من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)
٣٥- جماعة من الشعراء
أخبرنا محمد بن محمد القصرى. قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: ماتت أمّ سليمان بن وهب، فجاءه أبو أيوب ابن أخت أبى الوزير فعزّاه، وقال: لابد من أن تسمع مرثيتى لها رحمها الله تعالى، قال: هات، أعزّك الله! فأنشده:
لأمّ سليم نعمة مستفادةعلينا كسلّ المرهفات البواتر
عرانى همّ آخذ بالحناجرلأمّ سليم من كرام العناصر
وكنت سراج البيت يا أمّ سالمفسار سراج البيت وسط المقابر
فجزاه خيرا، وانصرف.
فأقبل سليمان بن وهب على الناس، فقال: ما امتحن أحد بمثل محنتى؛ ماتت أمى، وهى أعزّ النّاس علىّ، ورثيت بمثل هذا الشعر، وكنيت بكنيتين لا نعرف واحدة منهما، وجعلت أنا مرّة سليما- مصغّرا ومرة سالما، وترك اسمى الذى سمّانى به أبواى؛ فمن محن بمثل محنتى! أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى عون بن محمد الكندى، قال: حدثنى الجاحظ سنة ثلاثين ومائتين، قال: حدثنى أبو نواس أنه غاب عن بغداد، فقدم إليه رجل؛ فقال له: هل من خبر؟ فقال: نعم، أنشد بعض الشعراء مدحا فى زبيدة- وهى تسمع، فقال:
أزبيدة ابنة جعفرطوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ماتعطى الأكفّ من الرّغاب
فوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم، وقالت: أراد خيرا فأخطأه، ومن أراد خيرا فأخطأ أحبّ إلينا ممن أراد شرّا فأصاب؛ سمع قولهم: شمالك أندى من يمين غيرك،
وقفاك أحسن من وجه غيرك؛ وظنّ أنه إذا قال هذا كان أبلغ فى المديح. أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
قال: فقلت له: والله لو ورد هذا على العباس جدّها رضى الله تعالى عنه- فإنه النهاية فى العقل - ما كان عنده من الحلم والاحتمال أكثر من هذا! قال: وقال الجاحظ بعقب هذا الحديث: كانت زبيدة أعقل الناس، وأفصح الناس.
أخبرنى عبد الله بن سليمان أنّ أحمد بن سليمان بن وهب كتب إلى أبى أحمد عبيد الله بن طاهر كتابا ضمّنه هذين البيتين لبعض الأعراب:
وعهدى بليلى وهى ذات ذؤابةتردّ علينا بالعشىّ المراميا
فشبّ بنو ليلى وشب بنوابنهاوهذى بقايا حبّ ليلى كماهيا
فأجابه أبو أحمد جوابا يقول فيه: وأما البيتان اللذان ذكرتهما وحثثت بهما على الوفاء فقد استحسنتهما واحتجت إلى الاستثبات فى قوله:
تردّ علينا بالعشىّ المراميا
وأى شىء أراد بالمرامى؟ فإن الذى يعرف أنّ المرامى جمع مرمى، والمرمى المقذف، وهو مصدر رمى رميا كما ترى، فإن كان أراد بالمرامى النبل فهو موجود فى كلام العرب، وله شاهد. وكأن قوله:
شبّ بنو ليلى وشبّ بنو ابنها
يقتضى أن يكون قال: «شبّ بنو ابنها منه، أو من غيره! فإنه لم يقدّم ذكرا لملكه إياها، وأنها أمّ ولده؛ وإن كانوا يتكلمون على علم المخاطب- ويروى أنّ البلاغة لمحة دالّة، وكأنّ من سمع البيتين مع استحساننا جميعا إياهما وقف على قوله: «بقايا حبّ.
ليلى» وأراد منه ألّا يكون ذكر البقايا، وأن يكون احتال حتى جعل مكانها أوّل الافتتاح،
وإن كان لم يكذب فى هذا خاصة، فمرّ بى عند هذا ما لم يتبين لى فيه مطعن، وهو قول بعضهم:
وعهد بنعم أول العهد أنّهاكعاب فزادتنى صبا وتصابيا
فقد شاب منها نسلنا وتناسلواوعادت بقايا حبّ نعم بواديا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع