تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

خبر زَيْد بْن مُوسَى الْمَعْرُوف بالنَّار

وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَارِثِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الغَلابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمَّا أُدْخِلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ وَبَّخَنِي، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ، فَجِيءَ بِي إِلَى الرِّضَا فَتُرِكْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاعَةً وَاقِفًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا زَيْدُ سَوْءَةً لَكَ، مَا أَنْتَ قائلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ سَفَكْتَ الدِّمَاءَ وَأَخَفْتَ السَّبِيلَ، وَأَخَذْتَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ؟ لَعَلَّكَ غَرَّكَ حَدِيثَ حَمْقَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فرجهَا فَحرم الله زريتها عَلَى النَّارِ، وَيْلَكَ! إِنَّمَا هَذَا لِمَنْ خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْن فَقَط لَا لي وَلَك، وَاللَّهِ مَا نَالُوا ذَلِكَ إِلا بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنَالَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا نَالُوهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿ إِنَّكَ إِذًا لأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ ﷿ مِنْهُمْ.

زَيْدٌ هَذَا امْرُؤٌ يُعْرَفُ بِزَيْدِ النَّارِ، وَلَهُ أخبارٌ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ وَلَدِهِ قَدِمَ مِنْ بِلادِ الْعَجَمِ إِلَى الْعِرَاقِ وَنُوزِعَ فِي نَسَبِهِ، وَكَانَ لَهُ حججٌ فِي دَعوته كَانَت مِنِّي معونةٌ لَهُ، فَهَذَا الَّذِي حَكَى لَنَا عَنِ الرِّضَا هُوَ اللائِقُ بِفَضْلِهِ وَدِيَانَتِهِ وَنُبْلِهِ وَنَبَاهَتِهِ، وشرفه ونزاهته، وَقد اتبع فِي سَبِيلَ سَلَفِهِ، وَاهْتَدَى بِالْمُصْطَفِينَ مِنْ آبَائِهِ الْمُكَرَّمِينَ بِالنُّبُوَّةِ وَالإِمَامَةِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى كِتَابُ اللَّهِ ﷿، قَالَ اللَّهُ ﵎: " فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رسولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شاعرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كاهنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُم من أحدٍ عَنهُ عاجزين "، فَانْظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ فِي خَيْرِ النَّاسِ عِنْدَهُ وَأَسْعَاهُمْ فِي مرضاته، وأعلمهم بِطَاعَتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لَهُ، وأَوْرَعِهِمْ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَأَعْرَفِهِمْ بِهِ، وَأَحْفَظِهِمْ لِحُدُودِهِ، وَأَعْلَمِهِمْ بِشَرَائِعِهِ، وَأَفْقَهِهِمْ فِي دِينِهِ، وَأَنْصَحِهِمْ لِخُلُقِهِ، وَأَكْرَمِهِمْ عَلَيْهِ، إِعْلامًا مِنْهُ لِعِبَادِهِ، أَنَّهُ لَا مُحَابَاةَ لَدَيْهِ فَذَكَرَ أَمْكَنَ الرُّسُلِ عِنْدَهُ، قَصْدًا إِلَى تَحْذِيرِ خَلْقِهِ، وَتَخْوِيفِ عِبَادِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولتكونن من الخاسرين "

فَخَصَّهُ بِخِطَابِهِ وَهُوَ يُرِيدُ غَيْرَهُ، تَشْرِيفًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وَدَلالَةً عَلَى خَطَرِ مَا ذَكَرَهُ لَهُ، كَمَا خصّه بقوله: " يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء " وَهَكَذَا قَصَّ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ غَيْرِهِ مِنْ عِلْيَةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَذَكَرَ تَعَالَى جَدُّهُ فِي السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا الأَنْعَامَ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ ثُمَّ، قَالَ: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ ويوسف ومُوسَى وهرون وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كلٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ".

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ التَاسِع والثَلاثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.