاد الجياد يسوقهاولا كل من أجرى يقال له مجرى
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

والذي يسمى به الشعر فائقاً، ويكون إذا اجتمع فيه مستحسناً رائقاً: صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، واعتدال الوزن، وإصابة التشبيه، وجودة التفصيل، وقلة التكليف، والمشاكلة في المطابقة، وأضداد هذه كلها معيبة تمجها الآذان، وتخرج عن وصف البيان.

فأما صحة المقابلة فمثل قول الشاع:

أميل مع الذمام على ابن أميوأحمل الصديق على الشقيق
وأفرق بين معروفي ومنيوأجمع بين مالي والحقوق

فأحسن القسمة في المقابلة، ومال مع ما ينبغي أن بمال معه، وحمل على ما يحسن الحمل عليه، وفرق بين ما ينبغي أن يفرقه، وجمع بين ما ينبغي أن يجمعه وأساء الآخر المقابلة حيث يقول:

أموت إذا ما صد عني بوجههويفرح قلبي حين برجع الموصل

فجعل حذا الموت فرح القلب، وحذاء الصد بوجهه الوصل وهذه مقابلة قبيحة، ولو قال:

أموت إذا ما صد عني بوجههوأحيا إذا مل الصدود وأقبلا

فجعل حذاء الموت الحياة، وحذاء الصد بالوجه الإقبال، لكان مصيباً.

وأما حسن النظم فكقوله:

متاركة اللثيم بلا جوابأشد على اللثيم من الجواب

وكقوله:

يا أيها المتحلي غير شيمتهإن التخلق يأتي دونه الخلق

فهذا نظم حسن جميل، له رونق غير محيل، فاما [قول الشاعر]:

أم سلام أثيبي عاشقاًيعم الله يقينا ربه
إنكم في عينه من عيشةفاعلميه يا سليمي حسبه

قبيح النظم بادي العوار، ظاهر الاضطراب، مختلف غير مؤتلف. وأما جزالة اللفظ فكقوله:

وعلى عدوك يا ابن عم محمدرصدان ضوء الشمس والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفاسلت عليه سيوفك الأحلام
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «فإذا تنبه رعته وإذا»

فأما سخافة اللفظ، وركاكته فمثل قول الآخر:

أيا عتب سيدني أمالك دينحتى متى قلبي لديك رهين
فأنا الصبور لكل ما حملتنيوأنا الشقي البائس المسكين

وأما اعتدال الوزن فكقوله:

إنما الذلفاء هميفليدعني من يلوم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إنما الذلفاء همي»
أحسن الناس جميعاًحين تمشي أو تقوم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إنما الذلفاء همي»
أصل الحل لترضىوهي للجبل صروم

فهذا الشعر ليس فيه معنى فائق، ولا مثل سابق، ولا تشبيه مستحسن،

ولا غزل مستطرف، إلا أن الاعتدال قد كساه جمالاً، وصير له في القلوب جلالاً؛ فإذا جئت إلى قول امرئ القيس:

وتعرف فيه من أبيه شمائلاومن خاله، ومن يزيد ومن حجر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لَعَمْرُكَ ما قَلْبي إلى أهْلِهِ بِحُرْ»
سماحة ذا، وبر ذا ووفاء داوفائل ذا إذا صحا وإذا سكر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر»

وجدته قد أتى من الوصف بما لم يأت به أحد، ومدح أربعة في بيت، وجمع لو أحد فضائل الأربعة في بيت آخر، وجعل ما مدحه به سجية له: في صحوة وفي سكره، ففاق في هذه الأحوال كل شاعر، إلا أن اضطراب وزنه، وكثرة الزحاف فيه، قد بهر جاء، وعن حد القبول قد أخرجاه.

وأما الإصابة في التشبيه فكقول الشاعر:

فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتاى عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وكقول الآخر:

كأن مثار النقع فوق رؤسهموأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

ومما سلك شاعره فيه سبيل التشبيه فأساء ولم يحسن، قوله:

خطاطيف حجن في حبال متينةنمد بها أيد إليك نوازع

وكقول الآخر:

ألا إنما ليلى عصا خيزرانةإذا لمسوها بالأكف تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

وأما سهولة القول، وقلة التكلف فكقول الشاعر:

خير المذاهب في الحاجات أنجحهاوأضيق الأمر أدناه من المرج
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «الناس في الدين والدنيا ذو درج»

فهذا اللفظ سهل قريب، قد جرى صاحبه فيه على سجيته وعادته، فإذا جئت إلى قول الآخر:

وما مثله في الناس إلا مملكاأبو أمه حي أبوه يقاربه

وجدته قد تكلف تكلفا غير خفي على سامعه، فالقلوب له آبية والآذان عنه نابية.

وأما جودة التفصيل فكقوله:

بيض مفارقنا، تغلي مراجلنانأسو بأموالنا آثار أيديقا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

وكقول الآخر:

بيضاء في دعج، صفراء في نعجكأنها فضة قد مسها ذهب

وأما المطابقة والمشاكلة فكقول الشاعر:

نعرض الطعان إذا التقيناوجوها لا تعرض للسباب

وقول الآخر (في أحمد بن الخطيب):

سموه أحمد فالإسلام يحمدهوالدهر كاسم أبيه ممرع خصب

ومما ينبغي للشاعر أن يلزمه فيما يقوله من الشعر ألا يخرج في وصف أحد ممن يرغب إلي أو يرهب منه، أو يهجوه أو يمدحه أو يغازله [أو يهازله] عن المعنى الذي يليق به ويشاكله، فلا يمدح الكاتب بالشجاعة، ولا الفقيه بالكتابة، ولا الأمير بغير حسن السياسة، ولا يخاطب النساء بغير مخاطبتهن، ولكن يمدح كل أحد بصناعته، وبما فيه من فضيلته، ويهجوه برذيلته، ومذموم خليقته، ويغازل النساء بما يحسن من وصفهن، ومداعبتهن، والشكوى إليهن، فإن في مفارقته هذه السبيل التي نهجناها، وسلوكه غير هذه الطريق وضعا الأشياء في غير مواضعها، [وإذا وضعت الأشياء في غير مواضعها] قصرت عن بلوغ أقصى مواقعها، ولذلك قال الأمين لأبي نواس إذا قلت في الخصيب:

إذا لم تزر أرض الخصيب وكابنافأي فتى بعد الخصيب تزور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

فماذا أبقيت لي؟ قال: قولي يا أمير المؤمنين:

إذا نحن أثنينا عليك بصالحفأنت كما تثني وفوق الذي تثني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةلغيرك إنساناً فأنت الذي تعني

ولقد لعمر - أحسن الأمير السؤال ووضعه موضعه، وأحسن أبو نواس الاعتذار وتلافي ما فرط منه.

ومما وضع [في] غير موضعه فعيب، وإن كان في معناه جيداً قوله:

فقلت لها يا عز كل مصيبةوإذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

فقالوا: لو قال هذا في الزهد كان من أشعر القول:

وكذلك قول الآخر:

يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلةولا الصدور على الأعجاز تتكل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

فقالوا: لو وصف بهذا النساء لكان من أحسن الوصف، وأغزل الشعر.

ومما ينبغي له أيضاً أن يجتهد فيه: أن يكون معنى كل بيت ولفظه متساويين حتى يتم المعنى بتمام اللفظ، كما قال الشاعر:

ولا يواتيك فيما ناب من خلقإلا أخو ثقة فانظر بمن نثق

فهذا بيت قد تم معناه بتمام لفظه من غير حشو، وكذلك قوله:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أجد الملامة في هواك لذيذةكلفاً بذكرك فليلمني اللوم

فأما إذا تم المعنى قبل تمام البيت، فالشاعر حينئذ محتاج إلى حشو البيت بما لا فائدة فيه من اللفظ، وذلك مثل قول الشاعر:

وقد أروح إلى الحانوت يتبعنيشاو مثل شلول شلشل شول

وإن تم لفظ البيت قبل أن يتم معناه احتاج إلى أن يضمن البيت الثاني تمام المعنى كما قال الشاعر:

وجناح مقصوص نحيف ريشهريب الزمان تحيف المقراض

فهذا لا يقوم بنفسه، ولا يبين عن معنى ما أريد به حتى يأتي معناه في البيت الثاني وهو:

فنعشته ووصلت ريش جناحهوجبرته يا جابر المنهاض

وجميعاً معيبان، فينبغي أن يجنبهما ما وجد السبيل إلى ذلك.

واعلم أن الشاعر إذا أتى بالمعنى الذي يريده، أو المعنيين في بيت واحد كان في ذلك أشعر منه إذا أتى بذلك في بيتين، وكذلك إذا أتى شاعران بذلك، فالذي يجمع المعنيين في بيت أشعر من الذي يجمعهما في بيتين، ولذلك فضل قول امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطباً ويابساًلدى وكرها العناب والحشف البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

على قوله:

كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

لأنه جمع في البيت الأول وصف شيئين [لشيئين]، وإنما وصف في هذا شيئاً بشيء.

وللشاعر أن يقتصد في الوصف أو التشبيه أو المدح أو الذم، وله أن يبالغ، وله أن يسرف حتى يناسب قوله المحال ويضاهيه، وليس المستحسن السرف والكذب والإحالة في شيء من فنون القول إلا في الشعر.

وقد ذكر أرسطاطاليس الشعر فوصفه بأن الكذب فيه أكثر من الصدق، وذكر أن ذلك جائز في الصياغة الشعرية، فمما اقتصد الشاعر فيه قوله:

يخزك من شهد الوقيعة أننيأغشى الوعي وأعف عند المغنم

ومما بالغ فيه قوله:

يطعنهم ما ارتموا حق إذا طعنواضارب حتى إذا ما ضربوا اعتنقا

فجعل له غايتهم في كل من الأحوال مع البسلة والشجاعة فضلاً ومبالغة، ومما أصرف فيه الشاعر حتى أخرجه إلى الكذب والمحال، وهو مع ذلك مستحسن [قوله]:

وثفت بحبل من حبال محمدأمنت به من طارق الحدثان
فلو تسأل الأيام ما اسمي مادرتوأين مكاني ما عرفن مكاني؟ !
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لمن طلل لم أشجه وشجاني»

(تغطيت من دهري بظل جفاحه .. فعيني ترى دهري وليس يراني)

ومما يزيد في حسن الشعر، ويمكن له حلاوة في الصدر: حسن الإنشاد وحلاوة النغمة، وأن يكون الشاعر قد عمد إلى معاني شعره فجعلها فيما يشا كلها من اللفظ فلا يكسو المعاني الجدية ألفاظاً عزليةفيسخفها، ولا يكسو المعاني الهزلية ألفاظاً جدية فيستوخمها سامعها، ولكن يعطي كل شيء من ذلك حقه، ويضعه موضعه، ويتمثل في ذلك ما وصف به الشاعر بعض الحذاق بترتيب الكلام فقال:

أخو الجد إن جاددت أرضاك جدهوذو باطل إن شئت أرضاك باطله

وألا يجعل شعره كله جداً فيشتقل، إذ كانت النفوس ربما ملت الحق فاستثقلته

واحتاجت إلى أن تمتري نشاطها وتبقى جمامها بشيء من الهزل، وألا يجعل شعره كله هزلاً فيكسد عند ذوي العقول، ولكن يخلط جداً بهزل، ويستعمل كلاً في موضعه وعند أهله، ومن ينفق عليه. وممن عرف هذا المعنى في الشعر فأخذ فيه، وابر فيما أتى منه على من تقدمه (بيتاً) من يقول:

أنت أمرؤ أوليتني نعماًأوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تحدثن إلى عارفةمتى أقوم بشكر ما سلفا

ويقول:

تنازع الأحمدان الشبه فاشتبهاخلقا وخلقا كما قد الشر أكان
شبهان لا فرق في المعقول بينهمامعناهما واحد والعدة اثنان

حتى يقول:

عتقت في الدن حتىهي في رقة ديني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «اسقني يا ابن أذين»

وبقول:

اطلبي لي مواجراواذهبي أنت قحبي
لست ما عشت مدخلاأصبعي حجر عقرب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إنما همتي غلا»

فاجبتباه العلماء لما جد فيه، قال أبو عبيدة أو غيره لولا ما أخذ فيه

أبو نواس من الآفات لاحتجنا بشعره. واجتباه الخلفاه وأهل المجانة لما هزل فيه.

فأما وضع المعاني مواضعها التي تليق بها فكقول امرئ القيس؛ في عنفوان أمره وجدة ملكه:

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولكنما أسعى لمجد مؤثلوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فوضع طلب الرفعة وسمو المنزل موضعه إذ كان ملكاً، لأن ذلك يليق بالملوك، ثم وضع القناعة في موضعها لما زال عنه ملكه فصار كواحد من رعيته، لأن ذلك أولى بمن هذه منزلته فقال:

إذا ما لم تكن إبل فمعزيكأن قرون جلتها عصى
إذا ما قام حلبها أرنتكأن الحي بينهم نعي
فتملأ بيتنا اقطا وسمناهوحسبك من غني شبع وري

ويتبع لمن كان قوله للشعر تكسبا لا تأدبا أن يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ويخاطب كل مقصود بالشعر على مقدار فهمه، فإنما ربما قيل الشعر الجيد فيمن لا يفهمه فلا يحسن موقعه منه، وربما قيل الشعر الداعر لهذه الطبقة فكثرت فائدة قائله لفهمهم إياه، ولهذا المعنى قال رسول الله ﷺ في حديث يرويه عنه الشيعة:

إنا أمرنا - معاشر الأنبياء - أن نكلم الناس على مقادير عقولهم, وقال الشاعر:

وأنزلني طول النوى دار غربةإذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وأنزلني طول النوى دار غربة»
فجاهلته حتى يقال سجيةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

فهذا ما حضرنا في أقسام الشعر المنظوم وهو مقنع إن شاء الله

النثر:

فأما المنثور فليس يخلو من أن يكون خطابة، أو ترسلا، أو احتجاجاً، أو حديثاً، ولكل واحد من هذه الوجوه موضع يستعمل فيه.

فالخطب تستعمل في إصلاح ذات البين، وإطفاء نار الحرب، وحمالة الدماء، والتشييد للملك، والتأكيد للعهد، وفي عقد الإملاك، وفي الدعاء إلى الله ﷿، وفي الإشادة بالمناقب، ولكل ما أريد ذكره ونشره وشهرته في الناس.

والترسل في أنواع من هذا، وفي الاحتجاج على من زاغ من أهل الأطراف، وذكر الفتوح، وفي الاعتذارات والمعاتبات، وغير ذلك مما يجري في الرسائل والمكاتبات.

والبلاغة في الجميع واحدة، والعي فيه قريب من قريب؛ إلا أن الخطابة لما كانت مسموعة من قائلها، ومأخوذة من لفظ مؤلفها، وكان الناس جميعاً يرمقونه ويتصفحون وجهه، كان الخطأ فيها غير مأمون، والحصر عند القيام بها مخوفاً محذوراً.

فأما الرسائل فالإنسان في فسحة من تمكينها، وتكرر النظر فيها، وإصلاح خلل إن وقع في شيء منها، ثم هي نافذة على يد الرسول، أو في طي الكتاب، فقد كفى صاحبها المقام الذي ذكرناه، والخطر الذي وصناه، فلهذا صار الخطيب إذا ساوى المترسل في البلاغة كان له الفضل عليه، كما كان الفضل الشاعر إذا ساوي المتكلم في تجويد المعاني، وبلاغة اللسان، وقد كان الفضل للشاعر إذا ساوى المتكلم في تجويد المعاني، وبلاغة اللسان، وقد قال عبد الله بن الأهتم: إني لست أعجب من رجل تكلم بين قوم فأخطأ في كلامه، أو قصر عن حجته، لأن ذا الحجا قد تناله الخجلة، ويدركه الحصرن ويعزب عليه القول، ولكن العجب ممن أخذ دواة وقرطاساً، وخلا بفكره وعقله، كيف يعزب عنه باب من أبواب الكلام يريده، أو وجه من وجوه المطالب يؤمه؟ !

وقد ذكرنا المطالب التي يصير بها الشعر حسناً، وبالجودة موصوفاً، والمعاني التي يصير بها قبيحاً مرذولاً.

وقلنا: إن الشعر كلام مؤلف، فما حسن منه فهو في الكلام حسن، وما قبح منه فهو في الكلام قبيح، وكل ما ذكرناه هناك من أوصاف جيد الشعر فاستعمله في الخطابة والترسل، وكل ما قلناه من معاتبة فتجنبه ها هنا. ثم إنه يخص الخطابة والترسل أشياء نحن نذكرها، ونبتدئ باستقامة الخطابة والترسل من اللغة فنقول:

إن الخطابة مأخوذة من خطبت أخطب خطابة: كما يقال؛ كتببت أكتب كتابة، واشتق ذلك من الخطب وهو الأمر الجليل، لأنه إنما يقال بالخطب في الأمور التي تجل وتعظم، والاسم منها خاطب مثل راحم، فإذا جعل وصفا لازماً قيل خطيب كما قيل في راحم رحيم، وجعل رحيم أبلغ في

الوصف، وأبين في الرحمة، وكذلك لا يسمى خطيباً إلا من غلب ذلك على وصفه، وصار صناعة له.

والخطبة الواحدة من المصدر كالقومة من القيام، والضربة من الضرب [والخطبة الكلام المخطوب به]، فإذا جمعتها قلت خطب مثل جمعة [وجمع] والخطبة اسم المخطوبة، وجمعها خطب مثل كسرة وكسر فأما المخاطبة فيقال منها: خاطبت أخاطب مخاطبة، والاسم الخطاب، مثل قاتلته أقاتله مقاتلة، والاسم القتال.

والترسل من ترسلت أنرسل ترسلا، وأنا مترسل، كما يقال: توقفت بهم أتوقف توقفا وأنا متوقف، ولا يقال ذلك إلا فيمن تكرر فعله في الرسائل، كما لا يقال تكسر إلا فيمن تردد عليه اسم الفعل في الكسر. ويقال لمن فعل ذلك مرة واحدة أرسل يرسل إرسالا وهو مرسل، والاسم الرسالة، أو راسل يراسل مراسلة وهو مراسل، وذلك إذا كان هو ومن يراسله قد اشتركا في المراسلة؛ وأصل الاشتقاق في ذلك أنه كلام يراسل به من بعيد فاشتق له اسم الترسل، والرسالة من ذلك.

والخطابة والخطاب اشتقا من الخطب والمخاطبة لأنهما

مسموعان، فمن أوصاف الخطابة أن تفتتح [الخطبة] بالتحميد والتمجيد، وتوشح بالقرآن وبالسائر من الأمثال، فإن ذلك مما يزين الخطب عند مستمعيها وتعظم به الفائدة فيها، ولذلك كانوا يسمون كل خطبة لا يذكر الله ﷿ في اولها البتراء؛ وكل خطبة لا توشح بالقرآن ولا بالأمثال الشوهاء. ولا يتمثل في الخطب الطوال التي يقام بها في المحافل بشيء من الشعر، فإن أحب أن يستعمل [ذلك] في الخطب القصار وفي المواعظ والرسائل فليفعل، إلا أن تكون الرسالة إلى خليفة فإن محله يرتفع عن التمثل بالشعر في كتاب إليه، ولا باس بذلك في غيرها من الرسائل، وأن يكون الخطيب أو المترسل عارفاً بمواقع القول وأوقاته واحتمال المخاطبين له، فلا يستعمل الإيجاز في موضع الإطالة فيقصر عن بلوغ الإرادة، ولا الإطالة في موضع الإيجاز فيتجاوز في مقدار الحاجة إلى الإضجار والملالة، ولا يستعمل ألفاظ الخاصة في مخاطبة العامة، ولا كلام الملوك مع السوقة، بل يعطي كل قوم من القول بمقدارهم، ويزنهم بوزنهم، فقد قيل: "لكل مقام مقال".

وإذا رأى من القوم إقبالاً عليه، وإنصاتاً لقوله فأحب أن يزيدهم زادهم على مقدار احتمالهم ونشاطهم، وإذا تبين منه إعراضاً عنه وتثاقلاً عن استماع قوله خفف عنهم، فقد قيل: من لم ينشط لكلامك فارفع عنه مثوبة الاستماع منك. وليس يكون الخطيب موصوفاً بالبلاغة

ولا منعوتاً بالخطابة إلا بوضع هذه الأشياء موضعها، وأن يكون على الإيجاز -إذا شرع فيه - نادراً، وبالإطالة -إذا احتاج إليها - ماهراً، فقد وصف بعضهم بالبلاغة بما قلناه، وقد سئل عنها: هي الاكتفاء في مقامات الإيجاز بالإشارة، والاقتدار في مواطن الإطالة على الغزارة، وقال الشاعر في هذا المعنى:

يرمون بالخطب الطوال وتارةوحي الملاحظ خيفة الرقباء
للشاعر أبو دؤاد ابن حريز الإيادي، اقرأ القصيدة

وقال جعفر بن يحيى: "إذا كان الإكثار أبلغ، كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار هذراً"، فين ما يحمد من الإيجاز وما يحتاج إليه من الإكثار.

فأما المواضع التي ينبغي أن يستعمل كل واحد منهما فيه، فإن الإيجاز ينبغي أن يستعمل في مخاطبة الخاصة، وذوي الإفهام الثاقبة الذين يجتزئون بيسير القول من كثيره، وبمجمله عن تفسيره، وفي المواعظ والسنن والوصايا التي يراد حفظها ونقلها، ولذلك لا ترى في الحديث عن الرسول ﵇ والأئمة ﵈ شيئاً يطول، وإنما يأتي على غاية الاختصار والاقتصار، وفي الجوامع التي تعرض على الرؤساء فيقفون على معانيها، ولا يشغلون بالإكثار فيها.

وأما الإطالة ففي مخاطبة العوام، ومن ليس من ذوي الإفهام، ومن لا يكتفي من القول بيسيره، ولا يتفتق ذهنه إلا بتكريره، وإيضاح تفسيره، ولهذا استعمل الله ﷿ في مواضع من كتابه

تكرير القصص، وتصريف القول ليفهم من يبعد فهمه، ويعلم من قصر علمه، واستعمل في مواضع أخر الإيجاز والاختصار لذوي العقول والأبصار، فما روي من الخطب القصيرة، والرسائل الموجزة والألفاظ المختصرة وما نحن ذاكرو بعضه ليدل على سائره. فمن ذلك خطبة تروى عن النبي ﷺ وهي أن قال بعد حمد الله والثناء عليه:

"أيها الناس، كأن الموت في الدنيا على غيرنا كتب، وكأن الحق بها على غينا وجب، وكأن الذي يشبع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، بنوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة، وأمناً كل جائحة، طوبى لمن شغله عيبه من عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وجالس اهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن أذل نفسه، وحسنت خليفته، وصحت سريرته، وعزل -عن الناس شره، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم يعدها إلى البدعة".

خطبة أخرى له ﵇ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فقفوا عند نهايتكم، إن المؤمن بين غايتين: بين أجل قد قضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى ما يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ

[كل] امرئ من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار".

خطبة قس بن ساعدة التي رواها عنه النبي ﷺ ذكر [النبي]ﷺ أنه رآه بسوق عكاظ على جمل أحمر، وهو يقول:

"أيها الناس اجتمعوا، ثم اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات قات، وكل ما هو آت آت. يا معشر إياد أين ثمود وعاد؟ ! وأين الآباء والأجداد؟ ! وأين المعروف الذي لم يشكر؟ ! وأين الظلم الذي لم ينكر؟ !، أقسم قس قسماً [حقاً] أن لله ديناً هو أرضى عنده من دينكم. ثم أنشد شعراً فهل فيكم من يحفظه، فقال بعضهم هو أبو بكر - رضوان الله عليه - أنا أحفظه، فقال: هاته فأنشد:

في الذاهبين الأواليـن من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداًللموت ليس لها مصادر
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
ورأيت قومي نحوهايمضي الأكابر فالأكابر
لا يرجع الماضي ولايبقى من الباقين غابر
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة

ومن كلام أمير المؤمنين ﵇ في الحكمة، وألفاظه القصار المتخبة.

"المره مخبوه تحت لسانه، قيمة كل امرئ ما يحسن، اعرف الحق تعرف أهله. العلم ضالة المؤمن، أغنى الناس العقل وأفقر الناس الحمق، والدنيا دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل ابتاع نفسه فأعتقها، ورجل باع نفسه فأوبقها، إذا قدرت على عدوك فاجعل الصفح عنه شكراً للقدرة عليه. والصبر مطية لا تكبو، وسيف لا ينبو. عمرت البلاد بحب الأوطان. كفران النعمة لؤم. وصحبة الأحمق شؤم، إتباع الهوى يصد عن الهدى، الحجر الغصب في الدار رهن بخرابها. ما ظفر من ظفر الاثم به. الغالب بالشر مغلوب".

ومن كلام غيره ﵇[من الظفر] تعجيل اليأس من الممتنع، من لم يعرف شر ما يولي لم يعرف خبر ما يعلي، الكريم للكريم محل، الموت في قوة وعزة خير من الحياة في ذل وعجز، لا زوال للنعمة مع الشكر، ولإبقاء لها مع الكفر، شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعتذاره، عجب الرجل بنفسه أحد حساد عقله، لمنع الناس من عرضك بما ينكرونه من فعلك، من أمل أحد أهابه، ومن قصر عن شيء عابه، جهل المرء بقدر إهلاك منه لنفسه، الصبر حيلة من لا حيلة له، حسبك من شر سماعه، استر عورة أخيك لما يعرفه فيك، من خف على عدون ثقل على صديقه، من أسرع إلى الناس بما يكرهون رموه بما يعلمون".

وهذا كثير يطول به الكتاب، وإنما ذكرنا منه بعضه لتستدل به على سائره إن شاء الله.

ومن الرسائل القصيرة الآتية على المعاني الكبيرة رسالة النبي ﷺ إلى مسيلمة لما كتب إليه: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: أما بعد فإن الله ﷿ قسم الأرض بيننا، ولكن قريش قوم غدر" فكتب إليه: "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".

ورسالة يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، وقد بلغه عنه بعض التحبس عن بيعته، فكتب إليه: "من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد علي أيهما شئت والسلام".

فصل الحسن بن وهب، "فأسأل الله أن يبلغني أملي فيك، فإنها دعوة على قصرها طويلة".

ولسليمان بن وهب "إن الدولة إذا أقبلت أكثرت العدد، وإذا أدبرت

أكثرت العدد وأقلت العدد". ولأحمد بن سليمان: "والنعم ثلاث: مقيمة، ومتوقعة، وغير محتسبة، فحرس الله لك مقيمها، وبلغك متوقعها، وآتاك ما لم تحتسب منها".

وله أيضاً: "واعلم أن الحق لمن أصابه لا لمن أخطأه وقد أراده".

ولمحمد بن عبد الملك: "ولو لم يكن من فضل الشكر إلا أنه لا يسري إلا بين نعمة مقصورة عليه، أو زيادة منتظرة به".

ولأبي الربيع إلى يحيى بن خالد في اختيار العمال: "وليس لك أن تقول لربك: لم أجد وأنت لم تجتهد".

ولابن مكرم: " (وأسألك عفو إمكانك في حاجتي)، وأضمن لك جهدي في شكرك".

وفصل في تعزية: "وخير حواشي نعمتك ما فقد فوقاك، أو بقي فسلاك".

[وفصل آخر: "والناس متقاربون حتى يحدث] غني موسع،

أو فقر مدقع، أو شكر سلطان)، أو نبوة زمان، أو خوف يتصل به خور، أو أمن يدعو إلى بطر".

آخر في فصل من كتاب: "ومن أسكد الزمان أنني ما عاشرت أحداً إلا أنزلتني عشرته بين صبر على أذى، أو فراق على قلي".

آخر: "والاعتذار منك تفضل، ومنا تنصل".

ومن موجز التوقيعات: [وقع أبو صالح بن يزداد إلى رجل أذنب: "وقد تجاوزت عنك] فإن عدت أعدت إليك ما صرفته عنك".

وإلى آخر خافه: "ليس عليك بأس، ما لم يكن منك بأس".

وإلى آخر أدل بكفايته: "أدللت فأملكت، فاستصغر ما فعلت تنل ما أملت".

ووقع المأمون إلى عامل له شكى: "قد كثر شاكوك (وقل شاكروك) فإما عدلت وإما اعتزلت".

ووقع في أمر الجند: "لا يعطوا على الشغب، ولا يحوجوا إلى الطلب".

ووقع إلى طاهر بن الحسين: "والله لئن هممت لأفعلن، ولئن فعلت لأبرمن، ولئن أبرمت لأحكمن".

ووقع يحيى بن خالد في كتبه إلى رجل سأله [عن حاله]: أحسن

الناس حالاً في النعمة من ارتبط مقيمها بالشكر، واسترجع ماضيها بالصبر".

ووقع محمد بن خالد إلى عامل له: "أجر أمورك على ما يكسبك الثناء، ويكسبنا الدعاء، وأعلم أنها أيام تنقضي، وأعمار تنتهي، فإما ذكر جميل، وإما خزي طويل".

وإن رمنا أن نأتي بكل ما سمعنا في هذا الباب من مختصر الوصايا والأدب، وقصير التوقيعات والخطب، طال علينا، وشغلنا عما عليه أجرينا" وإنما ذكرنا ما ذكرنا مثالاً يحتذى عليه اللبيب، ويستن به الأديب، فأما الخطب الطوال، والرسائل الكبار، فهي مدونة موجودة في كتب الناس.

وممن شرع في المعنيين من الإيجاز والإطالة [فسلم في الإيجاز من التقصير، وفي الإطالة] من الإسهاب والتكثير، وتقدم الناس جميعاً في ذلك لتقدمه في سائر فعائله أمير المؤمنين ﵇ وله من الخطب الطويلة المشهورة الزهراء والبيضاء والغراء، وغيرهن مما حمل عنه ونقل إلينا من قوله، وإنما تحسن الإطالة، وبسط الكلام كما قلنا في تفسير الجمل، وتكرير الوعظ، وإفهام العامة، ويليق ذلك بالأئمة والرؤساء، ومن يقتدي به ويؤخذ عنه؛ فأما العامة والجمهور، فلا يليق ذلك بهم، ولا ينبغي أن يتركوا يستعملونه، فإنه لقاح البيان، وسبب الاختلاف والتشتت. وقد روى أن عمار ﵁ -

تكلم يوماً فأوجز، فقيل له: لو زدتنا، فقال: أمرنا رسول الله ﷺ باختصار الخطب. ولهذا [المعنى] قال شاعر [الخوارج].

كنا أناساً على دين ففرقناقذع الكلام وخلط الجد باللعب
للشاعر زيد الإيادي، اقرأ القصيدة
ما كان أغنى رجالاً ضل سعيهمعن الجدال وأعفاهم عن الخطب
للشاعر زيد الإيادي، اقرأ القصيدة

وممن استعمل في قوله وكتبه الإيجاز والاختصار من القدماء ليهون بذلك حفظ كتبه على من يريد حفظها، ويقرب على ناقل أقواله و [كتبه] فقلها، أرسطاطاليس، وإقليدس، فإنهما [لم] يأتيا في شيء من كلامهما بما لا يتهيأ لأحد أن يختصره، أو أن يأتي في معناهما بأقل من لفظهما فيه. وممن استعمل الشرح والإطالة منهم ليفهم المتعلم، ويفصل المعاني للمتفهم، جالينيوس ويوحنا النحوي، وكل قد قصد مقصوداً لم يرد به إلا النفع والخير.

ومن الأوصاف التي إذا كانت في الخطيب سمى سديداً، وكان من العيب معها بعيداً، أن يكون في جميع ألفاظه ومعانيه جارياً على سجيته، غير مستكره لطبيعته، ولا متكلف ما ليس في وسعه، فإن التكلف إذا ظهر في الكلام هجنه، وقبح موقعه؛ وحسبك من ذم التكلف أن الله سبحانه أمر رسوله ﷺ بالتبرؤ منه فقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.

أو لا يظن أن البلاغة إنما هي الإغراب في اللفظ، والتعمق في المعنى، فإن أصل الفصيح من الكلام ما أفصح عن المعنى، والبليغ ما بلغ الماد، ومن ذلك اشتقا؛ فأفصح عن معانيه، ولم يحوج السامع إلى تفسير له بعد ألا يكون كلاماً ساقطاً، ولا للفظ العامة مشبهاً، ولذلك قال بعضهم في وصف البلاغة: هي أن يتساوى فيها اللفظ والمعنى، فلا يكون اللفظ أسبق إلى القلب من المعنى، ولا المعنى أسبق إلى القلب من اللفظ وليس بنكر مع ذلك أن يكلم أهل البادية بما في سجيتها علمه، ولا ذوو اللب بما في مقدار إرادتهم فهمه، وإنما ينكر أن تكلم الحاضرة والمولدون من العرب بما لا يعرفون، وبما هم إلى تفسيره محتاجون، وأن تكلم العامة السخفاء، بما تكلم به الخاصة الأدباء، وإنما مثل من يكلم إنساناً بما لا يفهمه، وبما يحتاج إلى تفسيره له كمثل من كلم عربياً بالفارسية، لأن الكلام إنما وضع ليعرف به السامع مراد القائل، فإذا كلمه بما لا يعرفه فسواء عليه أكان ذلك بالعربية أم بغيرها؟ ! فما جرى في هذا الباب مجراه المعهود، وسلك به [سبيله المقصود، وأتى به]، طريقه المحمود له طويل أغرب فيه: "ولنا نعم همل أغفال، ما تبض ببلال

ووقير قليل الرسل كثير الرسل، أصابتها سنة حمراء مؤزلة ليس لها علل ولا نهل، فقال ﷺ: اللهم بارك له في محضها ومخضها ومذقها واحبس راعيها في الدثر ببائع الثمر، وافجر له للثمد، وبارك له في المال والولد" في كلام له طويل.

وكقول الآخر في بعض سؤاله: أيدالك الرجل امرأته يا رسول الله؟ فقال: نعم إذا كان مفرحا فهذا كلام من السائل والمسئول والقائل والمجيب حسن مأثور، لأنه مفهوم بين من يخاطب به، وإنما يستنكر من ذلك الموضوع غير موضعه، والمخاطب به غير أمله، كقول أبي علقمة النحوي، وقد عثر فسقط، فاجتمعت عليه العامة فقال: "ما بالكم تتكأكأون على كأنما تتكأكأون على ذي جنة فرنقعوا"، وكقول آخر من أهل زماننا: "كنت في عقابيل من علني فتلفعت بالعفشليل، فهذا وشبه منكر قبيح لا ينبغي أن يستعمله ذو عقل صحيح، فقد قال رسول الله ﷺ إياك والتشادق، وقال:

"أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون" وقال: "من بدأ جفا".

ومن أوصاف البلاغة أيضاً الشجع في موضعه، وعند سماحة القول به، وأن يكون في بعض الكلام لا في جميعه، فإن السجع في الكلام كمثل القافية في الشعر، وإن كانت القافية غير مستغنى عنها، والسجع مستغنى عنه، فأما أن يلزمه الإنسان في جميع قوله [ورسائله] وخطبه ومناقلاته فذلك جهل من فاعله، وعي من قائله، وقد رؤيت الكراهية في وجه رسول الله ﷺ وآله، فروى أن رجلاً سأله فقال: يا رسول الله: أرأيت من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس مثل ذلك يطل؟ قال. فقال: أسجع كسجع الجاهلية؟ ! وإنما أنكر رسول الله ﷺ وآله ذلك لأنه أتى بكلامه مسجوعاً كله، وتكلف فيه السجع تكلف الكهان، فأما إذا أتى به في بعض كلامه ومنطقه، ولم تكن القوافي مجتلبة متكفة، ولا متمحلة مستكرهة، وكان ذلك على سجة الإنسان وطبعه، فهو غير منكر ولا مكروه، بل قد أتى في الحديث: "فيقول "العبد: مالي مالي، وماله من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى، ومما تكلم به بعض أهل هذا العصر، فأتى بالسجع فيه محموداً، ومن الاستكراه بعيداً، قوله: "والحمد لله الذي ادخر المنة لك، فأخرها حتى كانت منك، فلم يسبقك أحد

إلى الإحسان [إلي]، ولم يحاضك أحد في الإنعام على، ولم تنقسم الأيادي شكري فهو لك عتيد، ولم تخلق المننن [وجهي] فهو لك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعاً حتى رعيته، وحقي مبخوساً حتى تضيته، ورفعت من ناظري بعد انخفاضه، وبسطت من أملي بعد انقباضه، فلست أعتد يدا إلا لك، ولا منة إلا منك، ولا أوجه رغبتي إلا إليك، ولا أتكل في أمري بعد الله ﷿ إلا عليك فصانك الله عن شكر من سواه، كما صنتني عن شكر من سواك".

ومما يباين هذا مما وضع غير موضعه قول صديق لنا في فصل رقعة له: "ورزقني عدلك، وصرف عني خذلك، وقوله أيضاً: "ولقد جلت عندي بأبي فلان المصيبة، وعظمت الشصيب"، وقول آخر في صدر رقعة: "أطال الله لي [بقاءك] خصيصاً، ولأوداتك فيصوصاً".

قال: ولقد شهدت مرة ابن التستري، وكان يتقعر في منطقه، ويطلب السجع في كتبه، ويستعمل الغريب في ألفاظه، ولقد لقي امرأة عجوز فقال لها: "خل عن سنن الطريق يا قحمة" فظنت أنه يقول لها: يا قحبة، فتعلقت به وصاحت: يا معشر المسلمين

نصراني يقول لمسلمة: يا قحبة؟ فأخذته الأيدي والنعال حتى كاد [أن] يتلف؛ ولو كان لزوم السجع في القول، والإعراب في اللفظ هما البلاغة لكان الله ﷿ أولى باستعمالها في كلامه الذي هو أفضل الكلام. ولكان النبي ﷺ والأئمة المهديون، (والسلف المتقدمون) قد استعملوها، ولزموا سبيلها، وسلكوا طريقهما، فاما ولسا واجدين مما في أيدينا من كلامهم استعمال السجع والغريب إلا في المواضع اليسيرة، فهم أولى بأن يقتدى بهم، ويحتذى بمناهجهم ممن قد نبت في هذا الوقت من هؤلاء الذين ليس معهم من البلاغة إلا إدعاؤها، ولا من الخطابة إلا التحلي باسمها.

ومما يزيد في حسن الخطابة وجلالة موقعها، جهارة الصوت، فإنه من أحد [أوصاف]، الخطباء، ولذلك قال الشاعر:

جهير الكلام جهير العطاسسريع النياط جهير النغم

وقال آخر:

إن صاح يوما حسبت الصخر منحدراًوالريح عاصفة والموج يلتعلم

وذم آخر بعض الخطباء بدقة الصوت وضآلته فقال:

ومن عجب الأيام أن قمت خاطباًوأنت ضئيل الصوت منتفخ السحر"
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ومن عجب الأيام أن قمت ناطقا»

وليس يلفت في الخطابة إلا حلاوة النغمة إذا كان الصوت جميلاً لأن حلاوة النغمة إنما تراد في التلحين والإنشاد دون غيرهما. وليس ينبغي للخطيب أن يحصر عند رمي الناس بأبصارهم إليه، ولا يعبأ بالكلام عند إقبالهم عليه، وقد روى أن عثمان - رضوان الله عليه - لما بويع له صعد المنبر، فحصر وأرتج عليه فقال: "أيها الناس إنكم إلى إمام عادل، أحوج منكم إلى إمام قائل" وإن أبا بكر وعمر - رضوان الله عليهما - كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وستأتيكم الخطبة على وجهها إن شاء الله". وأرتج على آخر - وقد صعد المنبر - فنزل وأنشأ يقول:

فإلا أكن فيكم خطيباً فإننيبسيفي إذ جد الوغي لخطيب
للشاعر ثابت قُطنة، اقرأ القصيدة

فكان يقال: لو قاله وهو على المنبر كان من أخطب الناس. وقد استعاذ الشاعر من الحصر والعي فقال:

أعذني رب من حصر وعيومن نفس أعالجها علاجا
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وينبغي له أن يتقي خيانة البديهة في أوقات الارتجال، ولا يغره انقياد القول له في بعض الأحوال، فيركب ذلك في سائر الأوقات، وعلى جميع الحالات، وإن وفق بانقياد القول له ومسامحته إياه فأتى بالبديهة عما يأتي به غيره بعد التروية، فذلك الخطيب الذي لا يعادله خطيب.

والأديب الذي لا يوازيه أديب، وبذلك وصف الشاعر بعضهم فقال:

قهر الأمور بديهة كرويةمن غيره وقريحة كتجارب

وأن يقل التنحنح والسعالن والعبث باللحية، فإن ذلك من دلائل العي، وفيه يقول الشاعر:

ومن الكبائر مقول متتعتعجم التنتحنح متعب مبهور
للشاعر بشر بن المعتمر، اقرأ القصيدة

ومما يدل [عندهم] أيضاً على الحصر وتصعب القول وشدته على القائم به العرق، قال الشاعر:

لله در عامر إذا نعلقفي حفل إملاك وفي تلك الحلق
ليس كقوم يعرفون بالسرقمن كل نضاح الذفاري بالعرق

ويروى أن يزيد بن عمر بن هبيرة تكلم بحضرة هشام فأحسن، فقال هشام: "ما مات من خلف هذا، قال الأبرش الكلبي:

"ليس هناك، أما ترى جبينه يرشح لضيق صدره؟ ! فقال [له] يزيد: ليس لذلك رشح، ولكن لقعودك في هذا الموضع، وكانوا يتعاطون سعة الأشداق وتبيين مخارج الحروف، ويمتدحون بذلك وبطول اللسان، ويعدونهما من آلات الخطابة، قال الشاعر:

تشادق حتى مال بالقول شدقهوكل خطيب - لا أباك - أشدق

وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال لحسان: ما بقي من لسانك؟ فأخرجه حتى ضرب بطرفه جبهته ثم قال: "والله ما يسرني به مقول من معد، والله لو وضعته على صخر لفلقه، أو على شعر لحقه".

وينبغي الخطيب ألا يستعمل في الأمر الكبر الكلام الفطير: الذي لم يخمره التدبر والتفكير، فيكون كما قال الشاعر:

وذي خطل في القول يحسب أنهمصيب وما يعرض له فهو قائله

بل يكون كما قال الآخر:

وقوف لدى اأمر الذي لم يبن لهويمضي إذا ماشك من كان ماضياً)

وأن يكون لسانه سالماً من العيوب التي تشين الألفاظ، فلا يكون ألثغ ولا فأفاء، ولا تمتأما، ولا ذا رنة، ولا ذا حبسة، ولا ذا لفف، فإن ذلك أجمع مما يذهب بهاء الكلام، ويهجن البلاغة وينتقص حلاوة النطق، وقد ذكر أن واصل بن عطاء كان قبيح اللثغة على الراء [وكان إلى المناقلات وارتجال الخطب لأهل نحلته، ومستحسني دعوته، فراض لسانه حتى أخرج الراء] من سائر منطقه، وخطب خطبة طويلة تدخل في عدة أوراق لم يلفظ فيها بالراء، فكان هذا مما يعد من فضائله وعجيب ما اجتمع فيه. ويروى أن زيد ابن على ﵇ خطب بعد خطبة خطبها الجمحي فأحسنها وأجادها، إلا أن الجمحي كان بأسنانه فلج شديد، فكان يصفر في كلامه، فلما تساوى كلامهما في الوزن وحسن النظم، وإصابة المعنى، وسلم زيد ابن على ﵇ من الصفير الذي كان في كلام الجمحي، فضل عليه، فقال عبد الله بن معاوية بن جعفر يصف خطبة زيد:

قلت قوادحها وتم عدبدهافله بذاك مزية لا تنك

فهذا جمل ما يحتاج إليه في الخطابة إذا كانت مسموعة.

الرسائل:

فأما الرسائل فهي مستغنية عن جهارة الصوت، وسلامة اللسان من العيوب، لأنها بالخط تنقل فتحتاج إلى أن يساعد حسنها حسن الحظ، فإن ذلك يزيد في بهائها ويقربها من قلب قارئها، والأصل في الخط أن تكون حروفه بينة قائمة، ومن الأشكال بعيدة سالمة، ثم إن كان مع صحته وبيانه حلواً حسناً، كان ذلك أزيد في وصفه، وألا يستعمل فيه التحنيف الذي يعميه إلا مع من جرت عادته بقراءة مثل ذلك، واستعماله كنحو ما جرت به عادة الكتاب في تعليق الميم، وإقامة الكاف، وتصيير شكلة عليها تفرق بينها وبين اللام، ومد الشين، وتصير شكلة عليها، أو بتنقيط ثلاث نقط من فوقها، فغن استعمال ذلك مع من قد جرت عادته باستعماله كاستعمال الغريب مع من يفهمه، واستعمال إقامة الحروف على حقائقها وأصول أشكالها، كاستعمال المعهود من الكلام المصطلح عليه مع سائر الناس، وألا يكثر مد الحروف التي لم تجر العادة بمدها، فإن أبا أيوب ﵀، كان يقول: المدة في غير موضعها لحن في الخط، وأن يتفقد قلبه بقطه وتسويته فإن ابا ايوب كان يقول: "القلم الردئ كالولد العاق" ومما يزيد الخط حسناً، ويمكن له في القلب، وضعاً شدة سواد المداد. وجودة الإفة الدراة، يجرى من الخط مجرى القطن من الثوب، [فمتى كان] القطن ردئ

الجوهر لم ينفع النساج حذقه، ووضع من الثوب سوء جوهره، وإن أحكم الصانع صنعته.

اختيار الرسول:

والذي يحتاج إليه المرسل في الرسول حتى يكون عند ذوي العقول ليبيا، ومن الصواب قريباً، أن يختاره حتى يكون أفضل من بحضرته في عقله وضبطه، وأدبه وعارضته، ودينه ومروءته، فقد كان يقال: ثلاثة تدل على أهلها: الهدية على المهدي، والرسول على المرسل والكتاب على الكاتب وكان يقال: رسول الرجل مكان رأيه، وكتابه مكان عقله، وكذلك جعل الله ﷿ رسله أفضل خلقه، وأخبر أنه اصطفاهم على العالمين، فقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وإنما وجب أن يختار العاقل رسوله، لأنه قد أقامه فيما يؤدبه عنه مقامه، فعليه أن يجعله يختار العاقل رسوله، لأنه قد أقامه فيما يؤدبه عنه مقامه، فعليه أن يجعله أفضل من بحضرته، وعلى الرسول [أن] يؤدي ما حمل كما قال الله ﷿ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ وكما قال: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وإنما وجب عليه البلاغ لأن الرسالة أمانة فعليه تأديتها، لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وليس للرسول أن يزيد في الرسالة، ولا أن ينقص منها، لأن ذلك خيانة للأمانة، إلا أن يكون المرسل قد فوض إليه أن يتكلم عنه بما يرى فقد قال الشاعر:

وإن كنت في حاجة مرسلاًفأرسل حكيماً ولا توصه

وإنما أمر بذلك لأن الحكيم إذا وصيته لم يتجاوز وصيتك، وإن

كان الرأي عنده خلافها، فربما ضرك ترك الأصوب عنده، وأتباع أمرك ولا لوم عليه في ذلك، وإذا فوضت إليه عمل بحكمته ورأيه.

وقد روى في هذا المعنى أن رسول الله ﷺ وجه أمير المؤمنين في بعض أموره، فقال له: "أكون يا رسول الله في الأمر إذا وجهتني كالسكة المحماة إذا وضعت للميسم، أو يرى الشاهد ما لا يرى الغائب؟ (فقال: "بل يرى الشاهد ما لا يرى الغائب") ففوض إليه لما [رأى منه خبراً] ووثق برأيه؛ وقال لغيره من سائر الناس: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها"، ولم يفوض إليهم لقلة ثقته بهم فعلى العاقل أن يستشعر هذا المعنى في رسله، فإذا أرسل من يثق بأمانته وعقله، فوض إليه أن يقول عنه ما يراه أولى بالصواب عنده، وإذا لم يكن بهذه المنزلة إلا أنه أفضل من يقدر عليه الوقت وصاه ألا يتجاوز قوله. وعليه أن يتخير من الرسل من لا تكون فيه العيوب التي نذكرها [أو بعضها] وهي:

الحدة:

فإن صاحبها ربما فقد عقله، وليس من الحزم أن يقيم الإنسان مقامه من يفقد عقله.

والحسد:

فإن صاحبه عدو نعم الله ﷿، ولا يحب أن يرى لك ولا لغيرك حالاً مستقيمة، ومتى رأى شيئاً من ذلك حمله حسده على أن يفسده.

والغفلة:

فإن صاحبها لا يضبط ما يحمله عنك، ولا ما يعود به إليك

والعجلة:

فإن صاحبها يضع الأشياء في غير مواضعها، ويسبق بها أوقات فرصتها.

وقد قيل: "رب عجلة كسبت ريثاً".

وقال الشاعر:

قد يدرك المتأني بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

والنميمة:

فإنها تفسد الإخاء، وتكدر الصفاء، ولا يتم معها أمر، ولا تنجح لمستعملها طلبة، لأن النبي ﷺ قال: "استعينوا على نجح حوائجكم بالكتمان"، فمن خالفه كان بعدم التوفيق جديراً، وبالحرمان حقيقاً.

والكذب:

فإنه بجانب الإيمان، وليس لكذوب رأي، وإذا اعتمد الإنسان في أمره على من يكذبه، كان في ذلك شينه وعطبه.

والضجر:

فليس للضجور صبر على حفظ [الأسرار في] رسالة، ولا تأذية امانة.

والعجب:

فإن صاحبه منه في غرور، وربما حمله عجبه على أن يخالفك فيما يضر بك وبه.

والهدر:

فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن أسقط لم يحفظ سر صاحبه

لوصف الأديب بلغ بإذن الله ﷿ مراده، وأمن ضرره وفساده؛ فهذه عمدة ما يحتاج إليه في اختيار الرسول، وإن اتفق المرسل مع ذلك أن يكون الرسول مقبول الصورة، حسن الاسم. كان ذلك زائداً في توفيق الله ﷿

وقد كان رسول الله ﷺ يسأل الوافد عن اسمه، فإن كان حسناً تفاءل به وأعجبه، وإذا كان مكروهاً غيره.

وعلى الذي تؤدي إليه الرسالة أن يستمعها، ولا يلوم الرسول إن أغلظ له فيها، فليس على (رسول الله ﷺ لوم لأنه مؤتمن، وإنما اللوم على المرسل إن كان) لوم، فإن أحب أن يقابله بمثل رسالته [فعل] فقد أباحه الله ﷿ ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإن أمسك وعفا فالعفو أقرب للتقوى، وأولى بالرأي عند ذوي الحجا.

الجدل والمجادلة:

وأما الجدل والمجادلة، فهما قول يقصد بهما إقامة الحجة فيما اختلف فيه اعتقاد المتجادلين، ويستعمل في المذاهب والديانات، وفي الحقوق والخصومات، وفي التساؤل والاعتذارات؛ ويدخل في الشعر وفي النثر، وهو منقسم قسمين:

وأبداه، وإن لم يكن ذلك مغزاه.

فإن سلم الرسول من هذه العيوب، وكان مع ذلك أديباً، أو مقارباً

أحدهما محمود، والآخر مذموم:

فأما المحمود، فهو الذي يقصد به الحق، ويستعمل فيه الصدق، وأما المذموم، فما أريد به المماراة والغلبة، وطلب به الرياء والسمعة، وقد جاء في القرآن والخبر مدح ما ذكرنا أنه محمود، وذم ما ذكرنا أنه مذموم، وقد أثر فيه قول الحكماء، وألفاظ الشعراء، فقال الله ﷿ ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقال: ﴿يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾، وقال إبراهيم ﵇: (وحاجه قومه، قال: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ وقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ وبذلك تعبد أنبياءه وصالحي عباده، فقال [﷿]: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقد أجمعت العلماء وذوو العقول من القدماء على تعظيم من أفصح عن حجته، وبين عن حقه، واستنقاص من عجز عن إيضاح حقه، وقصر عن القيام بحجته؛ ووصف الله ﷿ قريشاً بالبلاغة في الحجة، واللدد في الخصومة، فقال: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وقال: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً

عَلَى الْخَيْرِ﴾ وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. وذم من لا يقيم حجة، ولا يبين عن حقه في خصومة، وشبههم بالولدان والنسوان، فقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.

وقال الشاعر:

وإن امرأ يعيا بتبيين حقهإذا اعتركت عند الخصام القراحُ
لآِبائه إن كان في بيت قومهوللحَسَبِ المأثور عنهم لَفَاضِح

وأما ما جاء في ذم التعنت والمِراء، وطلب السمعة والرياء، وقصد الباطل، وركوب الهوى، فقول الله ﷿: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.

ووصف رسول الله ﷺ صديقا كان له في الجاهلية فقال: كان لا يشاري ولا يماري"، وقال: "من سمّع سمّع الله به"

وقال بعضهم: "المراء يفسد الإخاء" وأنشد:

فدع المِراء إذا نَطَقت فإنهيغري بك الأعداء والحسادا

وقيل: "دع المراء لقلة خيره". وقال أمير المؤمنين ﵇ لابن الكواء: "سل تفقهاً، ولا تسأل تعنتا".

وحق الجدل أن تبنى مقدماته بما يوافق الخصم عليه، وإن لم يكن نهاية الظهور للعقل، وليس هذا سبيل البحث، لأن حق الباحث أن يبني مقدماته بما هو أظهر الأشياء في نفسه، وأثبتها لعقله، لأن يطلب البرهان ويقصد لغاية التبيين والبيان، وألا يلتفت على إقرار مخالفه. فأما المجادل فلما كان قصد، إنما هو إلزام خصمه الحجة، كان أوكد الأشياء أن يلزمه إياها من قوله، وذلك مثل قول الله ﷿ لليهود لما أراد إلزامهم الحجة فيما حرموه على أنفسهم بغير أمر ربهم:

﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فجادلهم بكتابهم الذي يقرون بفرض ما فيه ووجوبه عليهم،

وأعلمهم أنهم إذا حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله ﷿ في كتابهم الذي هذه سبيله في وجوب التسليم، فقد ظلموا واعتدوا وهذا لازم لهم.

وقد قلنا: إن الجدل إنما يقع في العلة من بين سائر الأشياء المسئول عنها، وليس يجب على المسئول الجواب إلا بعد [أن] يستأذن في السؤال، فإن لم يأذن له في ذلك، وليس ينسب إلى انقطاع ولا محاجزة، فإن أذن له فقد لزمه الجواب، وإن قصر نسب إلى العجز. وطلب العلة يكون على وجهين: إما أن تطلبها وأنت لا تعلمها لتعلمها، وإما أن نطلبها وأنت تعلمها ليقر لك بها. وليس لك أن تجادل أحداً في حق يدعيه إلا بعد مسائلته عن العلة فيما ادعاه فيه، فإن كان علمك بعلته قد تقدم في شهرة مذهبه، فالأحواط أن تقره بما بني عليه أمره، لئلا يجحد بعض ما ينتحله أهل مذهبه إذا أوقف عليه الكلام، ويدعي أنه يخالفهم فيه، فإن أمنت منه ذلك فلا عليك أن تجادله وإن لم تقره بعلته.

واثنان لا يلزمك منهما سؤال، ولا يجب لهما عليك جواب:

أحدهما: من سألك عن العلة في شيء ادعيته فأخبرته بها، وهي مما يجوز أن يعلل ذلك الشيء بمثله فطالبك بعلة العلة، فمطالبته في ذلك غير لازمة، ومساءلته ساقطة، لأن ذلك يوجب [أن] يطالب لعلة العلة بعلة، ثم كذلك إلا ما لا نهاية.

والآخر من أراد مناقضتك في مذهبك، ولم ينصب لنفسه مذهباً يجب له عليك فيه بمخالفتك إياه المخاصمة، فليس تلزمك له حجة في ذلك،

ولا يجب له عليك فيه سؤال. ومثال ذلك أن رجلاً لو صار إلى بعض الأئمة والحكام برجل قد قتل رجلاً، أو أخذ ماله، وأقام البينة على ذلك، ثم لم يكن ولي الدم، ولا صاحب المال، ولا وكيلاً لأولياء الدم، أو لصاحب المال، فلم يكن للإمام ولا للحاكم أن يقيما حداً عليه، [أو يطالباه برد ما أخذ]، إذ كان الرافع له والمطالب بذلك فيه غير مستحق للمطالبة بما يجب عليه من الحكم.

والعلل علتان: قريبة وبعيدة.

فالقريبة: ما كان المعلول تاليها، والبعيدة ما كان بينه وبينها غيره وذلك كوالد الذي علته القريبة النكاح، وعلته البعيدة والداه، والعلل وجوه: منها اعتبارها فإن اطردت في معلوماتها صحت، وإن قصرت عن شيء من ذلك علم أنها غير صحيحة؛ ومثال ذلك أن الحركة لما كانت علة المتحرك، كان قولنا إذا سئلنا عن الجسم المتحرك: ما علة حركته؟ فقلنا حلول الحركة فيه قولاً صحيحاً، لأنه يطرد في معلوماته، ويوجد في كل جسم متحرك، فأما (إذا) سئلنا عن العلة في حركة الجسم فقلنا: لأنه جسم، كان ذلك باطلاً؛ لأنه قد تكون أجسام لا حركة فيها.

ومنها: أن تكون العلة في صحة الشيء هي العلة في بطلان ضده، إذا كان صداً لا واسطة له، وقد مضى تمثيل ذلك.

ومنها أن العلة في الشيء إذا كانت من اجتماع شيئين، أو أكثر من ذلك، لم تكن واجبة إذا انفرد بعض تلك الأشياء، مثل رجل أراد قلب حجر ثقيل فلم يطقه، فلما عاونه عليه غيره وتأيدت قواهما قلباه، (فليس العلة في استقلال أحدهما به)، لأن كل واحد منهما عاجز عنه إذا انفرد به، وإنما العلة اجتماعهما. ومن هذا المعنى يحتج للتواتر بأنه حجة، وإن كان كل واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب.

ومنها أن العلة إذا كانت مأخوذة مما يوافق الخصم فيه، فلا مطعن له، فيها، وذلك مثل قول موحد سأله مشّبه عن العلة في وقله: إن الله سبحانه ليس بجسم. فقال: لاجتماعنا على أنه ليس يشبهه شيء، فلو كان جسماً لكان مثل الأجسام في معنى الجسمية. وإذا كانت العلة مأخوذة مما يخالفك فيه الخصم، فليس يجوز أن تحتج عليه بها إلا بعد أن تعلمه أن علتك مأخوذة مما يخالفك فيه، وأنه لا سبيل إلى تعريفه صحتها إلا بعد أن تصح عنده المقدمات التي أوجبتها، وذلك كجواب موحد سأله ملحد عن العلة في إثبات الرسل، فليس يمكنه أن يبين ذلك إلا بعد أن يدل على البارئ - سبحانه - فإذا صح في نفس خصمه أنه موجود، وأقر له بذلك، ذكر العلة في الرسل، فأما قبل ذلك فلا سبيل له إلى إيجاده العلة في ذلك.

ومنها أن الجدل في العلة والسؤال عنها ماض في سائر ما تخالف فيه خصمك، فإذا صرت إلى ما يخالفك فيه فليس لك أن تسأل عن العلة، ولا أن تجادله فيها، لأنك حينئذ تكون مجادلاً لنفسك، اللهم إلا أن يكون سؤالك عن العلة في ذلك لتقريره بها، ثم تأخذه بطردها في شيء

- قد أتاه - وحكمه حكم ما وافقك عليه، وذلك مثل قولك لمن وافقك على إثبات الباري ﷿، وهو مجسم: ما علتك ودليلك اللذان أوجبت بهما وجود الباري ﷿؟ فيدل على ذلك بما تشاهده من تأليف الأجسام ووجودها بعد أن لم تكن، وتناهيا وتركيبها وآثار الصنعة فيها، فتكون علته في ذلك هي العلة في أن صانعها لا يشبهها ولا يكون مثلها، وأنه متى كان جسماً لزمه حكم الأجسام في الحاجة إلى صانع غيره (تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا).

ومنها أن المعارضة في الجدل صحيحة، وإن كان قوم قد أبوها، وقالوا إنها لا مسألة، ولا جواب، فليس الأمر كما ظنوا. والمعارضة هاهنا المقابلة، كما يقال: عارضت السلعة بمثلها. فإذا قابلت بين الأمرين والعلتين، وطالبت خصمك بأن يحكم للشيء بما توجبه العلة في نظيره، كان ذلك وابجاً، وقد عارض الله - سبحانه - من أبى البعث واستنكره مع إقراره بابتداء الخلق واختراعه، فقال:

﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.

فألزمهم ألا ينكروا إعادتهم بعد أن فقدوا مع إقرارهم بابتداء

الله إياهم [و] ما كانوا، وكل زيادة تقع في المسألة أو العلة من جنس المسألة، فليس ذلك بخروج عنها. فأما ما خالف معنى المسألة والعلة فهو خروج وتخليط.

وقد ذكر المتكلمون الخلاف والمناقضة، وكثيراً ما يستعملون بعض ذلك في موضع بعض، ونحن نبين كل واحد منهما، ونرمم فيه ما يعرف به الفرق بينه وبين الآخر، فيستعمل كل واحد منهما في موضعه.

فالمناقضة في اللغة: المفاعلة، من نقضت البناء والغزل وغيرهما، [فإذا] بنى الإنسان قوله على إثبات شيء لشيء بعينه ثم نفاه عنه، أو بنى قوله على نفي شيء عن شيء بعينه ثم أثبته له، فكأنه قد نقض ما بنى، واستحق اسم المناقضة، وإنما جعل ذلك على المفاعلة؛ لأن المجادلة لا تتم إلا بين اثنين. وإنما تقع المناقضة في الكلام إذا كان المخبر عنه واحداً والخبر واحداً، ولم تتشابه الأسماء والأخبار في لفظها مع اختلاف معانيها، وكان الزمان في القول واحداً والمكان واحداً، والنسبة في الاستطاعة والفعل واحدة، ثم اختلفا [في ذلك] بالإيجاب والنفي، فتلك المناقضة.

فأما إذا لم يكن المخبر عنه واحداً في الاسم كقولنا: زيد قائم، وعمرو غير قائم. فليس ذلك بمناقضة، [وإذا لم يكن الخبر واحداً في اللفظ كقولنا: زيد قائم وزيد غير قائم ليس ذلك مناقضة]، وإذا اتفقت الأسماء واختلفت معانيها كقولنا: "إسحاق مغن وإسحاق غير مغن"

ونحن نريد بإسحاق الأول الموصلي، وبالآخر الظاهري، فليس ذلك مناقضة، وإذا اشتبهت الأخبار واختلفت معانيها كقولنا: زيد أسود من عمرو (وليس زيد أسود من عمرو) ونحن نريد بأحدهما السؤدد، والآخر السواد [الذي هو ضد البياض] فليس ذلك مناقضة، فإذا اختلف الزمان في القول فقلنا: زيد قائم وزيد غير قائم، وأردنا أن زيداً قائم الساعة، وغير قائم في غد، فليس ذلك بمناقضة، وإذا اختلف المكان في ذلك وقلنا زيد خارج، وزيد غير خارج، وأردنا أنه خارج من داره وغير خارج من المدينة، فليس ذلك بمناقضة، وإذا اختلفت النسبة في الاستطاعة والفعل فقلنا: زيد كاتب، وزيد غير كاتب، ونحن نريد أنه يحسن الكتابة ويستطيعها متى أرادها، وهو غير كاتب بيده في حال الإخبار عنه، لم تكن ذلك مناقضة - فهي معنى المناقضة.

وأما الخلاف: فهو ما خالف [الشيء] الشيء فيه في بعض ما ذكرناه، ولم يجتمع له شروط المناقضة التي وصفناها، وأكثر ما وقع [من] الخلاف في الشرائع خاصة من جهة النسخ أو التشابه في الأسماء والأخبار،

أو من جهة الخصوص والعموم، أو من جهة الإجمال والتفسير، أو من جهة الرأي والتخيير، وقد ذكرنا ذلك بشرحه في كتاب "التعبد" بما أغنى عن إعادته، إلا أنا نذكر من ذلك جملاً تدل عليه.

أما "الاختلاف من جهة النسخ: فهو أن يكون الشيء محرماً ثم يحلل، أو محللاً ثم يحرم، أو مفروضاً ثم يترك، أو متروكاً ثم يفرض، فيعلم الأول قوم ولا يعلمون بالنسخ فيعملون بما علموا، أو يعرف النسخ آخرون، فيأخذون بما عرفوا، فيقع الخلاف بينهم من هذا الوجه، وذلك مثل المسح على الخفين، فإن الشيعة تزعم أنه منسوخ، والعامة ماضية على الأول، وك المتعة التي تزعم العامة أنها منسوخة، والشيعة ماضية فيها على الأمر الأول، وإنما خالف النسخ المناقضة لاختلاف الأوقات، فيها على الأمر الأول، وإنما خالف النسخ المناقضة لاختلاف الأوقات، وأن الوقت الذي حرم فيه الحلال غير الوقت الذي حلل فيه الحرام.

وأما الاختلاف من جهة التشابه في الأسماء أو الأخبار، فمثل تحريم المسكر، فإن قوماً حملوه على أنه الشراب الذي هذا نعته، فحرموا قليل النبيذ وكثيره، وقوم حملوه على أنه الجزء الذي يسكر دون غير، فأحلوا منه ما كانوا دون السكر، فوقع الاختلاف بينهم لاختلاف التأويل.

وأما "الخصوص والعموم" فهو أن يعم بالنهي جنس، ثم يخص نوع منه بالتحليل، أو يعم بالتحليل جنس، ويخص منه نوع بالتحريم

وذلك كتحليل الله ﷿ البيع جملة، واختصاص رسول الله ﷺ تحريم الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، والرطب بالتمر، وأشباه ذلك، وقد ذهب هذا التخصيص، على عبد الله بن عباس - رضوان الله عليه -، وكان يجيز بيع الدرهمين بالدرهم إذا كان نقداً فوقع الخلاف بينه وبين غيره من هذا الوجه.

وأما "الإجمال والتفسير" فكقوله ﷿:

﴿وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾. [ثم إنه فسر السبيل فقال: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا]. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وقد حمل الشراء أمر السبيل على ظاهر القرآن، وأبطلوا الرجم وكذلك قوله في تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب ومخلب، لأنهم أخذوا في ذلك بالجملة من قوله:

﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾. إلى آخر الآية، وذهب عنهم التفسير، فوقع الخلاف بينهم وبين الجماعة من هذا الوجه.

وأما الرأي: فهو أن ترد الحادثة على بعض العلماء ولا يكون عنده

فيها حكم لله ﷿ ولا سنة لرسوله ﷺ فيجهد رأيه، فيأخذ الناس ذلك عنه. ثم يبلغه الحكم في ذلك، فيدع رأيه ويرجع إلى ما يبلغه من حكم الله ورسوله، ويتمسك أتباعه بما جملوه عنه؛ لأنهم لا يعلمون برجوعه، ولذلك قال ابن مسعود:

"ويل للناس من زلة العالم، لأنه يجتهد رأيه، فيؤخذ [عنه] ثم يتبين له الصواب غير ما رأى فيرجع إليه، ويذهب الأتباع بما سمعوا، فيقع الخلاف من هذا الوجه".

وأما التخيير: فكالإقامة مثنى مثنى أو فرادى [فرادى]، وكتخيير الله ﷿ في كفارة اليمين في الطعام، أو الكسوة، أو تحرير رقبة.

فهذه جمل ما في الخلاف والمناقضة وهي تكفي وتغني إن شاء الله.

أدب الجدل:

فأما أدب الجدل فأن يجعل المجادل قصده الحق وبغيته الصواب، وألا تحمله قوة إن وجدها من نفسه، وصحة في تميزه وجودة خاطره، وحسن بديهته، وبأن عارضته، وثبات حجته على أن يسرع في إثبات الشيء ونقضه، ويسرع في الاحتجاج له ولضده، فإن ذلك مما يذهب بها علمه،

ويطفئ نور بهجته، وينسبه به أهل الدين والورع إلى الإلحاد، وقلة الأمانة، ولذلك أطرح الناس "الراوندي" ومن أشبهه على قوتهم في الجدل، وتمكنهم من النظر وليعلم أن عواقب إطلاق اللسان، وجنايات البيان على كثير من الناس كبيرة غير محمودة، ولذلك قال رسول الله ﷺ "ما أوتي امرؤ شراً من طلاقة اللسان". وأخذ أبو بكر رضوان الله عليه بطرف لسانه فقال: هذا أوردني الموارد".

وألا تسحره الكثرة والقلة فيما يطلبه من الحق فيقلد الأكثرين، [أو يريد التكبر عليهم] أو يريد التكثر بهم والترؤس عليهم بمتابعتهم. فإن الله - سبحانه - قد ذم الكثرة، ومدح القلة فقال - عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وألا يقلد الحكم الفاضل في كل ما يأتي به إذا كان غير مأمون منه الخطأ، فقد يخطئ العاقل ويصيب الجاهل، ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇ للحارث ابن حوط:

"يا حارث إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن

اعرف الحق تعرف أهله، وأن تخرج من قلبه التعصب للآباء، فإن الله يقول لهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ وأن يعتزل الهوى فيما يريد إصابة الحق فيه، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والانقياد لزخرفة القول، وظاهر رياء الخصم، فقد حذر الله ﷿ من هذه الطبقة على أيدي أنبيائه فقال:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.

وقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. وقال المسيح ﵇ في الإنجيل: ﴿احذَرُوا الكَذَبةَ الذين يَأتونكم بألسنة الحملاَنِ وقلوبِ الذئَابِ﴾. وألا يقبل من ذي قول مصيب فيه كل ما يأتي به لموضع ذلك الصواب الواحد، ولا يرد على ذي قول مخطئ فيه كل ما يأتي به لموضع ذلك الخطأ الواحد، بل لا يقبل قولاً إلا بحجة، ولا يريده إلا لعلة، فيكون في ذلك كالوزان الحاذق المتفقد لميزانه وصنجاته، فإن الخطأ في الرأي أعظم

[ضرراً] من الخطأ في الوزن، والا يجادل ويبحث في الأوقات التي يتغير فيها مزاجه ويخرج عن حد الاعتدال، لأن المزاج إذا زاد على [حد] الاعتدال في الحرارة كان معه العجلة، وقلة التوقف، وعدم الصبر، وسرعة الضجر، وإذا زاد في البرودة على حال الاعتدال أورث السهو والبلادة، وقلة الفطنة وإبطال الفهم. وقد قال جالينوس: "إن مزاج النفس تابع لمزاج البدن"، وأن يتجنب العجلة ويأخذ بالتثبت، فإن مع العجلة الزلل؛ وألا يستعمل اللجاج والمحك، فإن العصبية تغلب على مستعملها فتبعده عن الحق وتصده عنه، وألا يعجب برأيه، وما تسوله له نفسه حتى يفضي بذلك إلى نصائحه ويلقيه إلى أعدائه، فيصدفونه عن عيوبه ويجادلونه، ويقيمون الحجة عليه، فيعرف مقدار ما في يده إذا خولف فيه، فإن كان مجر بخلاء [يسر]. وإن لم يشعر برأيه، ولم يدر أنه في غرر من رأيه" كان بعيداً في نيل شفائه، وأن يتجنب الكذب في رأيه وخبره لأنه خلاف الحق، وإنما يريد بالجدال إثارة الحق واتباعه، وأن يتجنب الضجر وقلة الصبر، لأن عمدة الأمر في استخراج الغوامض وإثارة المعاني الصبر على التأمل والتفكير.

ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇: "منزلة الصبر من الإيمان منزلة الرأي من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له"، وأن يكون منصفاً غير مكابر، لأنه إنما يطلب الإنصاف من خصمه، ويقصده بقوله وحجته، فإذا طلب الإنصاف بغير الإنصاف فقد طلب الشيء بضده، وسلك فيه غير مسلكه، وأن يجتهد في تعلم اللغة، ويتمهر في العلم بأقسام العبادة فيها، فإنه إنما يتهيأ له بلوغ ما يقتضي الجدل بلوغه من: قسمة الأشياء إلى ما ينقسم إليه، وإعطاء كل قسم منها ما يجب له، والاحتراس من إشراك لأسماء واختلاط المعاني باللغة والمعرفة بها، وأن يتحرر من مغالطات المخالفين. ومشبهات المموهين، وأن يحلم عما يسمع من الأذى والنبز، ولا يشغب إذا شاغبه خصمه، ولا يرد عليه إذا أربى في كلامه، بل يستعمل الهدوء والوقار، ويقصد مع ذلك لوضع الحجة في موضعها، فإن ذلك أغلظ على خصمه من السب، وربما أراد الخصم باستعمال الشغب قطع خصمه، وأن يشغل خاطره عن إقامة حجته، فإذا أعرض المجادل عن ذلك ولم يتحرك له طبعه ولم يشغل ذهنه، وجمع مع قهر خصمه والاستظهار بالحجة عليه ظهور حلمه للناس، ومعرفة الحضور بوقاره ووفوره، ونقص خصمه وخفته، وأن يتجنب الجدل في المواضع التي يكثر فهيا التعصب لخصمه، فإنه لا يعدم فيها أجد شيئين: إما الغيظ فتقصر قريحته، [وإما] الحصر فيعيا بحجته، وألا يستصغر خصمه، ولا يتهاون به، وإن كان الخصم صغير المحل في الجدال، فقد يجوز أن يقع لمن لا يؤبه له الخاطر الذي [لا] يقع لمن هو فوقه في الصناعة، ولقد أوصى

القدماء بالاحتراس من العدو، وألا يستصغر صغير منه، والخصم عدو لأنه يجاهدك بلسانه، وهو أقطع سيفيه كما قال أردشير، وقد قال حسان [بن ثابت].

"لِسَاني وسَيفي صارِمان كِلاَهماويَبلغ ما لا يَبلغ السّيف مُذوَدِي
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لعمرو أبيك الخير يا شعث ما نبا»

وأن يصرف همته إلى حفظ النكت التي تمر في كلام خصمه، مما بنى منها مقدماته، وينتج فيها نتائجه، ويصحح ذلك في نفسه، ولا يشغل قلبه بتحفظ جميع كلام خصمه، فإنه متى اشتغل بذلك أضاع ما هو أحوج إليه منه، وألا يكلم خصمه وهو مقبل على غيره، أو مستشهد لمن حضر على قوله، فإن ذلك سوء عشرة، وقلة علم بأدب الجدل، وظهور حاجة إلى معونة من حضر له، وألا يجيب قبل فراغ السائل من سؤاله، ولا يبادره بالجواب قبل تدبره، واستعمال الروية فيه، وأن يعلم بعد هذا أنه لا يعد في المجادلين الحذاق حتى يكون بحسن بديهته، وجودة عارضته، وحلاوة منطقه قادراً على تصوير الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، متى شرع في ذلك، وأقام كل واحد منهما في [النفوس] مقام صاحبه، فقد وصف الشاعر بعض الجدليين بذلك فقال:

يسُرُّك مظلوماً وينجيك ظالماًويحمِل إن حَمَّلتَه كل مغرَمِ

وقال آخر:

ألا رب خصم ذي بيَان عَلَوتُهوإن كان ألوَي يغلبُ الحق باطله

ويستشعر [مع] هذا أن الأنفة من الانقياد للحق عجز، وأن الاعتراف به والتجرع له عز، فلا يمتنع من قبول الحق إذا وضع له، ولا يكون قصده في الجدل ألا يقطع، فإن من كان ذلك غرضه لم يزل في تنقل من مذاهبه وتلون في دينه، وإنما ينبغي له أن يعتقد من المذاهب ما قام البرهان عليه إن كان مما يقوم على مثله برهان أوضحت الحجة المقنعة فيه إن كان مما لا يوجد عليه برهان، ويناضل عن ذلك من ناضله، ويجادل من جادله، فإن وقع عليه خصم هو أحسن عارضة منه، وألحن بحجته، وقصر هو في عبارته عن إيضاح حقه لم يتصور له الحق الذي قد قام في نفسه بصورة الباطل إذ قصر هو عن حجته، ولا يسحره بيان خصمه، فيظن أن حقه قد بطل لما انقطع هو عن الزيادة عليه، بل يدع الكلام في الوقت إذا وقف عليه، ويعاود النظر بعد الفكر والتأمل، فإنه لا يعدم من نفسه إذا استنجدها ولاذ بها مخرجاً فيما قد نزل به إن شاء الله.

وليعلم مع هذا أن الانقطاع [ليس] بالسكوت فقط، والتقصير عن الجواب، لكن المكابرة وجحد الصورة، والخروج عن حد الإنصاف إلى اللجاجة والتنقل من مذهب إلى مذهب، وعلة إلى علة كله انقطاع، وهو أصبح عند ذوي العقول من السكوت.

وقد قال الشاعر:

XXXX في الجواب مُجادِلٌدل العقولَ على انقطاعٍ حاضرِ

وعلم أن السائر أشد استظهاراً من المجيب، لأن له أن يروي في المسألة قبل أغلالها، والمجيب في غفلة عما يريده السائل، فليس ينبغي المجيب أن يأذن في السؤال إلا بعد أن يعلم في أي معنى هو؟ فإن أحس من نفسه القوة على الجدال فيه، وإلا لم يأذن، وإذا أذن فيه [فقد] تضمن الجواب، فإن لم يجب فقد عجز، وإن أجاب فلم يقنع، أو وقف الكلام عليه فلم يرد، ولم يرجعه إلى قول خصمه فقد انقطع، وإذا استأذن السائل فأذن له فلم يسأل [فقد عجز وإن تبرع عليه بالإذن من غير أن يستأذن فإنه لم] ينسب إلى عجز ولا انقطاع، لأنه مخير في ذلك، والإقناع بالجواب الذي يوجب على السائل القبول، فإن لم يقبل ولم يرد فقد انقطع، وإن مال المجيب نحو قول السائل، ولم يكن ذلك اعتقاده فقد حاجز خوفاً من الانقطاع، وكذلك إن ادعى أن الجواب قد أقنعه [ثم] لم يرجع إليه، ويعتقد فقد حاجز خوف الانقطاع، وإذا أقنع المجيب السائل، فقد زال عنه ما انعقد عليه من تضمن الجواب، ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ من السائل والمجيب دون إظهار الحجة في تحقيق ما تجادلا فيه، وإبطاله من حيث تقر به النفس، فإن جحد اللسان انقطع، إما من الذي قصر عن الزيادة، أو من الذي نكل عن الجواب. والفلج في الجدل [إظهار الحجة] التي تقنع، والغالب هو المظهر لذلك.

ثم إن للمتكلمين من أهل هذه اللغة أوضاعاً ليست في كلام غيرهم مثل: الكيفية، والكمية، والمائية، والكمون، والتولد والجزء والطفرة [وأشباه ذلك] فمتى كان المتكلم غيرهم كان المتكلم بذلك مخطئاً، ومن الصواب بعيداً، ومتى خرج عنها في خطابهم كان في الصناعة مقصراً. وكذلك للمتقدمين من الفلاسفة والمنطقيين أوضاع متى استعملت مع متكلمي أهل هذا الدهر، وأهل هذه اللغة كان المستعمل لها ظالماً، وأشبه من كلام العامة بكلام الخاصة، والحاضرة بغريب أهل البادية. فمن ألفاظهم "السولوجسموس" والهيولي، والقاطاغورياس، وأشباه ذلك مما إذا خاطبنا به متكلمينا أوردنا على أسماعهم مالا يفهمونه إلا بعد أن تفسره، وكان ذلك عيا وسوء عبارة، ووضعا للأشياء في غير مواضعها، ومتى اضطرتنا حال إلى أن نكلمهم بهذه الأشياء، عبرنا لهم عن معانيها بألفاظ قد عهدوها وعرفوها فقلنا في مكان السولوجسموس: القرينة، وفي موضع الهيولي: المادة، وفي موضع القاطاغورياس: المقولات، وكذلك ما أشبهه من ألفاظ الفلاسفة.

وقد أتى في شعر من لابس الكلام والجدل وعاشر أهلهما من ألفاظ

المتكلمين ما استظرف لأنه خوطب به من يعلمه، وتكلم به من يفهمه فمن ذلك قول أبو نواس:

تأمل العينُ منهامحاسناً ليس تنفد
فبعضها يَتَنَاهىوبعضها يتزيد

وقوله:

تركت منى قليلامن القليل أقَلا
يكاد لا يتجزّاأقلّ في اللفظ مِن لا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من تمره عمدا»

وقول النظام:

أُفرِغَ من نور سمائيّمُصَوّر في جِسم إنسِي
وأفتقر الحُسنُ إلى حُسنهفَجل عن تحديد كيفي

فأما مخاطبة من لا يلابس الكلام، ويعرف أوضاع أهله بألفاظ المتكلمين، وأوضاع الجدليين، فهو جهل من قائله، وخطأ من فاعله، ويلحق ركبه في سوء البناء ما لحق من قال في بعض خطبه، في دار الخلافة: "ثم إن الله ﷿ بعد أن سوى الخلق وأنشأهم، ومكن لهم لاشاهم". وكما لحق الآخر حين خطب فقال: فأخرجه الله ﷿ من باب الليسية

إلى باب الأيسية، وعلى أن الطغام والعوام، ومن لا علم له بالكلام إذا سمعوا ألفاظاً لم يعهدوا، ولم يقفوا على معانيها ربما اعتقدوا في قائلها الكفر، واستحلوا دمه، ولذلك شهد بعض سفلة العوام على الخليل وأصحابه بالزندقة لما سمعهم يذكرون أجناس العروض، ويقطعون الشعر، فورد عليه من ذلك ما لم يفهمه، فظن أنه زندقة، حتى قال الخليل فيه:

لو كنت تَعَلمُ ما أقول عذرتنيأو كنت أجهل ما نقول؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
لكن جهِلتَ مقالتي فَعَذَلتنيِوعلمتُ أنك جاهل؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟

فهذا ما في باب الجدل، وأدب الجدل، وفيه بلاغ للمتميز العاقل إن شاء الله تعالى.

الحديث:

وأما الحديث فهو ما يجري من الناس في مخاطباتهم ومجالسهم ومناقلاتهم، وله وجوه كثيرة: فمنها الجد والهزل، والسخيف والجزل، والحسن، [والقبيح والملحون] والفصيح، والخطأ والصواب، والصدق والكذب، والنافع والضار والحق والباطل، والناقص والتام، والمردود والمقبول، والمهم والفضول، والبليغ والعمي.

فأما الجد: فإنه كل كلام أوجبه الرأي وصدر عنه، وقصد به قائله وضعه موضعه، وكان مما تدعو الحاجة إليه، وباستعمال ذلك وبالإمساك عما سواه أوصت الحكماء فقالوا:

"من علم أن كلامه من علمه قل كلامه إلا فيما يعنيه"، وقالوا: المغبون من مضى عمره في غير ما خلق له، "وقال الله ﷿: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾.

ووصف نبيه ﷺ فقال:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.

وأما الهزل: فما صدر عن الهوى، والناس في استعماله عن ضربين: أما الحكماء والعقلاء فاستعملوه في أوقات كلال أذهانهم، وتعب أفكارهم ليسجموا به أنفسهم، ويستدعوا به نشاطهم، ويروجوا به عن قلوبهم خوفاً من ملالها وكلالها وأمروا بذلك فقالوا:

أروحوا القلوب تعي الذكر، وقالوا: "روحوا عن القلوب فإن لها سآمة كسآمة الأبدان، وجاء أيضاً في الخبر: "روحوا قلوبكم ساعة بعد ساعة، فإن القلوب تمل" ومن قصد هذا بالهزل فالجد أراد، لأنه قصد المنفعة، وما يوجبه الرأي في سياسة نفسه وعقله، وإجمام فكره وقلبه، وقد كان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً. (وروي أن عجوزاً جاءت إلى النبي ﷺ وقالت يا رسول [الله]: إني

أدخل الجنة؟ فقال ﵇: العجائز لا يدخلون الجنة أراد ﵇ أنه لا تبقى المرأة في الجنة عجوزاً، بل تكون في سن أربعة عشر كما جاء في الخبر). وقال عمر في أمير المؤمنين ﵉ "هو والله لها لولا دعابة فيه. وقال الشعبي "وصلت بالعلم، ونلت بالملح وذلك لما عليه النفوس من استثقال الحق والجد، واستخفاف اللهو والهزل.

