تجاوز إلى المحتوى

من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

المقابسة السادسة والستون في حكم بعض الحكماء وفي بيان حال العالم غير العامل

نعود في مقابسة أخرى إلى أشياء لأبي سليمان فنأتي بها على وجهها ونذكر في هذه حكما سمعناها من الحراني أبي الحسن وغيره، فقد كانت المجالس لا تتصرم إلا عن فوائد كثيرة فلسفية وغير فلسفية.

قال الحراني: قال بعض السلف من الحكماء الصلحاء والفضلاء: العلم

ما تمت فضيلته بالعمل به، على أن العالم وإن لم يعمل، حرى أن تتوق نفسه إلى حال من الأحوال، إلى محاسن من علم وحفظ. والجاهل منقطع النسب منه، والعالم ينفع وإن لم يعمل، وليس ذلك للجاهل، والعالم كاسب على الجاهل والجاهل كاسب للعالم.

قال ابن زرعة: قال بعض القدماء: العقل دال على الفضيلة، فمن أتاها استحقه لعلمه بدلالته، وذام للرذيلة، فمن آثرها استحق اسم الجهل، فما كان مميزاً لتركه العمل بدلالته.

وقال الصابي: قال الأولون: الشكر الإقرار بالنعمة للمعبود، وأجزاؤها بالحسنى في الضمير والقول والفعل، فأما أجزاء الضمير فالنية والمحبة والطاعة، وأما أجزاء القول فالثناء والدعاء والنشر، وأما أجزاء الفعل فالصبر والسعي فيما يرضى المنعم.

قال: والشكر ثلاث طبقات: لمن فوقك بالطاعة والنصيحة، ولأكفائك بالمكافأة، ولمن دونك بالتفضل عليه. والشاكر إن قصر عن ثلث لم يشكر، ويحتاج إلى معرفة وطباع وعمل، فبالمعرفة يعرف كنة النعم وقدر ما يجب عليه من الشكر، وبالعمل يبلغ كنه ما هو عليه، وبالطباع يكون الدوام على ما وجب عليه. والشكر مراتب: فشاكر قصر عن قدر النعمة ولا عذر له إلا أن يكون ذلك منتهة طاقته، وشاكر اقتصر على السوية فأتى كفاء ما أوتى إليه وليسى بمحسن إن أطاق الزيادة، وشاكر زاد تنفلاً وكرماً، فهذه أعلى مراتب الشكر.

قال القومسي: السلطان في تدبير الرعية كالشمس في تفصيل الأزمان، والجند كالريح في التلقيح، والعلماء من الجميع كالنبت والحيوان، والعوام في نقل الأمور كالأرض في حمل الأنام، وما يكون منه منافع الإنسان.

وقال علي بن عيسى: ليس يري مجد الحكمة إلا من كان بصر عينيه

في قلبه لا بصر قلبه في عينيه، وما أحسن ما فتق لسان البدوي بهذا المعنى في نظمه السائر:

ما الفضل فيما تريك عينبل هو فيما ترى القلوب

وقال علي بن عيسى: قال افلاطن: من اتصلت الحكمة بطباعه فتحتها أخرجت منها أنواع البيان المخالف لها في السكل والقوة والصورة.

وقال غيره: قال سقراط: كل مصغر ليس بمحمود ما أمكن منه الاختيار.

قال أبو سليمان، وقد سمع هذه الحكاية: ما أحسن ما قال بطليموس في كلماته في الثمرة حين قال: إذا طلب المختار المختار الأفضل فليس بينه وبين المطبوع فرق.

وقد شرح هذه الكلمة في أخواتها من الثمراة كاتب آل طولون وأربى على كل فائدة.

قلت لأبي سليمان: إذا كان في الاختيار انفعال لا محالة فلم لا يكون المطبوع أفضل منه، وإن سميته مضطراً؟ فقال: قد وضح لك قديماً أن الانفعال على ثلثة أنحاء: فنحو ينحط به المنفعل عن خاصية جوهره، باستحالة صورته، وانحلال كينونته؛ وضرب يتحرك به المنفعل على نفسه إما نقصاً لما اجتمع فيه أو استجلاباً لما انحل عنه؛ وضرب يتطاول به المنفعل إلى ما هو فوقه، مقتبساً بالقوة شوقاً إلى القدرة، جار على الشرك الواحد، فهو بالقوة الآلهية أفضل من المختار، ولكن شرف المختار عليه من جهة القدرة الموهوبة له يتخير بها، وفي هذا معنى التهليل؛ وشرف المطبوع من جهة القدرة الموجودة فيه يدوم عليها، وفي هذا المعنى العيش.

وقال آخر، وهو عيسى بن علي: قيل لبعض القدماء: كيف يكون المحرك ساكنا؟ فقال في الجواب: كالمغناطيس الذي يحرك الحديد، وكذلك الشهوة للبدن، فإن الحجر والشهوة ساكنان، وكذلك المعشوق فقال القومسي وغيره أيضاً من الحكماء البينة: قول الأول إنما يدرك

الشيء من جهة علته المحيطة به، فإذا لم يكن الشيء علة فلا محالة أنه غير مدرك.

وقال عيسى بم علي: الملك بحق من ملك رقاب الأحرار بالمحبة.

وقال الصابي: قال ثابت بن قرة: الخرافات توجد من أربعة أشياء، وهي: عجائب البحر، وحديث السحر، وحديث العشق، وحديث الجن.

النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المقابسات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.