تجاوز إلى المحتوى

من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

المقابسة السابعة عشرة في هل ما عليه الناس من السيرة والاعتقاد حق كله أو أكثره حق أو باطل كله أو أكثره باطل

؟

سئل بن سوار وكان ابن السمح بباب الطاق: هل فيه الناس من السيرة، وما هم عليه من الاعتقاد، حق كله أو أكثره حق، أو كله باطل أو أكثره! فقال: المسألة هائلة، والجواب هين.

قيل: أفدنا أفادك الله فإن ركية العلم لا تنزح وإن اختلفت عليها الدلاء وكثر على حافاتها الواردة؟

فقال: صدقتم، واعلموا أنه إذا لحظ استيلاء الطبيعة عليهم، وغلبة آثارها فيهم، في الرأي المعتقد، والسيرة المؤثرة، فأكثر ذلك باطل، لأن سلطان العقل في بلاد الطبيعة غريب، والغريب ذليل، وإن لحظ حكم العقل ما يجب به، ويليق بجوهره، ويحسن مضافاً إليه، فأكثر ذلك حق، كان الملحوظ رأياً وسيرة وعادة أو خليقة، وعلى حسب هاتين القبيلتين يكون القضاء، ويقع الحكم، والحق لا يصير حقاً بكثرة معتقديه، ولا يستحيل باطلاً بقلة من تحليه، وكذلك الباطل، ولكن قد يظن بالرأي الذي قد سبق إليه الاتفاق من جلة الناس وأفاضلهم أنه أولى بالتقديم والإيثار، وأحق بالتعظيم والاختيار، لأنه يكون مقوماً بالبحث، وجبوراً بالفكر، مصقولاً على الزمان، تلمسه كل يد، وتجتليه كل عين، ويصير ثباته على صورته الواحدة، دليلاً قوياً وشاهداً زكياً على حقيقته، لأنه يبرأ حينئذ من هوى منتحله ويعرى من تعصب ناصره، ويبقى بصورته الخاصة، ويحرى مجرى السكينة التي لا تحتاج إلى علاج المعالج، وتمويه المموه، وانتقاد المنتقد، وتنفيق المنفق، وحيلة المحتال.

النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المقابسات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.