تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

الشُّعَرَاء عَلَى بَاب عُمَر بْن عبد الْعَزِيز

حَدثنَا مُحَمَّد بن قَاسم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد

الرَّحْمَن الجوهريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الضَّحَّاك، قَالَ: أَخْبَرَنَا الهَيْثَم بْن عَدِيّ، عَنْ عوَانَة بن الحك، قَالَ: لمّا استُخلف عُمَر بْن عبد الْعَزِيز وَفد الشُّعَرَاء إِلَيْهِ فأقاموا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ، الرحيل، إِذْ مرّ بهم رَجَاء بْن حَيْوَة. وَكَانَ من خطباء أَهْلَ الشَّام فَلَمّا رَآهُ جرير دَاخِلا عَلَى عُمَر أنشأ يَقُولُ:

يَا أيُّها الرجلُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُهَذَا زمانُك فَاسْتَأْذن لَنَا عُمَرا

قَالَ: فَدخل وَلم يذكرْ من أَمرهم شَيئًا، ثُمَّ مر بهم عَدِيّ بْن أَرْطَأَة، فَقَالَ لَهُ جرير:

يَا أيُّهَا الراكبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَههَذَا زَمانُك إِنِّي قَدْ مضى زَمَني
أَبْلغْ خَليفَتَنَا إِنْ كنتَ لاقيهِأَنِّي لَدَى الْبَاب كالمَصْفُودِ فِي قَرَنِ
للشاعر جرير، من قصيدة «يا أيها الرجل المرخي عمامته»
لَا تَنْسَ حاجتنا لُقِّيت مَغْفرةًقَدْ طَال مُكثِيَ عَنْ أَهلِي وَعَن وَطَنِي

قَال: فَدخل عَدِيّ عَلَى عُمَر، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! الشُّعَرَاء ببابك وسهامهم مَسْمُومَة وأقوالهم نَافِذَة، قَالَ: وَيحك يَا عدي! مَا لي وللشعر، قَالَ: أعزَّ اللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَسُول الله ﷺ قَد امتُدِح فَأعْطى، وَلَك فِي رَسُول الله ﷺ أسوت حَسَنَة، فَقَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: امتدحه الْعَبَّاس بْن مرداس السُّلَميّ فَأعْطَاهُ حُلةً قطع بهَا لِسَانه، قَالَ: أَوْ تروي من قَوْله شَيئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأنْشد:

رَأَيْتُكَ يَا خَيْرَ البريَّةِ كُلِّهانشرتَ كتابا جَاءَ بالحقِّ مَعْلَما
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «رأيتك يا خير البرية كلها»
شَرعت لَنَا دينَ الْهُدي بَعْدَ جَوْرِناعَنِ الحَقِّ لمّا أصبح الحقُّ مُظْلما
ونورتَ بالْبُرهان أمرا مُدَنَّساوَأَطْفَأت بالبرهان نَارا تَضَرّما
فَمن مبلغ عني النبيَّ مُحَمَّداوكلُّ أمرئ يُجزي بِمَا كَانَ قدما
أَقمت سَبِيل الْحق بَعْدَ اعوجاجهوَكَانَ قَدِيما رُكْنه قَدْ تهدَّما
تَعَالَى عُلوًّا فَوق عرش إلهناوَكَانَ مَكَان اللَّه أَعلَى وأعظما
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «رأيتك يا خير البرية كلها»

قَالَ وَيحك يَا عَدِيّ! من بِالْبَابِ مِنْهُم؟ قَالَ: عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعَة، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ:

ثُمَّ نبهتُها فهبّتْ كِعابًاطفلةً مَا تبينُ رَجْعَ الكلامِ
سَاعَة ثُمَّ إنّها بَعْدُ قَالَتْوَيْلَتا قَدْ عجلتَ يَا ابنَ الكرامِ
للشاعر العرجي، من قصيدة «جن قلبي بذكر أم الغلام»
أَعلَى غير موعدٍ جئتَ تَسْريتَتَخَطى إليّ رُوسَ النيامِ
للشاعر العرجي، من قصيدة «جن قلبي بذكر أم الغلام»
مَا تجشمتَ مَا يزين من الأمْرِ وَلَا جِئْت طَارِقًا لخصامِ

فَلَو كَانَ عَدُوَّ اللَّه إِذْ فجر كتم نَفسه، لَا يدخلُ عليّ وَالله أبدا، فَمن بِالْبَابِ سواهُ؟ قَالَ: هَمّام بْن غَالب، يَعْنِي الفرزدق، قَالَ: أوليس هُوَ الَّذِي يَقُول:

هما دلتاني من ثَمَانِينَ قامةًكَمَا انقضَّ بازٍ أقْتَم الريشِ كاسرُهُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فَلَمّا اسْتَوَت رجلاي بِالْأَرْضِ قَالَتَاأَحَي يُرَجّى أم قتيلٌ نُحاذِرُه

لَا يطَأ وَالله بساطي، فمنْ سواهُ بِالْبَابِ مِنْهُم؟ قَالَ: الأخطل، قَالَ: أُدي! هُوَ الَّذِي يَقُولُ:

ولستُ بصائمٍ رَمَضَان طَوْعًاولسب بآكلٍ لَحْم الأضَاحِي
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لست بصائم رمضان طوعا»
ولستُ بزاجرٍ عَنْسًا بكُورإِلَى بطحاء مكَّة للنجاح
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لست بصائم رمضان طوعا»
ولستُ بقائم كالعيرِ يَدْعُوقُبَيْلَ الصُّبْح حَيَّ عَلَى الْفَلاح
وَلَكِنِّي سأشربها شمولاوأسجدُ عِنْدَ منبلج الصَّباح
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لست بصائم رمضان طوعا»