وأما السفهاء والجهال. فاستعملوه للخلاعة والمجون، ومتابعة الهوى، وذلك المذموم الذي قد عاب الله - سبحانه - مستعمله، ومدح المعرض عنه. فقال فيمن عابه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ وقال فيمن مدحه بالإعراض عن ذلك: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، وقد أوصت العلماء بتجنب هذا الفن من الهزل فقالوا: "إياك والمزاح، فإنه يجري عليك السفلة" وقالوا: "المزاح: السباب الأصغر". وقال أمير المؤمنين ﵇: "من أكثر من شيء عرف به، ومن كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به" وأما السخيف من الكلام: فهو كلام الرعاع والعوام الذين لم يتأدبوا، ولم يسمعوا كلام الأدباء ولا خالطوا الفصحاء، وذلك معيب عند ذوي العقول لا يرضاه لنفسه إلا مائق جهول، إلا أن الحكماء ربما استعملته في خطاب من لا يعرف

غيره طلباً لإفهامه، كما أنه ربما تكلف الإنسان لمن لم يحسن العربية بعض رطانة الأعاجم ليفهمه، فإذا جرى استعمال هذا اللفظ السخيف هذا المجرى، وغزى به هذا المغزى كان جائزاً، وللفظ السخيف موضع آخر لا يجوز أن يستعمل فيه غيره، وهو حكاية النوادر والمضاحك، وألفاظ السخفاء والسهاء، فإنه متى حكاها الإنسان على غير ما قالوا خرجت عن معنى ما أريد بها، وبردت عند مستمعها، وإذا حكاها كما سمعها وعلى لفظ قائلها وقعت موقعها، وبلغت غاية ما أريد بها، فلم يكن على حاكيها عيب في سخافة لفظها.

وأما الكلام الجزل: فهو كلام الخاصة والعلماء والعرب الفصحاء والكتاب الأدباء الذي قد تقدم وصفه في الشعر والخطابة، وليس شيء أعون على جزالة الكلام، وخروجه عن تحريف العوام من مجالسة الأدباء، ومعاشرة الفصحاء، وحفظ أشعار العرب ومناقلاتهم، والمختار من رسائل المولدين الأدباء ومكاتباتهم، ولذلك كانت ملوك بني أمية يخرجون أولادهم إلى البوادي لينشئوهم على الفصاحة، وجزالة الألفاظ، وله أيضاً علم الناس أولادهم الرسائل، ورووهم شعر القدماء، وحفظوهم القرآن، وأمروهم بتحقيقه، ورفع أصواتهم بالقراءة والإنشاد، ليعتادوا الكلام الجزل، وتتفتق به لهواتهم، وتذل به ألسنتهم، وتتشكل بتلك الأشكال ألفاظهم، فإن الخلق يأتي دون الخلق، والعادة كالطبيعة، ولا شيء أفسد للكلام، ولا أضر على المتكلم، ولا أعون على سخافة اللفظ من معاشرة أضداد من ذكرنا، وطول ملابستهم، واستماع قولهم، فينبغي لمن

أراد تجنب الكلام السخيف، ولزوم الجزل للشريف أن يتقي معاشرة من يفسد بمعاشرته بيانه. [كما ينبغي أن يلزم معاشرة من تصلح معاشرته لسانه].

وأما البليغ: فقد ذكرناه حين وصفنا البلاغة ما هي. وأتينا بأشياء مما حضرنا ذكره من القول البليغ الموجز، وأغنى ذلك عن إعادته.

والعي: ضد البلاغة، وهو مذموم من الرجال محمود في النساء، لأن العي والحصر، يجري منهن مجرى الحياء والخفر، ولذلك قال امرؤ القيس:

(فتور القيام قطيعُ الكلام تَفْتَر عن ذي غروب خصر)

وقال الآخر:

ليس يُستَحسن في وصف الهوىعاشقٌ يُحسِنُ تأليفَ الحُجَج

وقد يستحسن أيضاً الحصر والعي في المسألة، وعند [وصف] الفاقة والخلة، لأنهما يدلان على كرم الطبع والأنفة من حال المسألة، والتصون عن ذكر الخلة، وقد مدح الله - سبحانه - قوماً بمثل هذا فقال:

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.

وأما الحسن من الكلام: فهو كل ما كان في معالي الأمور ومحاسنها، وأحسنه الدعاء إلى الله، والأمر بالمعروف، وقد قال الله ﷿:

﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

ثم يتلوه كل ما كان من مكارم الأخلاق، فإن رسول الله ﷺ قال: "بُعِثتُ لأتمم مكارِمكم" وكل ما كان من دعاء إلى بر وتعطف، وإصلاح وتآلف، وخير يجتلب، وشر يجتنب. فهو من أحسن الكلام وجميله، ومما يستعمله أهل العقل والحكمة، ويثابرون عليه ولا يرون تركه، ولا السكوت عنه، لأن ترك استعمال الحسن قبيح، ورأي من أهمله غير صحيح.

والقبيح من الكلام: ما كان في سفساف الأمور وأراذلها كالنميمة والغيبة، والسعاية والكذب، وإذاعة السر، والنفاق والمكر والخديعة، فكل ذلك قبيح؛ لأنه مذموم الأخلاق ومعيب الأقوال، وقد قال رسول الله ﷺ: "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" وذم الله ﷿ النميمة فقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وقال عز من قائل في الغيبة: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وقال

عز وجل [في الكذب]: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وقال ﷿ في السعاية: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.

وقال في النفاق: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، وقال في المكر: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾.

وقال في إذاعة السر: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ [لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهم]﴾.

وقال في الخديعة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

فإذا أردت أن تنفي عن نفسك وقولك القبح فانظر ما استقبحته من فعل غيرك وقوله فتجنبه، فإنه القبيح، وما استحسنته منها فاتبعه فإنه الحسن، ولا تسامح نفسك بأن تستحسن منها ما مستقبحه من غيرك فقد قال الشاعر:

ابدأ بنفسِك فَانهَهَا عن عَيِّهافإذا انتهت عنه فأنت حَكيمُ

وأما الفصيح من الكلام: فهو ما وافق لغة العرب، ولم يخرج عما عليه أهل الأدب، ولتصحيح ذلك وضع النحو، ولجمعه وضعت الكتب في اللغة، وذكر المستعمل منها والشاذ والمهمل، وحق من نشأ في العرب أن يستعمل الاقتداء بلغتهم، ولا يخرج عن جملة ألفاظهم، ولا يقنع من نفسه بمخالفتهم فيخطئوه ويلحنوه.

واللحن: ما خالف اللغة العربية، وخرج عن استعمال أهلها وما بنى عليه إعرابها، وهو معيب عند الأدباء في الجملة وعلى من يأخذ نفسه بالإعراب، ويتكلم بالغريب من لغة الأعراب أعيب، ويروى أن عمر ﵁ كان يضرب على اللحن.

فأما العرب إذا لحن أحد منهم لقربه من الحاضرة، ونزوله على طريق السابلة سقطت عند أهل اللغة منزلته ورفضت لغته، وإنما يصح الإعراب لأحد رجلين: إما أعرابي بدوي قد نشأ حيث لا يسمع غير الفصاحة والإصابة، فيتكلم على حسب عادته وسجيتهن ومتى خوطب باللحن لم يفهمه مثل ما حكي عن رجل لبعض الأعراف، وقد سأله عن أهله كيف أهلك؟ فقال له الأعرابي "قتلاً بالسيف إن شاء الله" فظن الأعرابي أنه سأله كيف يموت؟ ولو قال له: كيف أهلك؟ لأجابه بجوابه، ويروى أن الوليد قال لرجل: من ختنك؟ قال: يهودي. فضحك منه فقال له: لعلك أردت من ختنك؟ فهو فلان ابن فلان، وإما المولد الذي قد تأدب ونظر في النحو واللغة، وأخذ بهما نفسه، ومرن عليهما لسانه، حتى صار ذلك عادة له. فأما لغيرهما فليس يصح إعراب، وربما اغتفر في دهرنا هذا اللحن للإنسان في كلامه لكثرة اللحن

في الناس، وأنه قد فشا وعظم وفسدت الفصاحة بمخالطة العرب الأعاجم، والأنباط وسائر الأجناس.

فأما في الكتاب فغير مغتفر له ذلك، لأن الطرف متكرر نظره فيه، وللروية تجول في إصلاحه، وليس كمثل الكلام الذي يجري على غير روية ولا فكرة.

وأما المواضع التي يجب أن يستعمل اللحن فيها ويتعمد له أكثره في أمثالها، ويكون ذلك مما يوجبه الرأي، فهو عند الرؤساء الذين يلحنون، والملوك الذين لا يعربون. فمن الرأي لذي العقل والحنكة، والحكمة والتجربة ألا تعرب بين أيديهم، وأن يدخل في اللحن مدخلهم، ولا يريهم أن له فضلاً عليهم. فإن الرئيس والملك لا يحب أن يرى أحداً من أتباعه فوقه، ومتى رأى أحداً منهم قد فضله في حال من الأحوال نافسه وعاداه، وأحب أن يضع منه، وفي عداوة الرؤساء والملوك لمن تحت أيديهم البوار، ومن ذلك ما يحكى عن بعض من تكلم في مجلس بعض الخلفاء الذين كانوا يلحنون، فلحن فعوتب على ذلك فقال: "لو كان الإعراب فضلاً لكان أمير المؤمنين إليه أسبق"، وسأل الوليد رجلاً عن سنيه فقال: "كم سنيك؟ " فقال "أربعين سنة" فقال: لحنت فقال: إنما اتبعتك فقال: "فكم سنوك" فقال أربعون سنة، وقد يستملح اللحن من الجواري، والإماء، وذوات الحداثة من النساء، لأنه يجري مجرى الغرارة فيهن وقلة التجربة، وفي ذلك يقول الشاعر:

وحديثُ ألَذُّه هو مماتشتهيه النفوس يوزنُ وزنا
منطِق صائب وتلحن أحياناًوأحلى الحديث ما كان لحناً

ولست أدري كيف صار اللحن عند هذا الشاعر خير الحديث، (وأحسن أحواله، وأن يغتفر لمستعمليه)، وأظنه أراد أملح الحديث، فاضطره الوزن إلى أن جعل في موضع ذلك خير الحديث، وقد تأول له بعض الناس فقال: إنما أراد باللحن الفطنة للمعاني، ومنه قول الرسول ﷺ "إنكم لتتحاكمون إلي فيكون أحدكم ألحن بحجته" يريد أفطن لها، وما أوتي في هذا التأويل بشيء، وقوله: "منطق صائب" قد أتى على إصابة المعنى فما وجه فطنتها لذلك أحياناً.

وأما الخطأ والصواب: فإن الصواب كل ما قصدت به شيئاً فأصبت المقصد فيه، ولم تعدل عنه، ومنه قيل: "سهم صائب" وأصبت الغرض، وصواب القول من ذلك مأخوذ. ويقال: "قول صائب" من صاب يصوب وهو صائب. مثل قال يقول فهو قائل، وقول مصيب من أصبت في القول أصيب إصابة، وأنا مصيب، والقول مصيب. كما تقول أردت الشيء أريده إرادة فأنا مريد، والقول المصيب هو ما أعطي المفعول فيه اسم الفاعل مثل "راحلة"، وإنما هي مرحولة، "وعيشة راضية" وإما هي مرضية، ومدح الله ﷿ الصواب فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. ومن الصواب أن يعرف أوقات الكلام، وأوقات السكوت، وأقدار الألفاظ، وأقدار المعاني، ومراتب القول، ومراتب المستمعين له، وحقوق المجالس وحقوق المخاطبات فيها، فيعطي كل شيء من ذلك حقه، ويضم كل شكل

منه إلى شكله، ويأتيه في وقته، وبحسب ما يوجبه الرأي له. فإنه متى أتى الإنسان بالكلام في وقته. أنجحت طلبته، وعظمت في الصواب منزلته، ولذلك ترى من له الحاجة إلى الرئيس يرقب لها وقتاً يرى فيه نشيطاً فيكلمه (في حاجته، فيكون يسير القول منه في ذلك القول، منجحاً، ومتى عجل كلمته) وهو ضيق الصدر أو مشغولاً ببعض الأمر، كان ذلك سبب حرمانه، وتعذر قضاء حاجته. وارتقاب الأوقات التي تصلح للقول، وانتهاز الفرصة فيها إذا أمكنت من أكثر أسباب الصواب، وأوضح طرقه، ثم متى سكت عن الكلام في الأوقات التي يجب أن يتكلم لحقه من الضرر بترك انتهاز الفرصة [فيها] مثل ما يلحقه من ضرر الكلام في غير وقته، ول لك قال أمير المؤمنين ﵇: "انتهزوا الفرص فإنها تمر كمر السحاب"، وللسكوت أوقات هو فيها أمثل من الكلام، وأصوب ما فيها السكوت عن جواب الأحمق، والهازل، والمتعنت، وفي ذلك يقول الشاعر:

وأصْمُتُ عن جوابِ الجَهل جُهديوبعض الصّمتِ أبلغُ في الجوابِ

وقال بعضهم "رب سكوت أبلغ من منطق".

ومنها السكوت عن مقابلة السفيه على سفهه، واللئيم على ما ينالك به، والتصون عن إجابتهما، والحلم عما يبدر منهما، وقد مدح الله ﷿ الحلم فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وسمي نفسه الحليم وقال الشاعر:

ولم أرَ مثل الحِلم زَينا لصاحبٍولا صاحباً للمرء شراً من الجهلِ

وقال الله ﷿ في وصف المؤمنين وتنزههم عن مقابلة الجاهلين:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾.

وقال ﷿:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.

وقال الشاعر:

مُتارَكَةُ اللئِيم بلا جوابٍأشدّ على اللئيمِ من الجوابِ
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

فقد أسَمع القولَ الذي كادَ كلّماتذكرته بالنفسُ قلبي يُصدع
فأبدي لمن أبداه منّي بشاشَةًوإني لمسرور بما منه أسَمعُ
وما ذاك من عُجب بهِ غير أننيأرى أن ترك الشرِّ للشرِّ أقطعُ

والحلم إنما هو عن نظيرك، أو من هو دونك. فأما من هو فوقك ومسلط عليك، فليس يسمى السكوت عن مقابلته حلماً، بل هو بباب التقية أشبه، وبالمداراة أليق، وبذلك أوصى الشاعر حين يقول:

بُنيّ إذا ما ساَمَك الذُّل قادرٌعليك فإن الذلَ أحرى وأحرزُ
ولا خير في كلّ الأمور تَعَزُّزاًفقد يورثُ الذل الطويل التعززُ

ومما يستحسنه الأدباء، ويراه صواباً كثير من العلماء: الحلم عن النظير ومن هو دون النظير، لأنه يبين عن فضل الإنسان في نفسه، ويرفعه عن مقابلة من جهل عليه، ووضع نفسه لأذيته، وقد قيل: "من عاجل نفع الحلم كثرة أعوان الحليم على الجاهل، والتقية والمداراة للسلطان والرئيس لدفع المرهوب من جهتهم، واجتذاب المحبوب منهم، ومقابلة من يرى نفسه فوقك، ويتوهم أن إمساكك عنه خوفاً منه، فيجترئ عليك بحلمك عنه، ويكون سكوتك عنه زيادة فيما ينوبك منه، ولذلك قال الله ﷿:

﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. وقال: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.

وإنما كان الصواب في مقابلة من هذه حالته، لأن في مقابلته قطعاً لمادة أذيته، وردعاً له عن معاداته بمثل فعله، وقد قال الشاعر:

وإذا كُنت عِند الحِلم تزداد جُرأةًعليَّ وعند العفوِ والصفح يَجهلُ
ردعتُك عنيّ بالتجاهُلِ والخَنَافإنهما عندي مِثلِك أمثلُ

وقول الآخر:

ألا لا يجهَلن أحدٌ علينافنجهلَ فوقَ جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وأما أقدار الألفاظ، وأقدار المعاني، فهو أن يأتي المعنى فيما يليق به من اللفظ، وقد مضى الكلام فيه بما أغنى عن إعادته، وأما مراتب القول، ومراتب المستمعين له. فهو حسن التلطف فيه، والإتيان به على تقدير وتمرين لسامعه، وحسن حيلة في إيراد ما يقبل عليه وتجنيبه ما ينكره، وألا يهجر منه عليه بما يغضبه، أو لا يحتمله قلبه، ولا يسعه صدره، ولا يليق به قبوله، ثم يزيده شيئاً بعد شيء حتى يبلغ به أقصى مراده منه، فيكون في ذلك مثل المربي للصبي، فإنه متى هجم عليه بالغذاء من أول مرة قتله، ولكنه يسقيه اللبن ثم ينقله في الغذاء من حال لطيفة إلى ما هو فوقها حتى يكمل تربيته. أو كالطبيب الحاذق الذي إذا رأى العليل يكره الدواء ويمتنع من أخذه، لطف له واحتال في إقامة شيء مكان شيء، وخلط ما يستبشع طعمه بما يذهب ببشاعته، والتدبير لذلك حتى يسهل عليه أخذه، ويبلغ مراده من فقهه ولذلك بدأ الرسول ﷺ في أول النذارة بالدعاء إلى التوحيد بشهادة الإخلاص، فنظر ثم لم يزل يزيدهم فريضة بعد فريضة، وأمراً بعد أمر إلى أن أكمل لهم الدين، وانتهى في ذلك، ولو هجم به عليهم في أول وهلة لاستثقلوه ورفضوه، وخالفون ولم يقبلوه، فينبغي للعامل أن يكون بصيراً يترتب قوله، عالماً بمراتب المستمعين له في قبوله، فلا يأتيهم منه بما ينافر طبائعهم، ويكون سبباً إلى إعراضهم، ثم لا يزال يلطف لهم في ذلك ويرقيهم في حال إلى حال فيه، حتى يبلغ بهم مقصده، فإن ذلك

أصوب في الرأي، وأولى بالقبول.

وقد أوصى بعض حكماء العرب بنحو ما قلناه فقال: "أعلم أنه لا يتهيأ لك نقل رجل عن طريقته بالمناقضة والمكابرة، ولا سيما إذا كان ذا سلطان أو ذا نخوة، ولكنك تقد أن تعينه على رأيه، وتنبهه على إحسانه، وتقربه من قلبه، فإنك إذا قربت منه المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوي، وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصره الخطأ بألطف من تبصيرك، وأعدل من قضيتك، لأن الصواب يؤيد بعضه بعضا، يدعو بعضهم إلى بعض. وإنما حقوق المجالس وحقوق القول فيها، فإن مجالس السلطان مخالفة لمجالس الرعية، ومجالس العلماء مخالفة لمجالس الجهال، ومجالس الجد مخالفة لمجالس الهزل، فحق العاقل أن يعظم مجالس السلطان والعلماء فلا يأتي فيهما مخالفة بشيء من الخنا، ولا الهزل ولا اللهو إلا أن يشاء السلطان ذلك منه، فيأتي ما يأتي ذلك عن إذنه وطاعة لأمره وتحسب ما يحتمله نشاطه من غير زيادة على ما يخرج به عن حد الخلاف عليه، والعصيان لأمره، ولا يملي لنفسه مع ذلك في الاسترسال، والجري على عادة النفس في الإهمال، وأن يكون في مجلس السلطان بين ثلاثة أحوال:

إما أن يكون منصتاً، أو معظماً لحقه عن الابتداء بالكلام في مجلسه، أو مجيباً عما يسأل عنه، من غير دخول في جواب مسألة لغيره، أو منهياً نصحه إليه فيما أصلح ملكه ورعيته من غير أن يشوب النصح بالسعاية، أو يخلط المشورة بالنميمة، والتحميل على الرعية، فالتوقير للرؤساء والأئمة مما قد أمر الله سبحانه به حيث يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

والنصيحة للأئمة واجبة، فقد روى جرير أنه بايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصيحة، وروي عن رسول الله ﷺ "إن الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين".

والسعاية والنميمة وتحميل السلطان على الرعية مذموماً عند الحكماء وقد روي أن أفلاطون أعرض عن أرسطاطاليس لشيء بلغه عنه، فسأله عن سبب إعراضه، فقال شيء بلغنيه الثقة عنك، فقال: "الثقة لا يكون تملقاً".

وروي أن رجلاً سعى إلى الإسكندر ببعض أصحابه، فقال: إن أردت أن أقبل قولك فيه على أن أقبل قوله فيك فعلت، وإلا بدع الشر يدعك.

وإن يكون في مجلس العلماء في أحد ثلاثة أحوال: إما سائل متعلم، أو منصت متفهم، أو مذاكر بالعلم للمتعلم. فقد روي: كن عالماً أو متعلماً أو منصتاً ولا تكن الرابع فتهلك وأن يوقر العلماء، ويتملقهم، فقد روي

في بعض الحديث: "ليس الملق في أخلاق المؤمن إلا في طلب العلم".

وروي عن أمير المؤمنين ﵇: "حق العالم ألا تكثر عليه السؤال حتى تضجره، وألا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت على قوم فسلم عليهم جميعاً وخصه بالتحية، واجلس بين يديه، ولا تغمز بعينك، ولا تشر بيدك إلى مجلسه، ولا تكثر من قول قال فلان وقال فلان خلافاً عليه، ولا تضجر بصحبته". وذكرنا في الحديث وأن يكون في مجلس الجد جاداً في منطقه، وقوله، غير مهجن بكلامه ونفسه باستعمال الهزل والإضافة فيه، فقد قيل: لا تخلط الجد بالهزل فيسخفه، ولا تخلط الهزل بالجد فيكدره. وإن اضطرته حال إلى مجالسة السفهاء وأهل الهزل فليكن بينهم متسلماً، وعن جملتهم خارجاً، ولما هم فيه نافياً، وعنه بسمعة معرضاً، وليكن في استعمال ما لا إثم فيه من المرح والهزل، وما لا يسقط مروءة ولا يثلم ديناً ولا جاهاً، قاصداً إلى ترويح قلبه وإجمامه لمعاودة ما فيه نفعه، فقد روي أن في حكمة داود: على العاقل ما لم يكن مغلوباً على أمره أن يجعل نهاره أربع ساعات: فساعة يناجي بها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي بها إلى إخوانه الذين ينصحون له ويصدفونه عن عيوبه، وساعة يخلي بين نفسه فيها وبين شهواته ولذاته

فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة له عوناً على هذه الساعات.

وأما مجالس السوقة فليس يخلو من عاش بينهم من حضورها ولابد للإنسان من ملابستهم فيها، فحق العاقل الا يلقاهم بكل رأيه، ولا بجميع عقله فيها، وأن يستعمل في مخاطبتهم ومعاملتهم بعض المقاربة لأحوالهم، فإن ذلك أولى بسياستهم. وقد روي أن عمر ﵁ صرف زياداً عن بعض عمله، فقال له: الذنب كان صرفك إياي؟ ! فقال: لا، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على العامة.

وقد فسر هذا المعنى بعضهم، والناس في أشكالهم أمثل. وربما كان التغابي من الإنسان للعوام، والتغاضي لهم في الأمور العظام، أحد الطرق المستقيمة إلى بلوغ المراد منهم، لأنهم متى تصوروا الإنسان صورة من هو أعلى في الفهم والضبط منهم حذروه، واستعملوا الاحتراس منه فيما ينبغي أن يحترس منه فيما لا ينبغي، واستشعروا فيه في جميع أمره الحيلة عليهم، فاستدت الطرق بذلك على معاملهم في بلوغ مراده منهم، وإذا كان عندهم مساوياً لهم في العقل والحيلة والتجربة والرجلة استرسلوا إليه، وعاملوه بمثل معاملة بعضهم لبعض، فلا بأس أن يتغابى العاقل لهم، وأن يظهر ما يستديم به أنسهم واسترسالهم، ولا يفتح باستعمال غيره باب التقبض والاحتشام بينه وبينهم من غير أن يزيد في ذلك على مقار ما توجبه السياسة، فإنهم متى اجترأوا عليه وطمعوا فيه لحقه من الضرر بذلك أكثر مما يلحقه بانقباضهم عنه. وقد أمر معاوية عمراً حين أرسله للحكومة هذا الذي ذكرناه بعينه

فقال: "قد وجهتك إلى رجل قريب الغور، فلا تلقه بكل عقلك، وأجد الحز، وأصب المفصل"، ولولا مقاربة عمرو لأبي موسى وتخادعه له لما تم له ما يريد منه، وينبغي أن يجعل وكده وكده مداراتهم على طبقاتهم، وإعطاء كل صنف منهم من القول ما يرضيه، فإن العاقل من دارى أهل زمانه وقد قال رسول الله ﷺ: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس". فإن أمكنك ذلك باستعمال الحق في بعض، والمعارضة في البعض، فقد ظفرت بما إليه أجزت الحكماء، وقصدت العلماء، وإن لم تظفر بذلك لاختلاف جبلات الناس، وأن اجتماعهم على الرضا بالشيء من الأمور العسرة الوجود، فليكن وكدك مداراة خواصهم، وأهل العقل منهم، فإن لكل قوم رؤساء وأفاضل والمرؤوسون أتباع الرؤساء، والمفضولون تبع للفاضلين، فإذا حزت رضا الرؤساء والنظراء، فإنك قد حزت رضا الجميع.

وأما الخطأ: فهو ضد الصواب ومعناه العدول عن المقصد من غير تعمد وإنما الفرق بين الخطأ والجور، وإن كانا جميعاً عدولاً عن الطريق المقصود والسبيل المسلوك، أن الخطأ إنما هو عدول عن الطريق بغير قصد، والخاطئ اسم الفاعل من خطئ يخطأ خطأ مثل عمل يعمل عملاً وهو عامل، وقال للشاعر في خطئي.

والناسُ يَلحَونَ الأميرَ إذا همُخطِئُوا الصوابَ ولا يلامُ المُرشِدُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «والناس يلحون الأمير إذا هم»

والمخطئ: اسم فاعل من أخطأ يخطئ وهو مخطئ مثل أكرم يكرم وهو مكرم، والذي ذمه الله ﷿ فقال: ﴿لا يَاكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾. فهو المأخوذ من الخطيئة لا من الخطأ الذي هو السهو، ولذلك أمر الله عباده أن يسألوه ألا يؤاخذهم بالخطأ الذي من جهة الخطيئة، لأنه قد وضع عنهم ما لا يعتمدنه. وكل ما قلناه من الصواب فإن الخطأ في ضده.

وأما الصدق والكذب: فقد ذكرناهما فيما تقدم من كتابنا هذا، وكذلك الحق والباطل، وقد أمر الله ﷿ باستعمال الحق والصدق، ووصف نفسه بهما فقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ وحديثاً ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾. وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ و ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ولو لم يكن في شرف الحق والصدق إلا أن جميع الأمم على كثرتها واختلاف طبائعها وهمتها تمدحهما، وسائر الناس إنما يقصدون بقولهم وفعلهم إصابتهما، فلا ترى أحداً إلا وهو [يحرص] أن يصدق في قوله، وأن يصيب الحق اعتقاده وفعله، حتى إن الكاذب إنما يكذب ليصدق على كذبه، فطلب الصدق قصده، ونيله بغيته، والمبطل إنما يقصد الحق فيخطئ في الوصول إليه، وطلب الحق قصده، وإن كان من المموهين على الناس، فإنما يزخرف لهم باطله حتى يقيمه مقام الحق الذي يقبل ويعمل به، وكفى بهذا فضيلة للحق والصدق، ولمن عرف بهما، ونسب إليهما، فإن الصادق المحق عظيم

المنزلة عند الله ﷿ وعند خلقه، والكاذب المبطل ساقط المحل عند الله ﷿ وعند خلقه. فالعاقل حري بلزوم شرف المنزلتين، وطلب أعلى الدرجتين إن شاء الله. ولما علم سبحانه أن الباطل والكذب قرينان مع طبائع كثير من عباده، ملائمان لشهواتهم، مطابقان لمداراتهم، وكان طول استماع الكذب ومعاشرة أهله مخوفين على إطلاق الناس، خليقين بأن يصيرا إعادة لهم على طول الملابسة نهى الله - سبحانه - عن القعود مع المبطلين كما نهى عن الخوض في الباطل وذم مستمعي الكذب، كما ذم الكاذبين فقال ﷿: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقال في ذم قوم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.

وكقول الشاعر:

فسامعُ القول كمن قالهومُعظِم المأكول كالآكل

وإنما أمر الله ﷿ الحكماء بذلك لما قدمناه من الاحتياط على الناس لئلا يصير ذلك عادة لهم، ولأن استماع الكذب، والصبر على معاشرة المبطلين على باطلهم رضا بذلك، ومن رضي بالباطل فهو مبطل، ومن قنع بالكذب فهو كاذب، [فعليه أن يتجنبهم] ويهرب من استماع كذبهم وباطلهم ما أمكنه ذلك، فإن اضطرته نفسه إلى حضور ذلك أو استماعه صدف عنه، ولم يرعه سمعه وكان كالغائب عنه، فإن ذلك أولى به في إصلاح أخلاقه وتأديب نفسه.

وأما النافع والضار: فإن النافع من الحديث ما كانت عواقب القول فيه

والاستماع له، والعمل عليه مفضية بسامعه إلى نفع عاجل أو آجل. والضار: ضد ذلك. فمن النافع طلب الحوائج، ومنه الشكر المنعم، ومنه حفظ السر، ومنه معاقبة المذنب، ومنه معاتبة المتنصل من الذنب، ومنه السؤدد، ومنه الأخذ بشهود الحديث في حكايته.

والطلب ينقسم أربعة أقسام: دعاء، ومسألة، وطلب، وأمر.

فالدعاء لله وحده قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.

والمسألة قد تكون لله ﷿، وقد تكون لمن هو فوقك من الرؤساء والمديرين. وفي المسألة لله ﷿ يقول الله ﷿ ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.

والطلب من النظير، ومن هو دون النظير، والأمر لمن هو دونك. فحق العاقل أن يدعو الله ﷿ بحوائجه، ويرغب إليه في أموره، وأن يعلم أن الخير والشر في خزائنه، وتحت قدرته وملكه، وأنه لا يملك ذلك أحد إلا بإذنه، فيكون دعاؤه إياه بالإخلاص والإخبات والتضرع كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وكما قال في وصف أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، وأن يقدم قبل الدعاء التحميد والتمجيد والثناء على الله سبحانه، فإن المدح قبل المسألة. وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ في حديث مشهور، وأن يعلم أن الدعاء هو العبادة الكبرى.

ولذلك قال الله ﷿: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ فإن من دعا ربه، فقد أطاع أمره، وعرف قدره لأن الله سبحانه بذلك أمره حيث يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. قال قائل: فإذا كان الله ﷿ قد قدر الأشياء تقديراً واحداً، وعلم ما يكون منها، وكان غير جائز أن يقع شيء بخلاف ما علم منه، فما معنى الدعاء؟ ! وقد فرغ الله ﷿ مما يدعو فيه. قلنا: لو كانت الأشياء السابقة في علم الله محتومة كلها لكان ما قلت، ولم يكن لدعاء موقع، ولا للاستجابة موضع، لكن الله تعالى علمين: أحدهما محتوم، والآخر موقوف على شرط، وبذلك نطق كتابة، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، والمحتوم لا يتأخر عن وقته، كما قال سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، والآخر الموقوف على الشرط هو الذي يدفع مكروهه بالدعاء والصدقة والبر، ويغير مرجوه بمثل ذلك، وبالإنابة والتوبة، وهو الذي يقول [فيه] الله ﷿: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وفيه يقول: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ومثله مما قد قص علينا في القرآن قوله: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

وكانت مكتوبة في سابق علمه لهم على شرط، وهو أن يطيعوه في دخولها، فلما عصوه حرمها عليهم. وقد تواترت الأخبار بأن الصدقة ترد القضاء، وأن برد الوالدين يزيد في العمر، وأشباه هذا. وإنما ذلك فيما هو من علم الله سبحانه معلق بشرط عنده، وقد ذكرنا هذا في كتاب الإيضاح عند ذكرنا لله ﷿ فيه من المشيئة بما أغنى عن إعادته. ولعل من لم يقو تمييزه، ويكمل عقله يسوء بربه - سبحانه - إذا دعاه فلم يستجب له، ويتوهم أن ذلك بخلف وقع من الله - سبحانه - في وعده، أو تهاون بدعاء عبده، وليس الأمر كذلك، لكن هاهنا سر في الدعاء فيه تنبيه لكثير من الناس على رشدهم، وهو أن كل أحد مجبول على أن يهيئ لنفسه أعلى المنازل وأشرف المراتب، فهو لا يسأل الله تعالى إلا على قدر تمنيه وشهوته، ولو أعطى الله ﷿ كل أحد ما يشاء كان الناس جميعاً على أعلى طبقة، وأشرف منزلة، ولو صار الناس على هذا يوماً واحداً لاستغنى بعضهم عن بعض، ولو استغنى بعضهم عن بعض ما ترافدوا ولا تعاونوا، ولو لم يترافدوا ويتعاونوا لبطلت الحكمة في سياستهم، ودخل الخلل والإضاعة على جماعتهم، لأن الصناع والتجار والمهان كانوا يصرفون عن صنائعهم وتجاراتهم ومهنهم ويستغنون عنها، فيبقى كل واحد من الناس بغير معين، وإذا لحق ذلك كل واحد منهم دخل عليه من الضرر في نفسه وأهله وماله وولده ما لا بقاء معه، ولا صلاح بمده، فإذا دعوت الله سبحانه فاعلم أنك تدعو حكيماً يسوس الخلق، ويدبرهم بحكمته، والحكيم لا يعطيك في نفسك، وأنت جزء

من خلقه ما ينتقض به تدبيره في سار خلقه، ويفسد به سياسته في جميع ملكه، لكنه يستجيب لك فيما ينفعك ولا يضر غيرك، فإذا منعك فإنما يمنعك ما تفسد به تدابير لكل الذي أنت جزء منه، كمنعه إياك لنفعك إذا كان حكم الجزء تابعاً لحكم الكل.

وأما السؤال فينبغي أن يكون لله ﷿ بالتذلل والاستكانة، وللناس بالتعفف والقناعة، ومجانية التذلل والضراعة، فقد روي أن بعض الحكماء سئل عما يقرب العبد من الله ﷿ وما يقرب من الناس فقال: أما ما يقربك من الله ﷿ فأن تسله وأما ما يقربك من الناس فألا تسلهم.

وروي أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أن يعلمه عملاً يدخله الجنة، فقال: "لا تسأل الناس شيئاً، فإذا أردت حاجة من الله ﷿ فاسأله إياها فيما بينك وبينه، وأخلص النية له، وتطهر من الذنوب الموبقة بالتوبة والاستغفار، فإن سميع الدعاء فعال لما يريد". واستشعر الإجابة فيما عرفناك، فاشكره ولا تتهمه إن منعك وحماك. وإذا أردت حاجة من المخلوقين فمثل في نفسك عز الغنى وذل الحاجة، وما تريقة من ماء وجهك في المسألة، ثم انظر فإن كان لك مندوحة عن تلك الحاجة تكرمت عنها، وعزفت عن التذلل للمسألة فيها، وإن وجدت الحال يضطرك إليها عملت في مسألة من لا تعرك مسألته ولا يخلقك بذل له من رئيس مسلط منبسط اليد، أو رجل معروف بالإسعاف والتكرم، والسماحة والتذمم، وأتيت ما تأتيه من ذلك

على سبيل تعفف وتجمل، فقد وصف الله ﷿ قوماً بذلك فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ واعلم أن السؤال وإن قل ثمن كل نوال وإن جل - كما قال أكثم بن صيفي: ولم يزل السؤال مكروهاً عند ذوي المروءة من الرجال. وفي ذلك يقول الشاعر:

وفتىً خَلاَ من مالِهِومن المروءة غير خالِ
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «وفتى خلا من ماله»
أعطاك قبلَ سُؤالِهِوكفَاكَ مَكروهَ السُؤالِ
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة

وليس ينبغي للعاقل أن يسأل مشهوراً بالبخل، ولا لئيماً بالطبع، ولا قليل ماء الوجه، ولا حديث عهد بسلطان أو نعمة، فإن نتيجة سؤال هؤلاء الحرمان، وهم أعوان الزمان على الإنسان، وينبغي له ألا يسأل إلا ممكناً يجوز أن يسعفه، فقد قيل: إن العاقل لا يرد عن حاجته. فقيل: وكيف ذلك؟ قيل لأنه لا يسأل إلا ما يجوز. وألا يحمل المسئول إذا أنس منه كرم طبع وحسن إسعاف فوق طاقته، أو أن ينزل به من مئونته ما يستنفذ وسعه، فإنه إذا فعل ذلك أحوجه [أن] يفظع به، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

إنك إن كلفتنيِ ما لم أطِقساءَكَ ما سرَّكَ مني [من] خُلق

وينبغي له ألا يلحق على من يسأله حاجته ولا يبرمه، وأن ينظر أي

حالي الاثنين أقرب إلى قلبه، وأولى بإسعافه، وطيب النفس بقضاء حاجته إليه، بالحياء والإعظام، أم حال من يطلبها إليه بالإلحاح والإبرام، ثم ليحكم على نفسه بحكمه في ذلك على غيره، فلا ينبغي أن تسأل رجلاً معونتك على غيره في حاجة لك، ولذلك الرجل إلى من حاجتك إليه حاجة مثل حاجتك، فإنه لا يقدم حاجتك على حاجته، ولا يستفرغ الوسع في معونتك ويدع نفسه، وربما ضرك إذا اعتمدت عليه، وكان من أمرك مقصراً، بجاهه على غير حاجتك موفراً. وقد حكى الأصمعي عن بعض موالي قريش أنه قال: "لا تطلبن حاجتك إلى كذاب، فإنه يقربها وهي بعيدة، ويبعدها وهي قريبة، ولا إلى أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا إلى رجل له عند القوم مثل حاجتك، فإنه سيجعل حاجتك وفاء لحاجته".

وإن كان سؤالك في طلب العلم، فالذي يليق بالعاقل ويحسن [به] الإلحاح بالطلب، واللزوم في الدأب، وألا يرد وجهه عن الاستقصاء في استخراج الفائدة، فقد روي عن الصادق ﵇ أنه قال: على العلوم أقفال، ومفاتحها السؤال. وقيل: من رق وجهه رق عمله. وقيل لابن عباس أن لك هذا العلم؟ فقال: لسان سئول، وقلب عقول. وقد ذكرنا السؤال والأدب فيه في الجدل بما أغنى عن إعادته.

وأما الأمر فينقسم قسمين: أحدهما ما أمرت أن تعمل فيخص باسم الأمر، والآخر ما أمرت به أن يترك فيسمى به نهياً.

ومن الواجب على ذي الحجا، وأخى النهي ألا يأمر إذا أمر، ولا ينهى إذا نهى وزجر إلا بعد تثبت ونظر، وأن يأتي في الأمر والنهي ما هو عند العلماء مألوف، وعند الحكماء معروف، مما هو بين النفع لذي الأدب، خارج عن ذي العبث واللعب.

ومن أوجب ما أمر به الإنسان ونهى عنه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله تعالى قد حض على ذلك، وعنف على تركه، وعاقب على إهماله، فقال عز من قائل:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ وقال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

والمنفعة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بينة ظاهرة، لأن الله ﷿ لما خلق الخلق فباعد بين هممهم وفطرهم، وخالف بين عقولهم وفكرهم، وكان أكثرهم إلى الفساد سراعاً، وللهوى أتباعاً وكانوا متى تركوا وما تدعوهم إليه نفوسهم فسدوا وأفسدوا غيرهم، وليس للفساد خلقوا، ولا بما خالف الصلاح جعلوا، أمر الله ﷿ الأنبياء

بتأديبهم وأمرهم، وبحثهم والأخذ على أيدي سفهائهم، وأقام الأئمة في ذلك بعد الأنبياء مقامهم وقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾.

فجعل الأمر والنهي باللسان لذوي العقول والأبصار، ومن يردعهم الحياء عن مقارفة ما لا يليق بذوي الأخطار، وجعل السوط لمن لا ينفعه الزجر من شراب الخمور، ومرتكبي الفجور، وجعل السيف لمن لا يقنع في تأديبه بالسوط من المتقاتلين، والبغاة والمارقين: وكل ذلك أمرٌ بالمعروف ونهي عن المنكر، وقد روي "من رأى منكم منكراً فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وليس من العدل عند ذوي العقول أن يصلح الإنسان غيره، وهو غير صالح في نفسه، ويقوم أخلاق الناس بقوله وفعله، وهو غير مقوم في خلقه، وإنما ينبغي أن يبتدئ بنفسه فيحملها على ما يريد إحلاء الناس به، فإنها أقرب إليه، وأولى بنصيحته، فإذا انقادت به أخذ في إصلاح عيوب غيره، ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾.

وقال المسيح ﵇:

"ما بالك ترى القذاة في عين أخيك، ولا ترى السارية التي في عينك،

فأخرج أولاً السارية من عينك، ثم أخرج القذاة من عين أخيك.

وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أفتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فتجتمع عليه أهل النار فيقولون: يا فلان، أما كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ! فيقول: "كنت آخر بالمعروف ولا أفعله، وأنها عن المنكر وآتيه". ومن الحق أيضاً عند ذوي الحكمة ألا يبذلوا نصيحتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يعاديهم على ذلك، ويخافون سطوته فيه، ولا يرجون قبوله إياه، ولا رجوعه إليه، فإن ذلك جهل من فاعله، وهو شبيه بوعظ الأصم، ومخاطبة الموتى، في قلة الانتفاع به، والتضييع له، ونظيره التعرض للسبع بما يغضبه، وللأفعى بما يوثبه فهو إنما يتعرض من بلاء هذه الطبقة لما لا يطيقه، ولذلك استعمل أهل الدين والفضل والحكمة والعقل التقية هذه، وأمروا بها، وأطلقها الله ورسوله.

فروى عن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي ثعلبة الخشني يا أبا ثعلبة أئتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، "، وذكر باقي الحديث. وروي عن الحسن أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه

وسلم -: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه". قيل: وكيف إذلاله لنفسه؟ قال: أن يتعرض من البلاء لما لا يطيقه.

وقال سفيان: أنا لا أنهاك عن أن تأمر وتنهى، إنما أخاف عليك أن تبتلى فلا تصبر.

وأما ما وري عن الصادقين ﵈ من أنه لا دين لمن لا تقية له، وقال العالم ﵇: "التقية دين آبائي، فإن قال قائل: إنك قلت إن الأمر والنهي لمن هو دونك، ثم ذكرت هاهنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجعلتهما لمن هو دونك، ولمن هو فوقك ممن يبسط يده عليك، وتخاف أن يسبق بمكروه إليك، فما وجه ذلك؟ قلنا: إن المأمور المنهي من الملوك وغيرهم، فإن كانوا فوق الآمر لهم والناهي بالقدرة والسلطان، فإنهم دونه في حقيقة الإيمان، لأنهم إذا ارتكبوا من الأمور الموبقة المفسدة [ما] يوجب عليهم نهيهم عنها ووعظهم فيها؛ فقد صارت منزلتهم دون منزلته في حكم الشريعة وترتيب العقل.

فأما من دون الإنسان من تابع وعبد وغيرهما، فالواجب على العاقل ألا يأمرهم من حوائجه، إلا بما يطيقونه ولا يجعلهم منها ما لا يحملونه

وأن يعلم أنهم بشر مثله، فإن الله - سبحانه - فضله عليهم ليبلو شكره وصبرهم دونه ليبتلي صبرهم، وأن من العمل عليهم ألا يأتي إليهم إلا ما يحب أن يؤتى إليه لو كان في مثل حالهم، فلا يضربهم ولا يجهدهم ولا يمنعهم مصلحة لهم، وأن يأتي في صلاحهم وسياستهم ما يأتيه في سياسة نفسه وولده وأخص أهله من حيث لا يرخى لهم العذار فيما يفسدهم، ولا يلزمهم من الدعة ما يعيقهم، فإذا فعل ذلك كان قد مضى بحبهم وبلغ مراده منهم إن شاء الله.

وقد جاء في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "أوصاني جبريل بالمماليك حتى ظننت أنه سيورثهم، وبالنساء حتى ظننت أن طلاقهن حرام". وروي أيضاً أنه قال ﵇ "إذا ملك أحدكم مملوكاً فليحسن إليه، فإنه كما ملككم رقابهم فلابد أن يملكهم رقابكم" والله أعلم.

وأما الشكر: فإنه في؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ للمزيد ومكافأة للنعمة، وقد أمر الله سبحانه به فقال ﷿: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وقال:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾. والمنفعة: أن المنعم إذا شكر تبين ثمرة عمله، وزكاة حرثه، وقد قال الله ﷿: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.

وقال الشاعر:

نُبِّئتُ عَمْراً شاكرِ نعمتيِوالكفُرُ محتَةٌ لنفس المنعمِ

ومن فعل بكل جميلاً فأنت مرتهن بشكره أو مكافأته، بذلك حكمت شريعة العقل، وقضى محض العدل، وقد أوجب الله المكافأة على القول والفعل فقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إلا الإِحْسَانُ﴾. فجزاء من أحسن إليك أن تكافئه بمثل فعله إن لم يتهيأ لك ما هو أفضل منه، فإن أعجزتك المكافأة شكرته، ونشرت محاسن فعله، وذكرت ما نالك من فضله، فقد أمرك الله - سبحانه - بأن تشكره، وتتحدث بنعمته لما أعجزك عن مكافأته، فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.

وقال الشاعر:

ارفع ضعيفك لا يحربك ضَعفُهُيوماً فتُدرِكه العواقِبُ قد نما
يجزيك أو يُثني عليك َ فإنَّ منأثنى عليك بما فَعلتَ فقد جزى

ويروى أن رسول الله ﷺ سمع هذين البيتين فقال: قال لي جبريل عن الله: "من أسديت إليه يا محمد معروفاً فكافأك فذلك، وإن عجز وأثنى عليك فقد كافأك".

وقد قال أمير المؤمنين ﵇: "كفران النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم". وقد يستعمل الناس الحمد في موضع الشكر، وبينهما من الفرق ما أنا ذاكره: وهو أن الحمد أعم من الشكر، لأن الشكر إنما هو الثناء بالفعل الجميل الذي قد وصل إليك نفعه، والحمد الثناء بالفعل الجميل، وإن لم يصل إليك نفعه، ألا ترى أنك تحمد الرجل في صواب منطقه، وتحمد السيف في مضي ضريبته، والفرس في سرعة عدوه، ولا تشكر شيئاً من ذلك، وتشكر الله سبحانه على نعمته، وتشكر الرجل على معروفه، فهذا فرق ما بين الحمد والشكر.

وأما حفظ السر والمنفعة به: فإنه سبب لنيل كل مطلوب، والاحتراس من كل مرهوب، ولذلك قال رسول الله ﷺ: "استعينوا على نجح حوائجكم بالكتمان، فإن لكل ذي نعمة حاسداً". وقال ﵇ "من كتم سره ملك أمره" وأوصت الأئمة ﵈ بكتمان أسرارها؟ وما أترى من ذلك من وصايا القدماء والحكماء في تحصين الأسرار وكتمان من الأشرار كثير لا يحتمله كتابنا، وليس كتمان السر من سائر الناس محموداً لأن الإنسان إذا كتم سره من نصيحة وذي الثقة عند أخطأ الرأي من جهتين:

إحداهما أنه يعدم المشورة، وقد أمر الله بها فقال: ﴿وشَاوِرهُم في الأمر﴾ وأمننا الرسول ﵇ من سوء عاقبتها فقال: "لن يهلك امرؤ بعد مشورة" وقيل: "ما حار من استخار، ولا ندم من استشار" فمن كتم النصيح أمره، وطوى عنه سره، واستغنى برأيه عنه، كان كمن كتم الطبيب علته، واستغنى بتجربته عن مشاورته، فهو حقيق بزيادة علته حتى يؤديه إلى ما يعجز عن تلافيه.

والثاني إيحاش أخي النصيحة وإفساد قلبه، إذا رآك قد حصنت سرك دونه، واستظهرت عليه بالمكاتمة له، والعدل في ذلك وصواب الرأي أن تصن أيضاً ممن اتهمته، وتغلق باب الأنس بينك وبينه، حتى لا يطلع لك على مكنون، بظن ولا يقين؛ وأن تحترس أيضاً ممن لا تثق غاية الثقة به، فلا تطلعه من أمرك على ما تخاف منه بدو سرك، وإذا وثقت الثقة كلها بالإنسان، وكشفت له عن صحة عيبه شواهد الامتحان، فلا عليك أن تطلعه على أكثر أمرك، وعلى ما يصلح أن تطلعه عليه من سرك، فتشتري بما تطلعه عليه أنسه، وتملك به قلبه، وتزيد به في تأكيد الحال بينك وبينه، وتقيس الصواب من مشورته فيما اشتبه عليك من رأيه، فإن الرأي في صدور الرجال كما قال الأول؛ وإنما صار الإنسان محتاجاً إلى المشورة، وكان المشير أولى بالصواب من المستشير، لأن المستشير يلقيى من استشاره بقلب فارغ مما قلبه مشغول به، وذهن غير مكدود بما ذهنه مكدود به، فيكون إلى إصابة الرأي أقرب، فليس ينبغي أن يكتفي المستشري بنصيحة المستشار حتى يأنس منع عقلاً صحيحاً، ورأياً مصيباً، فإن النصيحة من الجاهل غير نافعة، لأن رأيه غير صحيح، والرأي من العاقل الذي لا يوثق بنصيحته غير نافع أيضاً لما

لا يؤمن من غشه، فإذا اجتمعت النصيحة والعقل في رجل فحق المستشير أن يصغي إلى قوله، ويعمل برأيه، فقد قال رسول الله ﷺ لما سئل عن الحزم ما هو؟ قال: "أن تستشير ذا الرأي، وتطيع أمره" ومن كانت هذه صورته فليس لك أن تخالف مشورته إلا فيما يبين لك أنه أخطأ وجه الرأي فيه، فإن المستشار مجتهد، والاجتهاد يخطئ ويصيب، فليس على المجتهد أن يصيب، وإنما عليه الاجتهاد في الإصابة، وإذا كنت مشيراً فاعلم أن المستشار مؤتمن، وأن من أشار بغير الحق عنده سلب رأيه، فامحض من استشارك النصيحة وإياك ومقاربته في رأيه المتفق عليه، والتقريب من قلبه إذا كان ذلك مدخلاً عليه ضرراً في عاجل أمره أو آجله، فإن ذلك من الخيانة، ولا يكرئك كراهيته لقولك فيما أصلحه، فإن الطبيب العالم لا يلتفت إلى كراهية العليل للدواء إذا علم أنه ينفعه، بل يحمله من ذلك ما يبشعه ويحميه، من لذيذ الغذاء ما يشتهيه ويلذه، وإن استشارك عدوك في أمر فانصح له فيه فإنك تجمع بذلك مع تأدية الأمانة في المشورة شيئين:

أحدهما أن يكون عدوك عاقلاً، ويراك قد اجتهدت في نصيحة، فيتبين عقلك وفضلك، وربما كان ذلك سبيلاً إلى نزوعه عن عداوتك، ورجوعه إلى تلافيك واستقالتك. والآخر أن يكون عدوك جاهلاً بموقع النصيحة ومخارج الرأي، وهو مع ذلك معتقد لعدواتك، فيتيقن أنك تغشه فيما تشير به، فربما خالف مشورتك بجهله بصحتها، وقد محضته النصيحة فيها، فإذا فعل ذلك فقد أهلك نفسه، وأراحك من عداوته، وكنت موفوراً، وعند

ذوي العقول مشكوراً. وقد مدحت [العرب] الاستبداد بالرأي ووصفت نفسها بالاستغناء عن المشاورة فقال بعضهم:

ليتَ هنداً أنجزتنا ما تعِدوشفَت أنفسَنا مما نجِد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ليت هندا أنجزتنا ما تعد»
واستبدَّت مرةً واحدةًإنما العاجزُ من لا يستبد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ليت هندا أنجزتنا ما تعد»

وقال الآخر:

إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهفأعرض عن قول العواذل جانباً
ولم يستشر في رأيه غير نفسهِولم يرضَ إلا قائم السّيف صاحباً
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة

وليس ذلك أخلاق ذوي العلم والأدب، وإنما هو شيء امتدحت به العرب على طريق الوصف لأنفسها بالجرأة والأنفة والإقدام.

ومن أمثالهم في ذلك: من طلب غرر، ومن فكر قصر، وليس العمل عند الحكماء على ذلك.

وأما الاستعتاب: فإن المنفعة به بينة في تلافي من تريد تلافيه واستصلاح من لك رأي فيه، فإنك متى تركت صديقك للذنب بذنبه، أو للجرم بجرمه، ولم تعاقبه على ذنبه، ولم تؤنبه بجرمه بقيت بلا صديق، لأنك لا تجد أحداً ممن تصاحبه بعده، أو ممن يتعاض به منه إلا ولا بد

أن تأتي بمثل فعله لك، لما في جبلات الناس من الخلاف، وقلة المراقبة في ذلك يقول الشاعر:

وكنتُ إذا الصديق اراد هَجريوأشرقني على حَنَقٍ برِبقي
غَفرتُ ذُنَوبه وصفحتُ عنهمخافة أن أكون بلا صديقِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «صديقك حين تستغي كثير»

وأعلم أن من طلب عيباً وجده، ومن أراد السالم من العيوب فقده ولابد للإنسان من الناس، وقد قال أمير المؤمنين ﵇: العاجز من عجز عن اتخاذ الأصدقاء، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم وأكمل الأصدقاء أقلهم عيوباً، وأشدهم مؤالفة، وأقلهم مخالفة، فأما حتى لا نجد في الصديق عيباً، ولا تراه في شيء من هواك مخالفاً، فهذا عسر وجوده، ومن طلبه أوشك أن ينفد عمره، ولا يجده، ولا يظفر به، فكن في أمور أصدقائك كما قال الشاعر:

إذا كنت في كلِّ الأمورِ مُعاتباًصديقك لم تَلقَ الذي لا تُعاتِبُه
للشاعر راجح عبد الله، من قصيدة «قد توقد لاهبه»
فعِش واحداً أوصِل أخاكَ فإنّهمُقارِفُ ذنب مرَّةً ومجانِبُه
إذ أنت لم تشرب مِراراً على القَذَىظَمِئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مشاَرِبه

واعلم أن ترك العتاب من دلائل الزهادة، ومن دواعي القطيعة، ولذلك قال الشاعر:

إذا انقرض العِتاب فليسَ وُدٌّويبقى الوُدُّ ما بَقَي العِتابُ

وإن كانت المعاتبة على كل ذنب، والتعلق بكل جرم من دلائل التجني والملالة، وقد قال الشاعر:

إذا العتابُ أتىَ في غيرِ موضعهِفإنّه مُفصِح من شدَّة المَلل

ونتيجة كثرة العتاب ففي غير موضعه قلة احتفال المعاتب، فإن الشيء

إذا كثر هان، ومن العدل إذا أذنب صديقك إليك أن تفحص عن مخرته فإن كان أتاه من غير تعمد له اغتفرته وتناسيته، ولم تعاتبه على ارتكابه، بل تنبهه على موضع خطئه ليحترس من معاودة مثله، وإن وجدته قد أتى ذلك عامداً، وكان من الأمور التي يصير بالمودة والإخاء احتمالها احتملتها وصفحت عنها، وإن كان ممن إذا أغضى على مثله عاد بالضرر وقبح فيه الخبر، عاتبته عليه غير مهتبل لزلته، ولا مغتم لصرعته فإن اعتذر بما يوجب حجة قبلته فأفلته، وإن اعترف وسأل الصفح صفحت عنه، فإن المقدرة توجب المغفرة، والتوبة تمحو الحوبة، والاعتراف يزيل الاقتراف، وقد قال الشاعر:

إذا اعتذَر الجاني مَحا العذرُ ذنبَهوكلّ امرئ لا يقبلُ العذرَ ظالمُ

وعلى هذا الترتيب رتب الله ﷿ عباده في ذنوبهم، فعفا عن الخطأ، وما جرى على غير تعمد، وعفا عن صغائر ما اعتمده، وتجاوز عن الكبائر، مع الندم والتوبة، وعذب على الإصرار على ما يعود العفو عنه بالإضرار، وإذا كنت معتذراً أو متنصلاً فلا تعتذر إلا إلى من تحب أن يجد لك عذراً، ولا تعتذر إلى ممتحن أو متعنت، فإن الاعتذار إلى هذين الصنفين ضائع، ولا تخلط الاعتذار إذا وجب أن تعتذر بالاحتجاج فإن ذلك يدل على مقامك على الذنب، لأنك ليس تحتج إلا فيما لا ذنب لك فيه، وليس هذا موقف التنصل والاعتذار، وإنما هو موقف النفح

عن النفس والاحتجاج، فإن كنت على حجة فأنت غني عن الاعتذار، وسبيلك أن تقيمها، وتجتهد في التخلص من اسم الذنب بما تظهره منها، وإن كنت مذنباً فسبيلك أن تعترف بذنبك وتعتذر منه، وتسأل الصفح عنه، فإن مزج الاعتذار بالاحتجاج يدل على استئناف الذنب، ولذلك قال بعضهم - وقد اعتذر رجل إليه فأتى في اعتذاره بما قدمناه: ما رأيت عذراً أشبه باستئناف ذنب من عذرك؛ وذلك أن المذنب إذا كان عند نفسه غير مذنب، وكان له فيما يظن حجة زيل عنه الذنب، فهو غير مقلع عن ذنبه لأنه إنما يرجي الإقلاع عن الذنب للمذنب إذا عرف ذنبه وقبح فعله، وأنه لا حجة له فيه؛ وكان يقال: من وثق بحسن العذر وقع في الذنب، وغذا اعتذر إليك معتذر فاقبل عذره، وصدق في ذلك ظنه، إلا أن يكون ممن ترى أن الراحة في قطيعته، فإن كان كذلك فاجعل ذنبه سبباً لهجرك له، ولا تستعتبه، ولا تسمع عذره، فإن العضو الفاسد ليس لصاحبه راحة إلا في قطعة وفارقته، ومن هاجرك بذنب، أو ذكرك بما يسوءك في ملأ ثم جاء معتذراً فيما بينك وبينه فلا تقبل تنصله وعذره حتى تكونا في ملأ، وعلى المجاهرة كما كانت زلته وذنبه، وكذلك من أذنب إليك فيما بينك وبينه فلا تكلفه الاشتهار بالذنب عند من لم يعرف ذنبه، واقبل عذره فيما بينك وبينه.

وعلم أن الأنس بمواقف الاعتذار، وليس باختلاف ذوي الأقدار فاهرب مما تحتاج إلى إقامة العذر فيه، هربك من التلف، فليس في كل حين تقال الهفوة، ولا في كل وقت تغتفر الذلة، ومن القبيح أن يختار الإنسان اللؤم من الحمد عوضاً، وأن يجعل نفسه للألسن غرضاً، وقد قيل: إياك وما يعتذر منه، فقلما اعتذر أحد إذا كذب، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أوقع به الظنة.

وأما التودد: فمن أنفع الأشياء للإنسان، وأعونها على الزمان، لأن

بالمودة صلاح جميع الأمور، وبالعداوة فسادها، وبذلك أمر الله سبحانه بالتواصل والمودة، ونهى عن التعادي والفرقة، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾.

والود ودان: ود للمشاكلة والمجانسة، وهو الذي يقول فيه رسول الله ﷺ: "القلوب كأجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".

وود بالعرض، وهو ينقسم قسمين: أحدهما ود العصمة في الدين، والآخر: ود المنفعة في الدنيا.

فأما العصمة في الدين فالود فيه، والمحبة هي الولاية التي فرضها الله تعالى على عباده المؤمنين لأئمتهم وإخوانهم فقال - عز من قائل -: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وحظرها على المخالفين إلا في حال التقية فقال: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، وجاء عن رسول الله ﷺ: "إن أوثق

عرا الإيمان الحب في الله ﷿ والبغض فيه"، والذي تخال به مودة ذي العصمة ألا يرى أخاه مفارقاً لما جمعهما عليه الدين في سر وعلانية.

وأما المودة للمنفعة في الدنيا فتتأكد بتأكد الأسباب الموجهة لها، ويزيد فيها الإحسان والإفضال، كما قال النبي ﷺ: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وينمي ذلك ويزيد في البشر والطلاقة والكلمة الطيبة، فإنه يروى عن رسول الله ﷺ: "إنكم لم تسعوا للناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم".

وفي حديث آخر "بالبشر وطلاقة الوجوه"، وقد قال الله ﷿: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.

وقال أمير المؤمنين ﵇: "من لانت كلمته وجبت محبته" والذي يجوز به الإنسان هذه المودة ممن يرومها منه هو أن يرى الله مواسياً بما يقدر عليه، فقد قال أرسطاطاليس: "ليس مع الإيثار بغضة، ولا مع الاستكثار محبة"، وأن يكون متابعاً له فيما يقوده إليه، فإن الخلاف أذى، والأذى مخالف للهوى، وقد قال الشاعر:

يُحَبُّ ويُدنَيِ مَن يَقلُّ خِلافُهُوليس بمحمودٍ حبيبٌ مُخالِفُ

وقال آخر فأحسن:

فإني رأيت الحبَّ في الصدرِ والأذىإذا اجتمعا لم يلبث الحبُّ يَذهَبُ

فتودد إلى الناس جهدك، واجعل نيل محبتهم وكدك، فإنك لن تعدم بذلك مروءة كريم، أو أمن عداوة لئيم، فتكون قد نلت المحبوب وكفيت المرهوب، إن شاء الله.

