من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
أَنْت الَّذِي يكذب من يحدث بأنعم الله
؟
حَدثنَا أَبُو طَالب الْكَاتِب عليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْن مَنْصُور الزيَادي قَالَ حَدَّثَنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أَخْبَرَنَا معمر عَن زِيَاد بْن جبل عَن أَبِي كَعْب الْحَارِثِيّ، وَهُوَ ذُو الْإِدَاوَة، قَالَ: سمعته يَقُول: خرجت فِي طلب إبل لي ضوال، فتزودت لَبَنًا فِي إداوة، قَالَ ثُمَّ قلت فِي نَفسِي: مَا أنصفت رَبِّي فَأَيْنَ الْوضُوء؟ قَالَ: فهرقت اللَّبن وملأتها مَاء، فَقلت: هَذَا وضوء وَهَذَا شراب، قَالَ فَكنت أبغي إبلي فَإِذا أردْت أَن أتوضأ اصطببت من الْإِدَاوَة مَاء فَتَوَضَّأت، وَإِذا أردْت أَن أشْرب اصطببت لَبَنًا فَشَربته، فَمَكثت بذلك ثَلَاثًا فَقَالَت لَهُ أَسمَاء النجرانية: يَا أَبَا كَعْب أحقينًا كَانَ أم حليبًا، فَقَالَ: إِنَّك لظالمة، كَانَ
يعْصم من الْجُوع ويروي من الظمأ، أما إِنِّي حدثت بِهَذَا نَفرا من قومِي مِنْهُم عَليّ بْن الْحَارِث سيد بني قنان فَقَالَ: مَا أَظن الَّذِي تَقول كَأَن تَقول، قَالَ قلت: الله أعلم بذلك، قَالَ فَرَجَعت إِلَى منزلي فَبت لَيْلَتي تِلْكَ، قَالَ: فَإِذا أَنا بِهِ صَلَاة الصُّبْح على بَابي فَخرجت إِلَيْهِ، قَالَ فَقلت: يَرْحَمك الله لم تعنيت إِلَيّ؟ أَلا أرْسلت إِلَيّ فآتيك؟ قَالَ: لَا، فَإِنِّي أَحَق بذلك أَن آتِيك، مَا نمت اللَّيْلَة إِلَّا أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: أَنْت الَّذِي يكذب من يحدث بأنعم الله؟! موقف الْمُتَكَلِّمين من الكرامات
قَالَ القَاضِي: قد أنكر جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين أَن يظْهر الله تَعَالَى من آيَاته مَا يخرج عَن عادات النَّاس على مُرُور الزَّمَان وكرور الْأَيَّام إِلَّا لنَبِيّ، علما لَهُ شَاهدا بصدقه ودليلا على صِحَة نبوته، أَو فِي زمَان نَبِي وَنَفَوْا جَوَاز هَذَا وَأَن يُؤَيّد بِهِ أحد من الْآدَمِيّين لَيْسَ بني وَإِن كَانَ على غَايَة الصّلاح فِي دينه، وَالطَّهَارَة فِي نَفسه وَقُوَّة يقينه، وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة من أَشد النَّاس دفعا لَهُ وتكذيبًا لمن حكى شَيْئا مِنْهُ، وَقد كَانَ أَبُو بكر ابْن الإخشيد يُجِيز هَذَا إِذا جرى على يَد من لَيْسَ بِنَبِي إِذْ أيد بِهِ على وَجه يرجع إِلَى تَصْدِيق النَّبِي ﷺ وَالشَّهَادَة بِصِحَّة رسَالَته وَأَبُو بكر من أماثل الْمُعْتَزلَة فِي علمه وَبَيَانه وَنَظره وتدينه. وَرَأَيْت بعض من شَاهَدْنَاهُ من نظاري الْمُعْتَزلَة وَذَوي التدين مِنْهُم يُجِيز إِظْهَار مثل ذَلِك، هَذَا للصالحين وعَلى أَيدي الْأَبْرَار المخلصين، وَفِي ذكر مَا يحْتَج بِهِ لأهل هَذَا القَوْل وَعَلَيْهِم وَإِثْبَات مَا رُوِيَ فِيهِ من الْأَخْبَار المستفيضة المنتشرة وَمَا حُكيَ عَمَّن ظَهرت عَدَالَته واشتهر علمه وأمانته طول لَيْسَ هَذَا مَوضِع اسْتِقْصَائِهِ، وَلَيْسَ هَذَا الْبَاب مِمَّا يَدْفَعهُ عقل وَلَا نظر وَلَا سمع وَلَا خبر.
وَقد كَانَ بعض الْمُتَكَلِّمين ورواة الْأَخْبَار من المتثبتين يجيزون ظُهُور هَذِه الْحَوَائِج على أَيدي الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ من أئمتهم وأئمة الدَّين بعدهمْ، وَيمْنَع من ظُهُورهَا على من يَدعِي النُّبُوَّة كَاذِبًا ويتدين دينا بَاطِلا، ويذهبون إِلَى أَن فِي تَجْوِيز ذَلِك إِفْسَاد الْأَدِلَّة وَالْتِبَاس الْحجَّة والتسوية بني ذَوي الْهدى والضلالة وَالْولَايَة والعداوة، وأجازوا ظُهُور هَذِه الْأَشْيَاء على يَد من يَدعِي الربوبية على وَجه الْفِتْنَة وتغليظ الْفِتْنَة، كَالَّذي رُوِيَ من أَمر الدَّجَّال وَأَنه يتبعهُ جنَّة ونارن وَقَالُوا: لَيْسَ فِي إضلال النَّاس وَلَا لبس فِي دينهم، لِأَن الْأَسْنَان مرسوم بِمَا لَا يَنْفَكّ مِنْهُ مِمَّا يدل على حَدثهُ وَأَنه مَخْلُوق كَائِن بعد أَن لم يكن، فَأَما الدَّجَّال فَإِنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ من سمة الْحَدث الَّتِي يُشَارك فِيهَا سَائِر النَّاس مرمي بالعاهة الظَّاهِرَة لأعين الناظرين، النافية للشَّكّ فِي أمره عَن قُلُوب العاقلين. وَأما النُّبُوَّة فَصدق من يدعيها وَكذب من هُوَ مُبْطل فِي ادعائها، فَإِن هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ مشتركان من جِهَة الْخلقَة وَالصُّورَة والهيئة الإنسانية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع