تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

فصل آخر [في بيان قوله اللّيلة لليلتك التي أنت فيها، والبارحة لليلة يومك الذي أنت فيه]

يقال: اللّيلة لليلتك التي أنت فيها، والبارحة لليلة يومك الذي أنت فيه، وقد مضت

وهي من برحت أي انقضت، ومنه ما برحت أفعل كذا، وأصله البراح، من المكان وقال الفراء: برحت بالفتح مضت ويقال: برح الخفاء أي زال ومنه البارحة وقال قطرب: لا يقال بارحة الأولى لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولا إلى نعته والجمع البوارح.

وذكر بعض شيوخنا أنّ قوله: لا أبرح بمعنى لا أنال ولا يجوز أن يكون أصله من البراح من المكان بدلالة قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ

ألا ترى أنّه محال أن يبلغ مجمع البحرين وهو لم يبرح من مكانه قال: وإذا لم يستعمل أبرح إلا على أحد هذين الوجهين وبطل أحدهما ثبت الآخر، ويمكن أن يقال في جوابه معنى لا أبرح حتى أبلغ أي لا أتجاوز هذا الطريق ولا أعدل عن سلوكه وسمته حتى أبلغ هذا المكان، فخذف الطريق وهذا كما يقال: لم أبرح بلد كذا حتّى فعلت كذا وإن كان ينقل في البلد لأنّ المعنى لم أتغيب ويشهد لهذا أنه لا يستعمل ما برح في الله تعالى لأنّه لا يقال: لم يبرح الله قادرا فلو كان لم يبرح بمعنى لم يزل حتى لا فرق بينهما لما امتنع مما دخله، وإذ قد امتنع فلأنه لا يجيء إلا وأصله البراح من المكان ذكر أو لم يذكر وذلك لا يجوز على القديم تعالى.

واعلم أنّ هذه الكلمة في اللغة مدارها الأكثر على التّجاوز، من ذلك قال الأعشى:

أبرحت ربا وأبرحت جارا أي جاوزت ما عليه أمثالك في الخلال المرضية، والبارحة الأولى التي قبل البارحة، وجمع البارحة البوارح، ولم يتجاوزوا ذلك. وأمّا الفائدة فما يستقبل بعد ليلتك التي أنت فيها وكأنها مأخوذة من الاستقبال ويقال: قبلت الوادي أقبله إذا استقبلته ويقال: آتيك القابلة والمقبلة كما يقال: عام قابل ومقبل وأنشد:

أقبلتها الخلّ من حوران مجتهداإني لأزري عليها وهي تنطلق

ويقال فعلته ليلا ونهارا أي ضياء وظلاما، غير مخصوص بوقت معلوم، وفعلته يوما وليلة يريد أنّ من جملة الزّمان ما تنحصر بهذا القدر وربما جعل بعض أجزاء الليلة ليلا وجعل اللّيل لليلة واحدة قال:

وودّ الليل زيد إليه ليلولم يخلق له أبد النّهار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يكاد القلب من طرب إليهم»

ولم يرد الجنس لأنّ الجنس يستوعب الأوقات، فلا يزاد للأمثلة وكذلك قوله: إني إذا ما اللّيل كان ليلتين، أراد كل واحد من الشّاعرين ليلة واحدة وأنها في طولها كانت أوقاتها وساعاتها لتطاولها وامتدادها ومقاساة ما يعاني منها كليلتين. وغرض الشاعر أن يصف طول ليلته أي كأنها في طولها مضاعفة متزايدة، وإذا جعل اللّيل جنسا فسد المعنى أيضا؛ لأن اللّيل المستوعب لأجزاء جنس اللّيل إذا قيل فيه كان ليلتين وحصر بما يقع فيه التّنبيه من

أجزائه عاد نقصانا لا تضعيفا وقوله تعالى: وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا

المراد به أجزاء ليلة طويلة من اللّيل لأنه لو أريد الجنس لما صحّ فيه ذكر الطّول وللزم التّسبيح ليلة طويلة دون ليلة قصيرة، وإذا أريد الجزء من اللّيل في كلّ ليلة فهو أمر بالتّسبيح جزءا طويلا وأجزاء طوالا.

وقال بعضهم في قوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ

أي بنعمه، والكوفيون رووا اللّيل ليلك، واليوم يومك، ويراد به الوقت وقتك، ويقال: الليل ليلك واليوم يومك، فيجعلون الأولى ظرفا للثانية، وجعلوا الثّاني جزءا منه لأنّ الظرف وعاء مستوعب، فيجب أن يكون أوسع من ذي الظرف ليوعبه ويشتمل عليه كما يحوي الوعاء ما ضمنه، وأما قوله تعالى: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا

وقد علمنا أن السّرى لا يكون إلا ليلا، فالمراد في جوف اللّيل، ولو قال: فأسر بعبادي، ولم يقل ليلا لكان مطلقا في أول اللّيل وآخره وما بينهما، ألا ترى أنك تقول: جاءني فلان البارحة بليل، فيكون المعنى في استحكام اللّيل، وقد يجيء ما لا يحتاج فيه إلى تأكيد، تقول: أدلجت فيكون المعنى سرت في أول الليل، ولو قال: أدلجت في أوّل اللّيل لساغ فيكون تأكيدا كتكرير الاسم أو الفعل قال زهير شعرا:

بكرن بكورا واستحرن بسحرةفهّن لوادي الرّسّ كاليد للفم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فقوله بسحرة بكور على وجهين: أحدهما أن يكون الإدلاج لآخر اللّيل وبكرن للسّحر وغيره، فإذا قال بسحرة فقد بين أيّ الوقت من آخر الليل، ويكون توكيدا محضا قال تعالى:

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ

على هذا والعرب يقول: أتيتك بقطع من اللّيل، وبعد وهن من اللّيل إذا دخلت في استحكامه، فأمّا قول ضمرة شعرا:

بكرت تلومك بعد وهن في النّدىسهل عليك ملامتي وعتابي
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة

فقال: بكرت ثم قال بعد وهن، والوهن لا يكون إلا ليلا فالمعنى أول ذلك الوقت وقولهم: بكر عليه إذا لم يسمّ الوقت فإنّما يعني جاء في أوله ليلا كان أو نهارا، وبها سميّت الباكورة من الثمر وإن لم تذكر وقتا، وقلت أتانا بكرة فإنّما تأويل ذلك أوّل النّهار لا غير، هذا المستعمل بلا شرط، وما تقدم فإن تذكر ما يدل عليه وكذلك اليوم إذا كان مطلقا إنما تعني به النّهار دون اللّيل والألف واللام يدل على يومك، إلا أن تصله بغيره فتقول: رأيته اليوم الذي مضى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث ويشتمل على بيان اللّيل والنّهار

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.