من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
مسعدة بن واثلة الصارمي
قال في تسريح النواظر وكان غلاماً حسن الوجه سخي الكف شجاعاً وأن أباه توفي فاختلف مع عمه على بكرات فرحل مغضباً حتى نزل على بني باهلة فأقام عندهم برهة فورد الماء يوماً فصادف جارية على بعير تشد عقاله وهمت بالنزول فلما رأته قالت هل لك في أن تكفيني كلفة التعب. قال وفيم تتعبين وماذا تطلبين قالت ملء هذه السقاية ورمت بها إلي فلما ملأتها وهمت أن تتناولها شمرت عن زندين كأنما حجبت عظامهما بالبلور الصافي ثم تناولت القربة فانكشف البرقع عن وجه كأنما تستعير منه الشمس الضياء فداخلني ما خشيت معه زهاق نفسي قال ثم مضى متغير الحال فشكا إلى صديق له ما جرى له وسأله عن اسم الجارية فقال هي رملة بنت أثيلة بن مصقع وأعلمه بمكانها فكان يمضي في كل يوم فيقف حتى يراها فيشكو إليها ما عنده من حبها. قال الشيزري فداخلها من العشق ما داخله فلما علم أهلها بذلك حجبوها وبلغه علمهم فخرج حياء وخوفاً فرأى حمامات على أراكة ينحن فهاجت بلابله فأنشد:
دعت فوق أغصان من الايك موهناًمطوقة ورقاء في أثر آلف
فهاجت عقابيل الهوى إذ ترنمتوشبت ضرام الشوق بين الشراسف
ثم أدركه الليل قريباً من حي خشي أن يكونوا من قومها فنزل قريباً منهم فسمع قائلاً يقول:
تمتع من شميم عرار نجدفما بعد العشية من عرار
وكان يرى الطير فارتابت نفسه من ذلك وراجعه القلق ثم أخذته سنة فإذا هو بقائل ينشد:
ولا شيء بعد اليوم إلا تعلةمن الطيف أو تلقى بها منزلاً قفرا
فزاد قلقه ثم عاودته السنة فسع قائلاً يقول:
لن يلبث القرناء أن يتفرقواليل بكر عليهم ونهار
لم يبق يوماً عاشقان بحالةإلا وقد جاءتهم الأغيار
كل وإن طال المدى متصرمحكم الإله وسارت الأقدار
فقام فركب متفكراً وسار فلما برق الفجر إذا هو براع ينشد:
كفى بالليالي مخلقات لجدةوبالموت قطاعاً حبال القرائن
فعرف صوته فقال فلان قال نعم فقال له ما دهاك؟ قال قد ضاجعت رملة الثرى فسقط مغشياً عليه فلم يفق حتى حميت الهاجرة وحمل إلى بيته فأنشد:
يا راعي الضأن قد ألقيت لي كمدايبقى ويقلقني يا راعي الضان
نعيت نفسي إلى روحي فكيف إذاأبقى ونفسي في أثناء كفاني
لو كنت تعلم ما أسررت في كبديبكيت مما تراه اليوم أبكاني
فلم يزل يردده حتى مات:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع