تجاوز إلى المحتوى

من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

المقابسة الربعة والأربعون في معنى الإمكان وما قيل فيه

رأيت فضلاء من الفلاسفة، وهم الذين قد نوهت بأسمائهم مراراً يكثرون الخوض في معنى الإمكان، ويتداولون المسئلة والجواب فيه، وقد اقتبست منهم ما رسمته في هذا الكتاب، على طريقة قريبة وألفاظ معهودة، فأشركني في تقبل الفائدة إن كنت طالب فائدة، ولا تسبق إلى الاستحسان والاستقباح، والتخطئة والتصويب، قبل التفهم والتصفح، والتقليب والتنقير، فإنها مسئلة صعبة.

فمن ذلك قول القائل: زعم أن لا طبيعة للمكن وإنما هو موقوف على فرض الفارض، ووهم الواهم، ووضع الواضع، وظن الظان، وليس كالواجب الذي هو ثابت على وتيرة واحدة، وجديلة محدودة معلومة، والحد قائم الطبيعة، كالممتنع الذي هو أيضاً على هيئة واحدة، لا يرتقي صعداً ولا يتمايل سفلاً. والبرهان على ذلك أن الواجب لا يستحيل ممتنعاً البتة، لا بزمان ولا في مكان، بل لا ينحط الواجب إلى الإمكان، لا معقولاً ولا موهوماً ولا مفروضاً ولا مظنوناً، وكذلك لا يسمو الممتنع إلى الإمكان في حال من حالاته على ما سلف البيان عنه.

وقال آخر من هؤلاء الجلة: ما يؤيد هذه المضادة ويحققها ويوضح مشكلاً إن كان عرض منها، أنك إذا قلبت هذه الألفاظ الثلاثة وفحصت عن عناصرها، ورتبت معنى كل اسم منها، من جهة وزنه وترتيبه وصفته وخلقته، وجدت وجوهها المختلفة دالة على معانيها المختلفة، وذلك أنك إذا قلت: هذا واجب، وهذا الوزن وزن فاعل من جهة اللفظ؛ وإنما قلت من جهة اللفظ.

قال: لأن الفاعل من جهة المعنى مقتضى لمفعول، والواجب مثبت لنفسه عما يكون هو به مفعولاً، وعما يكون هو له فاعلاً، والفاعل من المضاف، وكذلك المفعول، ليس الكلام فيهما. وإذا اعترض من ناحية وزن الاسم وتبرأ من كل صفة موهومة هذا التبرؤ، ولقيامه بنفسه واستغنائه بجوهره وكماله بذاته، أعطى المؤنة الأولى والحد الأعلى. والممتنع إذا قلبت معناه من ناحية وزنه وجدت فيه معنى من معاني الانفعال ونظائره، فالبينة تشهد بذلك. وهذا نظر يستهلك نظر النحوي ويوفي عليه، لا بل فوقه في الشرف وإن كانت قوة النحو مقتصرة وشهادته مستعارة له، فكأنه قد استضاف فعلاً ما إلى نفسه، كما استضاف محتمل ومشتبه وملتبس ومقتصد، وتقرين

هذا لطيف إلى التقريب دوه ما طال وامتد، وكما استوفى الواجب الصورة بالكمال استيفاء وجود، انتفى الممتنع من الصورة في كل حال انتفاء عدم، فليس في الواجب من أجزاء العدم شيء، ولا في الممتنع من أجزاء الموجود شيء، وبالاضطرار لفظنا بآخر الممتنع. ثم إن الإمكان بعد هذا كله استعارة من الواجب شبها، واقتطع منه ظلاً، السعار أيضاً من الممتنع شبهاً، واسترق منه ظلاً. وذلك هو عدم ما. فصار من أجل الاستعارة والاستراق ينقسم إلى مراتب ثلاث: إلى الأكثر، والأقل، والأوسط.

فقال بعض من حضر هذه المقابسة: العجب أنه أخذ الشبه من اثنين وانقسم إلى ثلاثة؟! فقال له قائل في الجواب: إنه قد أخذ الشبه من الواجب في الأغلب، لقوة الواجب في صحة نفسه وثبات جوهره وصفاء عينه، وفي الأقل أخذ من الممتنع، وقوة الممتنع بإزاء قوة الواجب وضعاً وتمثيلاً، وقد تقاسمت القوتان الطرفين على تغايرهما، ألا ترى أن الكثرة من الموجود، والقلة من العدم؟ أعني أن صورة الوجود في الكثرة أظهر منها في العدم، والوجود بأسره في الوجود، والعدم في الامتناع، ونفي ما هو بهما أعني ما ائتلف من الشبه المأخوذ من الواجب، والشبه المأخوذ من الممتنع، لأنه إذا وفى ما قد استعاره من الشبه من الطرفين، وفي أيضاً ما له بالتوسط. واختلاف أبنية هذه الكلمات دليل بين وحجة واضحة على تفاوت ما بينها من الحقائق. فإذاً ألأمكان قد خلا من طبيعة يستقل بها، وعرى من صورة ينسب إليها، وعاد وحكمه حكم المركبات في الحس، والمفروضات بالوهم.

قال: ومما يزيد ما يمضي من القول وضوحاً أن الواجب لا يقف على إيجاب موجب في وجوبه، والممتنع لا يقف على منع مانع في امتناعه. فإن عرض في نفسك الواجب فاعلم أنه قد اقتضى شيئاً ولكنه الموجب، واستوفاه

ولم يفضل منه ما يقتضي شيئاً آخر، ولا بقي لضامنه ما يقتضيه شيء آخر. وهكذا المانع في قياد ذلك قد اقتضى الممنوع واستوفاه ولم يفضل منه ما يقتضي شيئاً آخر، ولا بقي منه أيضاً ما يقتضيه شيء آخر. وخرج حكم الممكن من الحكم الذي للواجب، والحكم الذي للممتنع، لأن الممكن كأنه الطالب لكانه والداعي لنفسه، فيكون مكاناً. وهذا كله لتقلقه في قضائة وقلة استقراره في بابه، لأنه عادم لحده وطبيعته، وإنما يغلب عليه تارة ما يغيره الواجب من نفسه وصورته، فيصير الإمكان القريب من الوجوب في الوسط، لا يظن به رفع إلى جانب، ولا انحراف لمكان الواجب عن الحقيقة، عن الكثرة والقلة والانقسام والعلة، وعن استعارة صورة عن ذي صورة. فصار الممكن المنقسم إلى الكثرة والقلة والوسط. لأن الكثرة والقلة قدران، وإذا بطل ما يكون ذا قدر بطل القدر.

ومما جرى بين هؤلاء الأفاضل في هذا الفصل ما يدخل في حاشية هذا الكلام الذي قد أعجزني عن أدائه على وجهه بالقسطاس المستقيم سوء التأتي فيما يحقق المراد ويحط ثقل الهم. وقول آخر: إن الواجب واجب أن يكون واجباً،، والممكن واجب أن يكون ممكنا، الممتنع واجب أن يكون ممتنعاً. فالوجب صورة الجميع، لأنه نعت للعلة الأولى. وأما الإمكان والامتناع فإنه يشار إليهما بعد الاعتراف بالوجوب الذي قد نفذ سلطانه فيهما وملكت سمته جملتهما واحتوت صفته عليهما. والواجب لطبيعته لم ينقسم، لأن الوحدة إلى الكثرة وتشعبت عما هي عليه في الحقيقة، وكذلك الممتنع، لأنه يكون في الطرف الآخر يعطي صورة الانتفاء من نفسه توقيراً لحد الواجب. ولا ضير أن يختصر لهذه الجملة مثال يكون كالوحي إلى الحق لئلا يطيح ما طال القول فيه وتتابع البحث عنه، وواجب ا، يكون الفاعل

قبل المفعول، وممتنع أن يكون المفعول قبل الفاعل، ويمكن أن فاعلان معاً في مكان، أو منفعلان معاً في زمان، وممكن أن لا يكون فاعلان معاً ولا منفعلان، بل يكون كل واحد منهما منفرداً عن فاعل آخر، وكل منفعل منفصلاً عن منفعل آخر. فهذا كما ترى. مثال آخر: واجب أن يكون الفلك محيطاً بالأرض، وممتنع أن يكون المركز محيطاً بالفلك، ومكن أن يركب الأمير غداً. فلو كان الإمكان حد غير معترف مما تقدم القول فيه، لكان لا يقف على الوضع والفرض والرسم والوهم والظن التخيل، ألا ترى أنك لو نسبت هذا الإمكان إلى الفلك لم يصح! أعني أنه يستحيل أن يقال ممكن عند الفلك وعند الله أن يركب زيد غداً، وفي الأول جاز عندنا ذلك لأنا قلناه تقديراً وتظنيناً ووضعاً وتوهماً! ولا فرض عند الفلك، ولا ظن ولا تقدير ولا توهم أيضاً عند الله، تقدس اسمه وتعالى جده.

وقال آخر من جلة القوم: ليس لشيء وجود ولا وجوب إلا الباري الحق، ولا حقيقة إذاً لشيء إلاله، لأنه هو الواجب، وكل ما عداه فإنما هو واجب به وممتنع به وممكن به، والودود الحق له. فكل وجود يرسم للممكن أو للممتنع فإنما هو بالاستعارة والتقريب والتحلية والتشبيه، فإذاً انسلخ كما عدى العلة الأولى من الوجوب ومن الوجود، إلا على قدر ما يبلغه الفيض ويصل إليه الجود، ويخلص ما هو بالحقيقة وبالتحقيق هو فيه.

هذا مبلغ حاصلي من قول هؤلاء المشايخ، وهم الذين نشرت لك حديثهم وذكرت أسماءهم، وذكرت على مقاماتهم مراراً في هذا الكتاب، وجل النظر في هذه المسئلة على ما انفرشت من الفلسفة الداخلة، أعني الآليهة المحضة. فلهذا ما أتفادى من زيادة لعلها تحط قدر المغزى الذي سلف القول فيه، وسقت المعنى عليه، والسلام.

النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المقابسات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.