تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

مرثية من أحسن المراثي

حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاسِم بْن الْحَسَن، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيّا بْن أَبِي خَالِد البلديّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْوَرَّاق، عَنِ الأَصْمَعِيّ، قَالَ: خرجت إِلَى مَقَابِر الْبَصْرَة فَإِذا امْرَأَة واقفةٌ عَلَى قبر، وَهِي تَنْدُب وَتقول:

هَلْ أخبر القبرُ سائِليهِوقرّ عينا بزائريه
أم هَلْ تُراه أحَاط علمابالجسد المستكن فِيهِ
للشاعر صعصعة بن صوحان، اقرأ القصيدة
يَا موت لَو تقبل افتداءًكنتُ بنفسي سأفتديهِ
أنْعِي بُرَيْدًا لمجتديهأنعي بُرَيْدًا لِمُعْتَفِيه
أنْعِي بُرَيْدًا إِلَى حزوبٍتَحسِرُ عَنْ منظرٍ كريهِ
أنْعَتُ من لَا يُحِيط علمابوصفه نَدْبُ واصِفيهِ
يَا جَبَلا كَانَ ذَا امْتنَاعوركنَ عِزٍّ لآمليهِ
يَا نَخْلةً طلعُها نضيدٌيَقْرُبُ من كفِّ مُجْتَنيهِ
وَيَا مَرِيضا عَلَى فراشٍتؤذيه أيْدي مُمَرِّضِيهِ
وَيَا صبورًا عَلَى بلاءٍكَانَ بِهِ اللَّه مُبْتَليهِ
يَا موتُ مَاذَا أردْتَ منيحققتَ مَا كنتُ أتّقِيهِ
للشاعر صعصعة بن صوحان، اقرأ القصيدة
دهر رماني بفقد إلفيأَذمّ دهري وأشتكيه
آمَنَكَ اللَّه كُلّ روعوكل مَا كُنْت تَتّقِيهِ
أسكنك اللَّه فِي محلٍّيقصرُ عَنْ وصفِ ذاكريهِ

قَالَ القَاضِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْه: هَذِهِ المراثي من أحسن المراثي وأبلغها من الْقُلُوب، للطف مَعَانِيهَا، ورقة حواشيها، وَقرب ألفاظها وعذوبتها، وسماحة مَجَاريها وطلاوتها، وَقل

مَا أثر فِي قلبِي منظوم تأثيرها عِنْد إنشادها، وَكَانَت لي ابْنة لَطِيفَة الْمحل من قلبِي، نَفِيسَةُ الْمنزلَة فِي نَفسِي، ذَات محَاسِن كَثِيرَة، وفضائِل غزيرة، وَرزقت حظًّا من حفظ التِّلَاوَة والآداب الدِّينِيَّة، مَعَ عقل رصينٍ ونزاهة وَدين، وَهبهَا الله ليبفضله ونِعْمتهِ، ثمَّ اسْتَأْثر بهَا بعدله ومشيئته، فَسلمت للرب ﷻ قَضَاءَهُ فِيهَا وَعرفت حسن اخْتِيَاره لي وَلها، إِذْ كَانَ خَالِقهَا أملك بهَا من والدها ومنشيها، وأرحم بهَا من ثاكلها، وصابرت عَظِيم الْمُصَاب بهَا، ورضيت بِثَوَاب اللَّه عوضا مِنْهَا، ولَهجْتُ بِهَذِهِ الأبيات الَّتِي قدمت ذكرهَا فَمَكثت زَمَانا أقطع ليلِي ونهاري بتَرْجِيعِها والترنم بهَا، وأستشفي بفيض دموعي وَرفع عفيرتي بتردادها، ولإعجابي بهَا رَأَيْت إتباعها بِذكر مَا حضرني من الْأَخْبَار الَّتِي تضمنتها أنسا مني بإعادتها، وَلَم أَدخل بعض الْآتِيَة بهَا فِي بعض إِذْ كَانَتْ قَدْ وقعتْ إليّ من جهاتٍ شَتّى وطرق مُخْتَلفَة.

فَمنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سُلَيْمَان الطُّوسيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَير، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْملك بْن قُرَيْب الْأَصْمَعِي: خرجت ذَات يوْم فِي الْبَادِيَة فَإِذا أَنَا بِامْرَأَة إِلَى جَانب قبر وَهِي تُشِير بِيَدِهَا، فَقلت: يَنْبَغِي أَن تكون هَذِهِ تندب أَوْ ترثي، فدنوت حَتَّى قربتُ مِنْهَا فَإِذا هِيَ تَقُولُ:

هَلْ خبر الْقَبْر سائِليهأم قرّ عينا بزائريه
للشاعر صعصعة بن صوحان، اقرأ القصيدة
أم هَلْ تُراه أحَاط علمابالجَسَدِ الْمُسْتكِنِّ فيهِ
للشاعر صعصعة بن صوحان، اقرأ القصيدة
لَو يعلم الْقَبْر من يُواريتَاهَ عَلَى كُلّ من بليه
يَا قبر لَو تقبلُ افْتِدَاءًكنتُ بنفسي سأفتديهِ
أنعي بُرَيْدًا إِلَى حُزُوبتَحسِرُ عَنْ منظرٍ كَرِيهِ
أندب من لَا يُحِيط علمابوصفه ندب نادبيه
يَا جبلا كَانَ فا امتناعٍةركن عِزٍّ لآمليهِ
أنعي بُرَيدًا لمجتنيهأنعي بُرَيدًا لمعتفيه
يَا نَخْلَة طلعُها نضيدٌيَقْرُبُ من كفِّ مجتنيه
تحلو نعم عِنْده سماحًاوطيبها راتب بِفِيهِ
أيا صبورًا عَلَى بلاءٍكَانَ بِهِ اللَّه مبتليه

قَالَ: عَبْد الْملك فَحفِظت مَا قَالَتْ، ثمَّ دَنَوْت إِلَيْهَا، فَقلت لَهَا: أعيدي لفظك رَحِمك اللَّه، قَالَتْ: أما وَالله لَو علمت أَن أحدا يَسْمَعُني مَا تفوهت بِهِ، قَالَ: فَقلت لَهَا: إِنِّي أَسأَلك أَلا أعَدْتِيه، فَقَالَت: يَا شيخ سوءةً لَك، أَقُول لَك مَا أَقُول وتعيد عَليّ الْكَلَام فَقلت لَهَا: إِنِّي أَسأَلك

إِلا سمعتيه مني، فَأَقْبَلت عَليّ بوجهها، وسفرت عَنْ قناعها، وَقَالَت: اللَّهُمَّ إِن يَأْتِ فِي الدُّنْيَا أصمعي فَهَذَا هُوَ، فَقلت: أَنَا هُوَ، من الْفَتى تندبين؟ فَقَالَت: أَخِي وَابْن أُمِّي.

وَرِوَايَة ثَالِثَة حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الغَلابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر، قَالَ: سَمِعْتُ الأَصْمَعِيّ أَنَّهُ أَتَى الْمَقَابِر ذَات يومٍ فَإِذا جاريةٌ كَادَت أَن تختفي بَيْنَ قبرين قِلة ودمامة، وَهِي تبْكي بقلب موجع، وكلامٍ حزينٍ، وَلَفظ كَأَنَّهُ خرزاتٌ نُظِمْن تحدَّرْن، وَقَدْ أدخلت رَأسهَا فِي لوح الْقَبْر، وَهِي تَقُولُ:

هَلْ أخبر الْقَبْر سائِليهأم قر عينا بزائريه
أم هَلْ ترَاهُ أحَاط علمابالبَدَنِ المستكنِّ فِيهِ
للشاعر صعصعة بن صوحان، اقرأ القصيدة
لَو يعلم الْقَبْر مَا يُواريتَاهَ عَلَى كُلّ من يليهِ
يَا موت لَو تقبل افتداءًكنتُ بنفسي سأفتديهِ
أنْعِي بُرَيدًا لمجتنيهأنعي بُرَيدًا لمعتفيه
أبْكِي بُرَيْدًا إِلَى حزوبٍتَحْسِرُ عَنْ منظرٍ كريهِ
يَا جبلا كَانَ ذَا امْتنَاعوركنَ عِزٍّ لآمليه
يَا نَخْلَة طلْعُها هضيمٌيَقْرُبُ من كفِّ مُجْتَنيهِ
وَيَا مَرِيضا عَلَى فراشٍتؤذيه أيْدي مُمَرِّضِيهِ
وَيَا صبورًا عَلَى بلاءٍكَانَ بِهِ اللَّه مُبْتَليهِ
يَا دهر مَاذَا أردْتَ منيحققتَ مَا كنتُ أتقيهِ
دهرٌ رماني بفقد صبريأذمُّ دَهْري وأشْتَكيهِ
ذهبت يَا موتُ بِابْن أُمِّيبالسيد الفاضلِ الوجيهِ

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الحَادي وَالأربَعوُنْ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.