وَالله لَا يدْخل عَليّ وه وَكَافِر أبدا، فَهَل بِالْبَابِ سوى من كرت؟ قَالَ: نَعَم الْأَحْوَص، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ:

اللَّه بيني وَبَين سَيِّدِهَايَفِرُّ مِنِّي بهَا وأتّبِعُه

غرِّبْ عَنْهُ، فَمَا هُوَ بِدُونِ من ذكرت، فَمن هَاهُنَا أَيْضا؟ قَالَ: جميل بْن مُعَمَّر قَالَ: يَا عَدِيّ هُوَ الَّذِي يَقُولُ:

أَلا لَيْتنَا نَحْيا جَمِيعًا وَإِن تَمُتْيُوَافق فِي موتِي ضَرِيحي ضَرِيحُها
فَمَا أَنَا فِي طولِ الْحَيَاة براغبٍإِذَا قيل قَدْ سُوِّي عَلَيْهَا صَفِيحُها
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد ذرفت عيني وطال سفوحها»

فَلَو كَانَ عَدو اللَّه تمنى لقائها فِي الدُّنْيَا ليعْمَل بَعْدَ ذَلِكَ صَالحا، وَالله لَا يدْخل عليّ أبدا، هَلْ سوى من ذكرت أحد؟ قَالَ: جرير بْن عَطِيَّة، قَالَ: أما إِنَّهُ الَّذِي يَقُولُ:

طَرَقتْكَ صائدةُ القلوبِ وَلَيْسَ ذَاحينَ الزيارةِ فارْجِعي بسلامِ
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»

فَإِن كَانَ لَا بُد فَهُوَ، قَالَ فَأذن لجرير، فَدخل وَهُوَ يَقُولُ:

إِن الَّذِي بعث النَّبِي مُحَمَّداجعل الْخلَافَة فِي الإِمَام العادلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «إن الذي بعث النبي محمدا»
وسع الْخَلَائق عدلُه ووفاؤهحَتَّى ارعوى وَأقَام ميل المائلِ
إِنِّي لأرجو مِنْك خيرا عَاجلاوَالنَّفس مولعةٌ بحب العاجلِ

فَلَمّا مثل بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: وَيحك يَا جرير، اتَّقِ اللَّه وَلَا تقولن إِلَّا حَقًا، فَأَنْشَأَ جرير يَقُولُ:

أأذكُر الْجُهْدَ والبَلْوى الَّتِي نَزَلَتْأم قَدْ كَفَانِي مَا بُلِّغْتَ من خَبَري
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
كَمْ باليمامةِ من شَعْثَاءَ أرملةٍوَمن يتيمٍ ضعيفِ الصَّوتِ والنظرِ
مِمن يعدُّك تَكْفِي فقدَ والدهِكالفرخ فِي الْعُشِّ لَمْ يَنْهَض وَلم يَطرِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
يَدْعُوك دعة ملهوفٍ كَأَن بِهِخَبَلا من الْجِنِّ أَوْ مَسًّا من النشرِ
خليفةَ اللَّهِ مَاذَا تأمُرُون بِنَالَسْنا إِلَيْكُم وَلَا فِي دَار منتظر
مَا زلتُ بعدَك فِي هَمٍّ يُؤَرِّقُنِيقَدْ طَال فِي الحَيِّ إصْعَادي وَمُنْحَدِرِي
لَا ينفع الحاضِرُ المجهودُ بادِيَنَاوَلا يعودُ لَنَا بادٍ عَلَى حَضِرِ
إِنَّا لنرجُو إِذَا مَا الغيثُ أَخْلَفَنَامن الْخَلِيفَة مَا نرجو من المَطَرِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًاكَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
هذي الأرامل قَدْ قَضَّيْت حاجَتَهافمَنْ لحاجةٍ هَذَا الأرمل الذَّكَرِ
الخيْر مَا دمتَ حَيًّا لَا يفارقنَابُوركْتَ يَا عُمَر الخَيْرَاتِ من عمرِ

فَقَالَ: يَا جرير! مَا أرى لَك هَاهُنَا حَقًا، فَقَالَ: بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنَا ابْن سَبِيل ومنقطع بِي، فَأعْطَاهُ من صلب مَاله مائَة دِرْهَم، وَقد ذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: وَيحك يَا جرير! لَقَدْ ولينا هَذَا الْأَمر وَمَا نملك إِلَّا ثلثمِائة دِرْهَم، فمائة أَخذهَا عَبْد اللَّه وَمِائَة أَخَذتهَا أم عَبْد اللَّه، يَا غُلَام أعْطه الْمِائَة الْبَاقِيَة، قَالَ: فَأَخذهَا وَقَالَ: وَالله لهي أحب مِمَّا اكتسبته إليَّ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لَهُ الشُّعَرَاء: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: مَا يسوءكم، خرجت من عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ يُعْطي الْفُقَرَاء، وَيمْنَع الشُّعَرَاء، وَإِنِّي لراض، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

رَأَيْت رُقَى الشَّيْطَان لَا تستفزّهوَقد كَانَ شيطاني من الْجِنِّ رَاقيا

وَقد كتبنَا هَذَا الْخَبَر من طُرق أُخْرَى، والقصص فِيهَا مُخْتَلفَة فِي مَوَاضِع، عَلَى تَقَارُب جُمْلَتهَا ولعلنا نأتي بهَا فِيمَا يسْتَقْبل من مجَالِس كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ اللَّه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس السَّادِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.