من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مَا وَمن
قَالَ القَاضِي: قد ذهب قوم إِلَى أَن مَا تَأتي بِمَعْنى الَّذِي وَمن، وَالْأَصْل الظَّاهِر اخْتِصَاص من يعلم وَمن يعقل ب؟ من وَأَن مَا لما لَا يعقل ولجنس مَا يعقل، وان الَّذِي لَهما جَمِيعًا، وَمن أَحْكَام مَا أَنَّهَا قد تكون هِيَ وصلتها بِمَعْنى الْمصدر، وَقد حكى عَن بعض الْعَرَب: سُبْحَانَ مَا سبحت لَهُ، يعنون الرَّعْد، فَذهب بِهِ بَعضهم إِلَى معنى من وَكَذَلِكَ قَوْله: " وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا " الشَّمْس: وَقَالَ منكروه من محققي النُّحَاة: هَذَا كُله بِمَعْنى الْمصدر وَالْمعْنَى وبنائها وطحوها وتسويتها، وَقَالُوا: معنى " وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " النِّسَاء: وَأَيْمَانهمْ أَي ملك أَيْمَانكُم وَأَيْمَانهمْ كَقَوْلِك: أعجبني مَا صنعت أَي صنيعك. وَقيل فِي قَوْله: " وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى " اللَّيْل: أَنه بِمَعْنى: وخلقه الذّكر وَالْأُنْثَى، وَقيل غير ذَلِك. وَيُقَال: مَا زيد؟ فَيُقَال: إِنْسَان فَهَذَا صَحِيح فِي جنس مَا يعقل.
وَالْعجب من استخذاء الْفراء عِنْدَمَا احْتج عَلَيْهِ المؤتمن بِهِ وَكَيف لم يُورد شَيْئا مِمَّا
تعلق بِهِ الموافقون لَهُ فِي مذْهبه، وَقد كَانَت رتبته تجل عَن أَن يذهب هَذَا الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَأَن يَنْفَكّ عَن نصْرَة قَوْله وَالْقِيَام بِهِ، وَلَكِن رُبمَا ارتبك النحرير والبليغ المزير عِنْد شَيْء يفجؤه أَو عَارض يفدحه.
كتاب من عَمْرو بْن مسْعدَة إِلَى ابْن الزيات حَدثنَا عَليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم أَبُو طَالب الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي عَبد اللَّه ابْن هَارُون قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن مُوسَى البيمار ستاني، قَالَ أَبُو طَالب: أَحْسبهُ سَمعه من أبي عبد الله البيمار ستاني، هُوَ البرطني، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَفْص الْكرْمَانِي، وَكَانَ من كتاب عَمْرو بْن مسْعدَة، أَنه كتب إِلَى مُحَمَّد بْن عبد الْملك الزيات: أما بعد فَإنَّك مِمَّن إِذا غرس سقى وَإِذا أسس بنى، ليستتم بِنَاء أسه، يجتني ثَمَر غرسه، وبناؤك فِي ودي قد وهى وشارف الدُّرُوس، وغرسك عِنْدِي قد عَطش وأشفى على اليبوس. فتدارك بِنَاء مَا أسست، وغرس مَا زرعت. قَالَ أَبُو عبد الله البيمار ستاني: فَحدثت بذلك أَبَا عبد الرَّحْمَن العطوي فَقَالَ فِي هَذَا الْمَعْنى أبياتًا يمدح بهَا مُحَمَّد بْن عمرَان بْن مُوسَى بْن يحيى بْن خَالِد بْن برمك:
إِن البرامكة الْكِرَام تعلمُوافعل الْكِرَام فعلموه الناسا
كَانُوا إِذا غرسوا سقوا وَإِذا بنوالم يهدموا لبنائهم أساسًا
وَإِذا هم صَنَعُوا الصَّنَائِع فِي الورىجعلُوا لَهَا طول الْبَقَاء لباسا
فعلا تسقيني وَأَنت سقيتنيكأس الْمَوَدَّة من جفاتك كاسا
آنستني متفضلا أَفلا ترىأَن القطيغة توحش الإيناسا
منامان حَدثنَا عَبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الْفرج الوَاسِطِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن أَبِي الدُّنْيَا قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بْن عَبد اللَّه الْمقدمِي قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَليّ يحدث عَن هَارُون بْن رَحِيم قَالَ: رَأَيْت الْحسن بْن حبيب بْن ندبة فِي النّوم فَقلت: مَا صنع بك رَبك؟ قَالَ: مَا ترَاهُ صنع بِي؟ رحمني وأكرمني وَغفر لي وطيبني وَقَالَ: هَكَذَا أفعل بأبناء ثَلَاث وَثَمَانِينَ.
حَدثنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَليّ الديباجي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُونُس، قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: رأى رجل فِي الْمَنَام جرير بْن الخطفى فَقَالَ: مَا فعل بك رَبك؟ قَالَ: غفر لي، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بتكبيرةٍ كَبرت الله تَعَالَى فِي الْمقر قَالَ الْأَصْمَعِي: مَاء بالبادية قلت: فَمَا فعل أَخُوك الفرزدق؟ قَالَ: هَيْهَات أهلكه قذف الْمُحْصنَات، قَالَ الْأَصْمَعِي: لم يَدعه فِي الْحَيَاة وَلَا فِي الْمَمَات.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع