تجاوز إلى المحتوى

من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)

غورك المجنون

قال أبي إسحاق بن إبراهيم الابلي: رأيت غورتا المجنون يوماً خارجاً من الحمام والصبيان قيام يضربونه ويؤذونه وهو يبكي فقلت له: ما خبرك يا أبا محمد؟ قال قد أذاني هؤلاء الصبيان، أما يكفيني ما أنا فيه من العشق والجنون؟ قلت: ما أظنك مجنوناً. قال بلى والله وبي وعاشق شديد. قلت: هل قلت في عشقك شيئاً؟ قال: نعم ثم أنشد:

جنون وعشق ذا يروح وذا يغدوفهذا له حدٌّ وهذا له حدّ
هما استوطنا قلبي وجسمي كلاهمافلم يبق لي قلب صحيح ولا جلد
وقد سكنا تحت الحشا وتحالفاعلى مهجة أن لا يفارقها الجهد
وأي طبيب يستطيع بحيلةيعالج من داءين ما منهما يدّ

قال الأيلي: فوليت عنه فقال قف واستمع ما أقول فإن شرح غرامي على الخلى يطول فوقفت فأنشد.

قال محمد بن الزراد: قلت لغورك ما حيرك؟ قال جنون وعشق قد بليت بهما، والذي بليت به من هؤلاء الصبيان أشد. وقال:

جنون ليس يضبطه الحديدوحبٌّ لا يزول ولا يبيد
فجسمي بين ذاك وذا نحيلوقلبي بين ذاك وذا عميد

ثم قال لي إنصرف ما سمعته يكفيك وأخذ يوماً بيد المتهم بعشقه فقال له المعشوق كيف أصبحت؟ فقال:

أصبحت منك على شفا جرفٍمتعرضاً لموارد التلف
وأراك نحوي غير ملتفٍمحرفاً عن غير منحرف
يا من أطال بهجرة أسفيأسفي عليك أشد من تلفي

قال: وقلت لغورك يوماً أخبرني باحسن ما قلت في الحب؟ قال:

كتمت جنوني وهو في القلب كامنٌفلما استوى والحب أغلبه الحبّ
وقلبي والجسم الصحيح مذيبهفلما ذاب الجسم ذلّ له القلب
فجسمي نحيل للجنون وللهوىفهذا له نهب وهذا له نهب

قال جعفر بن إسماعيل: أُتى غورك بطبيب يعالجه، فقال الطبيب: لو تركتني لعالجتك وأصلحتك. فأنشأ غورك يقول:

إعلم وأيقن أيها المتكلمما بي اجلّ من الجنون وأعظم
أنا عاشق فإن استطعت لعاشقبرءاً مننت به فأنت محكم
حسبي عذابي في الهوى حسبي بهإذ من أهيم به يصدّ ويصرم
هيهات! أنت بغير دائي عالموسواك بالداء الذي بي أعلم
دائي رسيس قد تضمنه الهوىتحت الجوانح ناره تتضرم

وله أيضاً:

هلموا انظروا ما أورث الحبّ انلهأُحذركم شرّ الهوى وعواقبه
وأغرى بنفسي الشوق والهم والاسىفأرقني بالليل أرعى كواكبه

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عقلاء المجانين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.