وأما الأخذ بالمشهور من الحديث والقول وحكايته، وترك الغريب والمنكر منهما، واجتناب روايته: فإن المنفعة في ذلك عظيمة، والفائدة جسيمة، وذلك إنك تحرز به النبل في عيون الناس، والجلالة في صدورهم، ومتى أخذت بالشذوذ، وبالبديع والغريب من الأحاديث والروايات، وأحكمت ذلك، ونقلته كنت عند الناس غير محصل، ولا يغرنك: "إنما أحكي ما أسمع" فكفاك عيباً أن تحكي كل ما تسمع لأن أكثر ما تسمع الباطل، وإنما الحق جزء من أجزاء كثيرة مما تسمعه، وقد قيل: "حسبك من شر سماعه"، فكيف حكايته وفعله، ومن رضي بأن يكون حاملاً للأباطيل، ورواية الأكاذيب، فقد رضي بما لا يرضى به اللبيب، فإن استطعت فلا تحكي إلا ما تصدق فيه، وما لا تحتاج إلى إقامة شاهد عليه فافعل، فهو أولى بك إن كنت من أهل التحصيل، وأردت أن تسلم من العيب والتجهيل، فقد روي عن بعض الأعراب أنه قال: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك أعذاره، فليس كل من حكى عنك نكراً يوسعك عذراً، واحذر الحذر كله من شهوة الاستطراف، وطلب الغرائب، فإن كثيراً من الناس يطلب ما كان طريفاً، ولم يكن عند الناس معروفاً، وذلك لما في النفوس من التطلع إلى استماع ما يسمعوه، والكلف بما لم يعهدوه ويعرفوه، وكلما كان الشيء ليس عندهم كان إليهم أعجب، ومن قلوبهم أقرب، ومن هاهنا ضل كثير من الناس، ودخلت عليهم الشبهة في اعتقاداتهم ودياناتهم، فإنك إذا نظرت في كثير من مذاهب أهل المذاهب وجدتها لم تنفق على أهلها إلا بطرافتها

وغرابتها وامتناع دعاتهم في إظهارها لهم، والنفس طلعة، وهي ضنينة بما تمنعه، وليس عندها فيما قدرت عليه من الرأي والهوى مثل الذي عندها من الغريب المستطرف، وكل ما كان في ملك غيرها كانت إليه أشوق، ونحوه أتوق، ولهذا صار أزهد الناس في العالِم جيرانه، وصار الإنسان بما استفاده منه أشد ضناً مما ورثه، فاحترس من هذا الباب، ولا تراعين في مستطرف من المور إلا ما كانت أمارات الحق فيه ظاهرة، والشكوك التي تعرضه واهية فقد قال رسول الله ﷺ "شر الأمور محدثاتها وقال: وكل محدثة ضلالة" ولا يثقل عليك الحق، وإن كبر عليك استماعه، ولا تملنه وإن كثر على سمعك مروره، فإن الحق جديد لا تخلقه الأيام.

وأما المقبول والمردود: فإن المقبول كل ما أريد به المنفعة من الأمور التي ذكرناها وعددناها، وكانت القلوب له قابلة، وبفضل اقتنائه غير جاهلة.

والمردود ضد ذلك، فما ينبغي أن يقبل وعظ من واعظ، ونصح من نصحك بما وقرك فيهما، وألان لك القول فيما يورده عليك منهما، وإن تعجرف مخاطبك في ذلك بما يغلظ عليك استماعه، فإن كان ممن تثق بنيته، ولا تثريب بمودته وطويته، تشجعت على الصبر له، والقبول منه، وكنت كالعاقل الذي يتشجع على أخذ الدواء الكريه إذا علم أنه

ينفعه، ويصبر في ساعة الخوف تحت ظلال السيوف إذا علم أن الصبر خير له، فإن كان ممن تعرفه بعداوة وسوء نية، وخبث طوية، رددت عليه قوله على استماعك المكروه الذي حصل له، فإن في الناس من يريد عيب عدوه والإشادة بمساويه، فلا يجد طريقاً إلى ذلك أبلغ وأسهل من الوعظ والنصيحة، لأنهما يشتملان على ذكر عيوبه، فهو يبلغ مراده من فضيحته والإغلاظ من حيث لا يستحق في الظاهر لوماً منه، ولا مكافأة على قبيح ما يلقاه به، وقد ذكر "أردشير" هذه الطبقة وزرايتها على الملوك وتوصلها إلى عيبهم بالوعظ، وحذر منهم، وعرف الملوك كيف السبيل إلى الراحة منهم، ونحن نذكر قوله إذا صرنا إلى موضعه، فاعرفهم أنت وأنزلهم منزلهم، وقد حكي عن بعض أهل هذه الطبقة أنه قال لبعض الخلفاء: "إني أريد أن أنصحك يا أمير المؤمنين بكلمات، فاحتمل إغلاظي فيها"، فقال: لا ولا كرامة، إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ومن ذلك قبول العذر ممن اعتذر إليك إن صدق في عذره، وإن كذب، فقد قال الشاعر:

اقبَل معاذير مَن يأتيكَ مُعتذِراًإن بَرَّ عندك فيما قالَ أو فَجرَا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «إقبل معاذير من يأتيك معتذرا»
فقد أطاعَكَ من أرضَاك ظاهرُهُوقد أجَلَّك من يعصيك مستترا
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إقبل معاذير من يأتيك معتذرا»

فإذا قبلت معذرته، وأقلته عثرته مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، ورأيته مقيماً على الإصرار، ولا يزيدك على الاعتذار، عند تخوفه عواقب الإنكار، علمت أنه يريد مخادعتك، فيطلب الحيلة عليك، فحينئذ لا تقبل عذره، وتأس برسول الله ﷺ فيما صنعه ببعض أسرائه وأحسبه أبا عزة فإنه أمر بضرب عنقه وقال: "لا تقعد في نادي قومك فتقول

خدعت محمداً ثلاث مرات، ومما يقبله العاقل مدح من مدحه بما فيه، ولم يخرج في وصفه عما يستحقه بمساعيه، فقد سمع رسول الله ﷺ المدح وأثاب عليه، فأما إذا رأيت المادح يزكيك بما ليس فيك، ويواريك ويريد أن يخدعك عن نفسك، ويغمز جانبك، فلا يكونن من شأنك الإصغاء إلى قوله، ولا الاستماع منه، ولا الرضا بمنطقه، فإن ذلك ثلمة في عقلك، فإن لم تسدها اقتحم الناس عليك منها، وتوصلوا إلى حوائجهم منك بها، ثم لم تسلم بعد ذلك من غيبتهم لك، وضحكهم منك. وقد قالت الحكماء: "قابل المدح كالمادح نفسه"، وإنما قالوا ذلك لهذه الطبقة من المادحين، وهم الذين أمر النبي ﷺ بأن يحثي التراب في وجوههم.

ومن المقبول أيضاً إطالة القول فيما أريد به تأنيس المستوحش، وتسكين روع المرتاع، فإن ذلك مما قد امتدحوا به فقال شاعرهم:

سَلي الطارقَ المَعَترَّ يا أُمَّ مالكٍإذا ما اعتراني بين قِدرِي ومَجزِري
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «سلي الطارق المعتر يا أم مالك»
وأَبسُط وَجْهي إنه أول القِرَاوأبذُل معروفي له دون تنكيِري

وقال آخر:

أحدِّثُه إن الحديثَ مِنَ القِراوتعلم نفسي أنه سوف يهجعُ

ومما يتسع فيه القول، ويكون عند ذوي العقل مقبولاً، أن يجد القائل فيمن يقصد القول فيه مقالا ًبما يظهر من خلقه وفعله، ونقصه أو فضله، فيكون المادح له، أو الذام لفعله منبسطي اللسان، غير كليلي البيان، ويكون

لسامع ذلك منهما قابلاً مصدقاً، ولقولهما فيه محققاً، وقد قال الشاعر:

بهواك صيَّرني العذور نَكالاوجَدَ السبيلَ إلى المقال فقالا

وقال آخر يعتذر من تركه مديح قومه:

فلو أنَّ قومي أنطقتني رِماحُهمنطقتُ ولكنّ الرِّماحَ أجَرّتِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ومرد على جرد شهدت طرادها»

ومما تقبل فيه الإطالة، المذاكرة بالعلم، فإن مذاكرة الرجال تلقيح لألبابهم، وروي عن الصادقين ﵈ المذاكرة بالعلم عبارة حسنة، فهذا ما في المردود والمقبول.

وأما المهم والفضول: فإن المهم كل ما دعت الإنسان حاجة إليه في قوام معيشته وإصلاح عاقبته، أو سياسة نفسه وخاصته، وذلك مطلق له الكلام فيه، وغير مستقبح منه الطلب له من حيث لا يشوب المبالغة بالهذر، ولا الطلب بالطمع، ولا المسألة بالإلحاف، ولا الوعظ بالتسليط، ولا الأمر بالعنف، ولا النهي بالغلظة، ولا التنبيه على الذنب بالتوبيخ، فقد قال سفيان بن عيينة: يستحب للعالم إذا علم ألا يعنف، وأن يتلطف فيما قاله حتى يأتي به على ما ذكرناه، فيبلغ مراده من حيث لا يلحقه عيب ولا ينسب إلى تقصير، وقد أمر الله ﷿ بالكلام فيما تدعو الحاجة إليه، وبالرفق واللين والتأني، فقال ﷿: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقال:

﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ولم يقنع من أنبياءه وصلحاء خلقه بترك الكلام في المهم من أمر الدين، بل قد عاب من ترك الكلام في ذلك فقال فيما أمر به نبيه ﷺ من البشارة والنذارة: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال في غير هذا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وقال أمير المؤمنين ﵇: "إن الله ﷿ لم يرض للأئمة أن تعصى في أكناف الأرض وهم ممسكون، لا يأمرون ولا ينهون، وقد أجاب الله ﷿ عباده عما يسألونه عنه من مبهم دينهم فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى آخر الآية وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، وكذلك سائر ما سألوا عنه مما يهمهم في أمر دينهم، فلما سألوا عما لا يهمهم وما هو فضول منهم كانت نتيجة إخلافهم وتفرقهم، أمسك عن جوابهم، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ

مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ولما سألوا عن آبائهم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ فكل ما جرى مجرى المهم الذي ينتفع به، وتدعو الحاجة إلى استعماله فَحَسنُ الكلام فيه، وكل ما خالف ذلك، وجرى غير مجراها فيما لا يعني الإنسان ولا يجدي نفعاً فهو الفضول، الذي سمعت العلماء تذمه، ورأيت الحكماء تنهى عنه فقالوا: إنما يهلك الناس في فضول المال وفضول القول، وقال رجل لابنته وقد نقلها إلى زوجها، لا بنية، أمسكي عليك الفضلين: فضل القول، وفضل الشهوة، ومن ذلك يكون العطب، فكم ممن قتله كثرة فضوله، ولم ير أحد قط قتل لسكوته، ولا ضرب بالسوط على قلة كلامه، وإنما يفعل به تلك الأفاعيل ويورد تلك الموارد، بفضول قوله ولسانه، ولذلك قال الشاعر:

(وجُرحُ الِّلسان كجَرحِ اليَدِ)

وقال الآخر:

يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانهِوليس يموتُ المرءُ من عثرة الرجلِ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا تكثرن القول في غير وقته»

وأما التام والناقص: فأما التام من الكلام ما اجتمعت فيه فضائل هذه الأقسام، فكان بليغاً صحيحاً، وجزلاً فصيحاً، وكان جداً صواباً، وحسناً حقاً، ونافعاً صدقاً، وعند ذوي العقول مقبولاً، ولم يكن تكلفاً ولا فضولاً، فإذا اجتمع ذلك فيه، ووضعه قائله موضعه، وأتى به في حينه، وأصاب به مقصده، فهو التام.

ومثله من الكلام ما روي عن رجل قدم من اليمامة على عمر بن عبد العزيز، فسأله كيف الناس؟ فقال: "ظالم مقهور، ومظلوم منصور، وفقير مجبور، وغني موفور" فقال: سرك الله وأكسن بشراك".

وما روي عن رجل من سمرقند قام بين يدي المهدي فقال: يا أمير المؤمنين: "إنا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن تحفظ الخطب، وأمير المؤمنين يعرف طاعتنا، ويعلم ما فيه مصلحتنا، فيجتزي منا باليسير من الكثير، وبما في الضمير دون التفسير" فقال له: اصبت وأجدت، أنت خطيب القوم.

وشكا بعضهم حاله إلى بعض الرؤساء، فقال: "إن الدهر كلح فجرح، وجمع فطمح، وأفسد ما صلح، فإن لم تعن عليه فضح".

وأوصى خالد بن صفوان ابنه فقال: "كن يا بني أحسن ما تكون في الظاهر حالاً، أقل ما تكون في الباطن مآلاً، فإن الكريم من تكرمت طبيعته، واللئيم من خبثت عند الحاجة طمعته، وإياك وكثرة الكلام فيما لا يعنيك، فإنه فضل، ولا آمن عليك فيه الوزر، والموت خير من طلب الحاجة إلى غير أهلها".

والناقص عن التمام، وما قصر عن هذه الأقسام، كان معيباً عند ذوي الأفهام.

كما روي أن بعض جلساء عبد الملك تنقص مصعب بن الزبير، وقد أفاضوا في ذكره بحضرته، فقال: مه أما علمت أن من صغر مقتولاً فقد

صغر قاتله، وهو إنما أراد التقرب من قلب عبد الملك بتنقيصه وتصغير شأنه، وجهل ما في ذلك من التقصير بعبد الملك، والوضع من ظفره، فكان كلامه بادي النقص عند ذوي العقول، غير محمود عند ذوي التحصيل.

وكذلك قال بعض الأعراب لرجل رآه نطق بمنطق مذموم غير ناص ولا مقبول، فقال: يا هذا، إن عورات الرجال بين أرجلهم، وإن عورتك لبين فكيك، وهذا في هذا الباب مقنع إن شاء الله.

أدب الحديث:

فأما أدب الحديث فإن أصله وعمدته، وبهاءه وزينته اتقاء الخطأ فيه والزلل واللحن والخطل، ثم أن يكون حقاً سالماً مما يهجنه من معايب القول التي قدمنا ذكرها، ثم أن يقدر المحدث مقدار كلامه، ومقدار نشاط مستمعه فلا يحمله منه ما يضجره ويقصر عنه شيئاً، وإلا وقع من مخاطبه موقع إياس بن معاوية من ابن شبرمة فإن ابن شبرمة قال له: أنا وأنت لا نتفق، قال: ولم؟ قال: لأنك لا تشتهي أن تسكت، وأنا لا أشتهي أن أسمع، وألا يردد القول إذا أعجبه؛ فإن في التوراة لا يعاد الحديث مرتين.

وروي أن ربيعة الرأي تكلم يوماً فأعجبه كلامه فقال لأعرابي:

حضر: ما تعدون العي فيكم؟ قالوا: ما أنت فيه منذ اليوم.

وتكلم ابن السماك في قصصه فردد أشياء من مواعظه، فقالت له جاريته: لم تردد كلامك؟ فقال: ليفهمه من لا يفهمه، فقالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه [يكون] قد مله من فهمه؛ وألا يكون نزر الكلام فينسب إلى العي، ولا كثير الكلام فينسب إلى الهذر. بل يتوسط في منطقة، فإن خبير الأمور أوسطها، وإذا أعجبه الكلام فليصمت، وإذا أعجبه الصمت فليتكلم، فإن البركة في مخالفة الهوى، وأن يتجنب الأيمان في حديثه، فإنما يحمل الرجل على اليمين إحدى ثلاث خلال: إما مهانة يجدها في نفسه، وقد وصف الله - سبحانه - الحلاف بذلك فقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ أوعى في الكلام، فهو يجعل الأيمان حشواً له، أو تهمة ظهرت منه، فهو لا يثق من الناس بتصديقه إلا بعد اليمين، ولذلك قال بعض الأعراب في بعض ما تكلم به: والله فإنها مهانة أو فجور أي: بأن الإنسان لا يحلف بالله إلا من فجور قد ظهر منه فأحوجه إلى استعمال اليمين حتى يصدق، أو مهانة يجدها في نفسه، ولا يبتدي كلامه إلا بعد أن يتروى فيه، فإن الرجوع عن الصمت إلى الكلام، أحسن من الرجوع عن الكلام إلى بعد الشروع فيه.

وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه أوصى رجلاً سأله أن يخصه بشيء من العلم، فقال له: أمستوص أنت؟ فقال نعم

فقال: إذا أردت أمراً فتدبر عواقبه، فإن كان خيراً فامضه، وإن كان شراً فانته عنه، وأن يخزن كلامه إلا عند إصابة المواضع، فإنه ليس في كل حين يحسن الصواب. وإنما تمام الإصابة بإصابة الموقع، فإن أخطأه دخل على كلامه الهجنه ولم يبلغ به البغية، وألا يحضر كلاماً لم يحضره، ولا يدخل بين اثنين في شيء لم يدخل فيه، ولا يجيبن عن شيء لم يسأل عنه، وألا يجيب من خاصمه وأغضبه بجواب الغضب والشر، فإنه ربما ظهرت عليه عند الغضب أمارات تصدق عليه قول العائب له، ولكن ليكن جوابه بالحلم والوقار، فإن الغلبة للحليم، وليعلم أن جهل خصمه يبين عن فضله إذا لم يقابله، فقد قيل: لولا جهل الجاهل ما عرف عقل العاقل.

وقد قال أمير المؤمنين ﵇ "الغالب بالشر مغلوب" وألا يتهاون بالكذبة تحفظ عليه في الجدر أو الهزل، فإنها سريعة في إبطال ما يأتي من الحق، وقد قال رسول الله ﷺ "إن الرجل ليكذب الكذبة فلا يزال بها حتى يصير عند الله كاذباً"، وإذا سئل غيره فلا يسلب الجواب منه، وإذا حدث أنصت لمحدثه، وإن كان يعرف الحديث فقد روي عن الأحنف:

تجنب في حديث جليسك ثلاثاً: الإعراض عنه، وسوء الاستماع

منه، وإن تريه أنك قد عرفت ما أراد.

وإذا بلي بالجواب عن شيء قد سئل عنه هو وجماعة معه، فلا يبادرهم بالجواب، فيكونوا متعقبين لقوله، آخذين بأحسنه، ممكنين من عيبه، بل يكون آخرهم جواباً، فإنه يجمع بذلك أخذ محاسن قولهم، وتعقب آثارهم، والسلامة من عيبهم وطعنهم، وليدع التطاول في المجالس على أهلها بالقول مما يعرض له من الصواب لئلا يظنوا أنه يريد التكبر عليهم، والوضع منهم فيعاودوه، وليكن قصده بحضرة العلماء أن يعرفوا منه أنه على الاستماع أحصر منه على القول، فإن نازعته نفسه إلى القول بحضرتهم - وهم نقاد القول وجابذته - فلا يخرجن منه إليهم إلا ما كان صحيحاً جائزاً، وليستحسن من تكذيب صاحبه في حديثه. وإن كذب فأراد تنبيهه على كذبه تلطف له في ذلك بألطف القول، فإنه يجمع بذلك البقيا على مودته، وقضاء حقه في التأني لإصلاح خلقه، وليحدث الناس بما يعرفون، ويعفيهم مما يكرهون، تدوم له بذلك مودتهم. وقد روي عن الصادقين ﵈: "رحم الله من حببنا إلى الناس بأن حدثهم عنا بما يعرفون" وليعلم أن لسانه آفة مرسلة عليه إذا أطلقه فليضبطه.

وقد روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال لابنه عبد الله: يا بني احفظ لسانك إلا مما لك، وانه نفسك إلا عما أمرت به، وإذا غلب على الكلام فلا يغلب على السكوت، فقد قيل: إذا فاتك المنطق،

فلا يفوتك الصمت، واستشعر ما وصى به أكثم بن صيفي بعض ولده فإنه قال له: "ومن الجمال والمروءة أن تكون عالماً كجاهل، وناطقاً؟ ؟ ؟ ؟ ؟، والعلم مرشده والصمت محمدة، وفضل القول على العمل لؤم، وفضل العمل على القول كرم، ولم يلزم الكذب شيئاً إلا غلب، والانقباض عن الناس مكسبة لعدوانهم، والتقرب منهم مجلبة لقريبن السوء، فكن من الناس بين المنقبض والمشترك، فإن خير الأمور أوساطها، ومن لم يكن له من نفسه واعظ تمكن منه عدوه على شر فعله، ولا ينبغي أن يمنعه حذر المراء من حسن المجادلة، ولا خوف العي من استعمال الصمت في وقته، وليعلم أن الرجل قد يكون زميتاً فيحمله الحرص على أن يقال لسن، والخوف من أن يقال عي على أن يتكلم في غير موضعه، فيصير ما هرب منه خيراً مما أقع نفسه فيه وليعلم أن من عاب للناس وذكر مساوئهم جمع مع الإثم في الغيبة التي نهى الله عنها الاستهداف لعيبهم، والتعرض لشر قولهم وقد قال الشاعر:

ومن دَعَا الناسَ إلى ذَمِّهذَمُّوه بالحقِّ وبالباطِلِ
للشاعر ابن قنبر المازني، اقرأ القصيدة

(مقَالةُ السُّوء إلى أهلها .. أسرَعُ من مُنْحدِرِ سائلِ)

وقال آخر:

ولا ينتطلِق منكَ اللِّسان بسَوءةفللناس عوراتٌ وللناس ألسن

وليعلم أنه ليس من علم يذكره عند غير أهله إلا عاوده واستثقلوه، فلا تجالس أحداُ بغير طريقته، ولا تحدثه إلا بما يستحقه فإن للعلم حقين: أحدهما بذلة لمستحقيه، والآخر صرفه عمن ليس من أهله، وألا تستعمل المزاح إلا في الأحوال التي يخرج بها من حد العبوس، ومتى زاد في المزح على إنسان فأجابه بما يحرك من طبعه، فلا يلومن إلا نفسه إذ ليس من العدل أن يغضب من شيء وهو المبتدئ به، فقد قال حكيم العرب:

(وأوّل راضٍ سُنّة من يَسُنّها)

وينبغي أن تتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن القول، وهذا آخر باب العبارة، وقد أتينا بجمل مما حضرنا فيه تغني عن الإطالة إن شاء الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين

النص من طبعة مكتبة الشباب بالقاهرة (١٣٨٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البرهان في وجوه البيان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.