من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الْمُؤَنَّث الْمَعْنَوِيّ
وَفِي هَذَا الْخَبَر مَوضِع ذَكَرَ فِيهِ الْمُؤَنَّث، وَهُوَ قَوْله: وأطفأتَ بالْبُرهان نَارا تضرما، وَيُرِيد تضرمت وَفِيه قبح فِي الْعَرَبيَّة، وَالْوَجْه الَّذِي يعتل بِهِ فِيهِ عَلَى ضعفه أَنَّهُ ممّا تأنيثه لَفْظِي غَيْر معنوي حَقِيقِيّ، وَقد أَتَى مثله فِي الشّعْر فَمِنْهُ قَول الشَّاعِر:
فَلا مُزْنَةَ وَدَقَتْ وَدَقَهَاوَلا أَرْضَ أَبْقَلَ أَبْقَالَها
فَذَكَرَ فعل الأَرْض وَهِي أُنْثَى، وَلَو قَالَ: أبقلت ابقالها لأنث وَلم يذكّر، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ تَارِكًا للهمزة، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
عُدِّي لِغَيْبَتِي أشْهُرًاإِنِّي لَدَى خَيْرِ المَقَاوِل
وَقَالَ الْأَعْشَى:
وَإِن تعهديني وَلِيَ لمةٌفإنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بِها
قَالَ بَعضهم: أَرَادَ الْحِدْثان، وَقَالَ بَعضهم: ذكّر إِذْ لَمْ يكن التَّأْنِيث فِيهِ حَقِيقِيًّا، وَلَو قَالَ: أودت بهَا لصحّ الْإِعْرَاب واستقام الْوَزْن، إِلَّا أَنَّهُ يكون قَدْ أَتَى بِبَيْت غَيْر مردف فِي كلمة جَمِيع أبياتها مردفة، وَهَذَا عيب عِنْدَ أَهْلَ الْعلم بصناعة القوافي، وَقد تَأَول قَوْمٍ من أَهْلَ الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ قِرَاءَة من قَرَأَ " كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا " بِفَتْح الطَّاء عَلَى الْجمع، أَنَّهُ بِمَنْزِلَة قَول أبي ذُؤَيب:
لَوْ أنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرِ أَحدَاأحْيَا أَبَاكَ لَنَا طُولُ التماديحِ
وَمثله:
إِذْ هِيَ أحْوَى من الرِّبِعيِّ، حاجبهُوالعينُ بالإِثْمِدِ الحَارِي مَكْحُول
وَالصَّوَاب عندنَا من القَوْل فِي وَجه قُراءة من قَرَأَ قطعا بِالتَّحْرِيكِ أنَّ نَصبه مظلمًا عَلَى الْحَال وَالْمعْنَى من اللَّيْل فِي حَال إظلامه أَي شدَّة ظلمته، والكوفيون من النَّحْوِيين يَقُولُونَ: هُوَ مَنْصُوب على قطع النكرَة من الْمعرفَة، وَالْمعْنَى من اللَّيْل المظلم، وَفِيه موضعان شَذَّ لَفْظهمَا عَنِ الْوَجْه الْأَصَح الأعرف فِي مقاييس الْعَرَبيَّة فِي الْإِعْرَاب وَالْبناء، أَحدهمَا قَول جميل:
وَأَن أمت يوافقُ فِي الْمَوْتَى
بِرَفْع يُوَافق وَكَانَ سَبيله بجزمه عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْعَرَبيَّة فِي بَاب الشَّرْط وَالْجَزَاء، وَقد أَتَى مثله ممّا رُدَّ إِلَى أَصله فِي الرّفْع وَلم ينْقل بالجزاء إِلَى الْجَزْم فِي أَبْيَات من الشّعْر مِنْهَا:
يَا أقرعُ بْن حابسٍ يَا أقرعُ
إِنَّك إِن يُصْرَعْ أَخُوك تُصرعُ
وَقد حمل قَوْمٍ هَذَا عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك، وَمثل هَذَا فِي بَيت جميل أَن يجْرِي عَلَى أنَّ مَعْنَاهُ: ويوافق فِي الْمَوْتَى وضريحي ضريحها إِن أمت، وَذهب آخَرُونَ فِي هَذَا إِلَى إِرَادَة الْفَاء كَأَنَّهُ أَرَادَ فتصرع ويوافق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع