من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
تَوْلِيَة الْمُهلب خُرَاسَان
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي قَالَ حَدثنَا أَحْمد ابْن مُعَاوِيَة قَالَ قَالَ ابْن الْكُوفِي: لما قدم الْمُهلب على الْحجَّاج بعد فَرَاغه من أَمر الْأزَارِقَة وقتالهم، أكْرمه الْحجَّاج وشرفه وَبلغ لَهُ الْغَايَة، قَالَ: فَخرج الْحجَّاج يَوْمًا أخذا بيد الْمُهلب، حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى الْمِحْرَاب قالم ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا سعيد أَنا أطول أم أَنْت؟ فَقَالَ: الْأَمِير أطول مني وَأَنا أشخص مِنْهُ، فَلَمَّا انْصَرف من صلَاته أَخذ بِيَدِهِ فَأدْخلهُ مَعَه ثُمَّ قَالَ لَهُ: سجسنان خير ولَايَة أم خُرَاسَان؟ قَالَ: سجستان قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنَّهَا ثغر كابل وزابلستان، وان خُرَاسَان ثغر التّرْك، قَالَ أَيهمَا أحب إِلَيْك أَن يَلِيهِ رجل مثلك؟ قَالَ: إِن أمثالي فِي النَّاس لكثير وَمَا نَحن حَيْثُ يرى النَّاس، قَالَ: سر إِلَى سجستان، قَالَ: غَيْرِي خير لَك فِيهَا مني وَأَنا بخراسان خير لَك من غَيْرِي، قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَن بَدْء نعْمَة الله عَليّ بعد الْإِسْلَام كَانَ فِي غزوتي خُرَاسَان
مَعَ الْغِفَارِيّ، وَابْن أَبِي بكرَة بسجستان خير لَك من لِأَن أَهلهَا أحبوه لحسن أياديه فيهم وَأَنا بخراسان خير مِنْهُ، قَالَ: وَمَا كنت تلِي من أَمر الْغِفَارِيّ؟ قَالَ: كنت فِيمَن صَحبه فَلَمَّا نزلنَا بيهق ودنونا من عدونا قَالَ الْغِفَارِيّ: هَل من فوارس ينظرُونَ لنا أمامنا وَإِن أَصَابُوا أحدا أَتَوا بِهِ، فَانْتدبَ منا مَعَ صَاحب شرطته عشرَة فوارس فلقينا عدتنا من عدونا، فَقَالَ أَصْحَابِي: قد عاينا طلائع الْقَوْم فانصرفوا، فَقلت: وَمَا عَلَيْكُم أَن نشامهم؟ فَأَبَوا وَانْصَرفُوا وَتَقَدَّمت فَقتل الله الْعشْرَة على يَدي، ثُمَّ انصرفت برؤوسهم ودوابهم وأسلابهم معي، وَقد كَانَ أَصْحَابِي نعوني إِلَى الْغِفَارِيّ، فَلَمَّا رَآنِي ضحك وَقَالَ:
كبا الْقَوْم عِنْد عيان الرِّهَانونال الْمُهلب حَظّ الْفرس
ففاز الْمُهلب بالمكرماتوآب عُمَيْر بِحَدّ التعس
ثمَّ ولاني شرطته وَخرج إِلَيّ من أمره. فولاه الْحجَّاج خُرَاسَان، وَكَانَ وإليها حَتَّى هلك بهَا، فَقَالَ نَهَار بْن توسعة يرثيه:
لله دركم غَدَاة دفنتمسم العداة ونائلاً لَا يحظر
إِن تدفنوه فَإِن مثل بلائهفِي الْمُسلمين وَذكره لَا يقبر
كَانَ المدافع دون بَيْضَة مصرهوالجابر الْعظم الَّذِي لَا يجْبر
وَالْكَافِي الثغر الْمخوف بحزمهوبيمن طَائِره الَّذِي لَا يُنكر
أَنى لَهَا مثل الْمُهلب بعدههَيْهَات هَيْهَات الجناب لأخضر
كل امْرِئ ولي الرّعية بعدهبدل لعمر أَبِيك مِنْهُ أَعور
مَا ساسنا مثل الْمُهلب سائسأعفى عَن الذَّنب الَّذِي لَا يغْفر
لَا لَا وأيمن فِي الحروب نقيبةمِنْهُ وَأَعْدل فِي النهاب وأوقر
وَأَشد فِي حق الْعرَاق شكيمةيخْشَى بوادرها الإِمَام الْأَكْبَر
جمع الْمُرُوءَة والسياسة التقىومحاسن الأخرق مِنْهَا أَكثر
تجْرِي لَهُ الطير الأيامن عمرهوَلَو أَنه خمسين عَاما يخْطر
لما رأى الْأَمر الْعَظِيم وَأَنهسيحل بالمصرين أَمر مُنكر
وأرنت العوذ المطافل حولهحذر السباء وَزَل عَنْهَا المئزر
ألْقى القناع وَسَار نَحْو عصابةٍخزرٍ فذاقوا الْمَوْت وَهُوَ مشمر
كَانَ الْمُهلب للعراق سكينَةوَولي حادثها الَّذِي يستنكر
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع