من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
أوَّلُ من ذَكَرَ الحَيْسَ فِي شِعْره
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا شيخ ذكره يُقَالُ لَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن، حدّثه وَذهب عني اسْمه، عَنِ ابْن دأب، قَالَ: كَانَ ضَمْرَةُ بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة، سيدَ بني كنَانَة، وَقَدْ ضم وُلِد أَعْمَامه إِلَيْهِ فأغير عَلَى إبل لَهُ فَخرج أهلُه واستنقذوها، وَكَانَ أَشَّدهم بَأْسا أَحْمَر بْن الْحَارِث بْن عَبْد مَنَاة، فَلَمَّا رَدّوا الْإِبِل عَلَى ضَمْرَة عمل حَيْسًا فأطعمه ابْنه جُنْدُب إِذْ كَانَ أحمرُ قَدْ خرج، فَعمد أحمرُ إِلَى سلاحه فلبسه وَأخذ إبِله ورَحْله، وقَالَ: وَالله لَا سَاكَنْتُ ضَمْرَة أبدا وَقَدْ عرف حسن بلائي، وَهُوَ مقبلٌ عَلَى ابْنه دوني، وقَالَ:
يَا ضَمْرُ أخْبِرْني ولستَ بفاعلٍوأخُوك صادقُك الَّذِي لَا يكذب
هَل فِي الْقَضِيَّة أنْ إِذا استغنيتموأمنتم وَأَنا الْبعيد الأجنب
وَإِذَا الشَّدائدُ بالمخَنَّق مَرَّةًأشْجَتُكمُ فَأَنا الحبيبُ الأقربُ
وَإِذا تكون شَدِيدَة أدعى لَهَاوَإِذا يحاس الحيس يدعى جُنْدُب
عَجَبًا لتِلْك قَضِيَّة وإقامتيفِيكُم عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّة أعجبُ
فأكونُ فيكمْ مثلَ عبدِ أبيكمُلَا أُمَّ لي إِن كَانَ ذَاك وَلَا أبُ
فَقَالَ جُنْدُب:
لنا صاعٌ إِذا كِلْنَا خُصُومَنَانُطَفِّفُها ونُوفِي لِلْوَفِيّ
لأحمرَ حَيْسُهُ وَلنَا غِنَاناكَمَا أَغْنَى وَإِن عابوا الغَنِيّ
فَلِذَا قَالَ عَبيدُ بْن الأبرص
سنُهْدِي إليكمْ أيَّ هَاتين شِئْتُمُونُعْطِيكُمُ الصَّاعَ الَّذِي قَالَ جُنْدُب
الْمَشْهُور من الرِّوَايَة فِي هَذَا الشّعْر:
وَإِذَا تكون كريهةُ أُدْعَى لَهَا
وشديدةٌ أَيْضا، وَفِي الْبَيْت الَّذِي يَلِيهِ:
ذَاكُمْ وجَدِّكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِلَا أُمَّ لي
والهَوَانُ أَيْضا، وَقَدْ رُوِيَ: عجبٌ لتِلْك قَضِيَّة بِالرَّفْع، عَلَى أَنَّهُ - أَعنِي الْعجب - شيءٌ لَازم، مثل قَوْلهم: ويلٌ لَهُ، وَقَوله:
فتربٌ لأفْوَاهِ الْوُشَاةِ وجندلٌ
وَقَالُوا: تُرْبًا وجَنْدَلا، وتراباً، جَعَلُوهُ نَائِبا عَنِ الإِهانة والإِذلال.
وَرُوِيَ: عجبا لتِلْك، نصبا عَلَى إِضْمَار الْفِعْل، بمنزله قَوْلهم: سَقْيًا ورَعْيًا.
وَقد روى لَنَا هَذَا الْخَبَر - أَعنِي خبر ضَمْرة - عَنْ أَبِي مُحَمَّد الْأَنْبَارِي وَفِي بعض أَلْفَاظه اخْتِلاف، ولعلنا نخرجهُ فِيمَا يُسْتَقبل من مجالسنا هَذِهِ إِن شَاءَ اللَّه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع