من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
تشدد الْقُضَاة فِي الْحق، وَتَقْدِير الْخُلَفَاء لَهُم
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْبُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ، قَالَ: حَدثنِي عمر ابْن أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ نُمَيْرٍ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: قَدِم عَلَيْنَا أَمِيرُ الؤمنين الْمَنْصُورُ الْمَدِينَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
عِمْرَانَ الطَّلْحِيُّ عَلَى قَضَائِهِ وَأَنَا كَاتِبُهُ، فَاسْتَعْدَى الْحَمَّالُونَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَيْءٍ ذَكَرُوهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْهِ كِتَابًا بِالْحُضُورِ مَعَهُمْ أَوْ إِنْصَافِهِمْ، فَقُلْتُ: تُعْفِينِي مِنْ هَذَا فَإنَّهُ يَعْرِفُ خَطِّي، فَقَالَ: اكْتُبْ، فَكَتَبْتُ ثُمَّ خَتَمَهُ وَقَالَ: لَا يَمْضِي بِهِ وَاللَّهِ غَيْرُكَ، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى الرَّبِيعِ وَجَعَلْتُ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ فَقَالَ لِلنَّاسِ - وَقد حَضَره وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالأَشْرَافُ وَغَيْرُهُمْ -: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكُمُ: " إِنِّي قَدْ دُعِيتُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَلا أَعْلَمَنَّ أَحَدًا قَامَ إِلَيَّ إِذَا خَرَجْتُ أَوْ بَدَأَنِي بِالسَّلامِ "، ثُمَّ خَرَجَ وَالْمُسَيَّبُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالرَّبِيعُ وَأَنَا خَلْفَهُ، وَهُوَ فِي إزارٍ ورداءٍ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ فَمَا قَامَ إِلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى بَدَأَ بالقبر فَسلم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الرَّبِيعِ فَقَالَ: يَا رَبِيعُ! وَيْحَكَ أَخْشَى إِنْ رَآنِي ابْنُ عِمْرَانَ تَدْخُلُ قَلْبَهُ هيبةٌ فَيَتَحَوَّلُ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَبِاللَّهِ لَئِنْ فَعَلَ لاولي لِي وِلايَةً أَبَدًا، فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَ متكأً أَطْلَقَ رِدَاءَهُ عَنْ عَاتِقِهِ ثُمَّ احْتَبَى بِهِ، وَدَعَا بِالْخُصُومِ الْحَمَّالِينَ، ثُمَّ دَعَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَضَى لَهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَالَ لِلرَّبِيعِ: اذْهَبْ فَإِذَا قَامَ وَخَرَجَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْخُصُومِ فَادْعُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا دَعَاكَ إِلا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ جَمِيعًا، فَدَعَاهُ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سلّم، فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ نَبِيِّكَ وَعَنْ حَسَبِكَ وَعَنْ خَلِيفَتِكَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ، قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ فَاقْبِضْهَا، فَكَانَتْ عَامَّةُ أَمْوَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ من تِلْكَ الصِّلَةِ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع