من «أخبار الظراف والمتماجنين» لابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)
القسم الثالث فيما يروى عن العلماء والحكماء
عن شيخ من قريش، قال: عرض شريحٌ ناقةً لبيعها، فقال له المشتري: يا أبا أميّة ﴿كيف لبنها؟ قال: احلب في أيّ إناءٍ شئت؛ قال: كيف الوطاء؟ قال: افرش ونم؛ قال: فكيف نجاؤها؟ قال: إذا رأيتها في الإبل عرفت مكانها؟ قال: كيف قوتها؟ قال: احمل على الحائط ما شئت. فاشتراها، فلم ير شيئاً مما وصفها به، فرجع إليه، فقال: لم أر شيئاً مما وصفتها به﴾ قال: ما كذبتك؛ قال: أقلني؛ قال: نعمٌ.
عن أبي القاسم السلمي، عن غير واحدٍ من أشياخه، أن شريحاً خرج من عند زيادٍ وهو مريضٌ، فأرسل إليه مسروقٌ بن الأجدع رسولاً، فقال: كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهى. قال: يأمر بالوصية وينهي عن النياحة.
عن زكرياء بن أبي زائدة، قال: كنت مع الشعبي في
مسجد الكوفة، إذ أقبل حمّال على كتفه كودن، فوضعه، ودخل إليه، فقال: يا شعبي ﴿إبليس كانت له زوجةٌ؟ قال: ذاك عرسٌ ما شهدته، قال: هذا عالم العراق يسأل عن مسألةٍ فلا يجيب﴾ فقال: ردّوه، نعم له زوجةٌ، قال الله ﷿: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني﴾ ولا تكون الذّرّيّة إلا من زوجةٍ. قال: فما كان اسمها؟ قال: ذاك إملاكٌ ما شهدته.
عن عبد الله بن عياش، قال: جلس الشعبي على باب داره ذات يوم، فمرّ به رجلٌ، فقال: أصلحك الله! إني كنت أصلي، فأدخلت إصبعي في أنفي، فخرج عليها دمٌ، فما ترى: أحتجم أم افتصد؟ فرفع الشعبي يديه، وقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة.
أقر رجلٌ عند شريح، ثم ذهب لينكر، فقال له شريحٌ: قد شهد عليك ابن أخت خالتك.
روى عامرٌ الشعبي يوماً: أن النبي [ﷺ]، قال: " تسحروا، ولو أن يضع أحدكم إصبعه على التراب ثمّ يضعه في فيه ". فقال رجلٌ: أيّ الأصابع؟ فتناول الشعبيّ إبهام رجله، وقال: هذه.
ولقيه رجلٌ وهو واقفٌ مع امرأةٍ يكلّمها، فقال الرجل: أيّكما الشّعبيّ؟ فأومأ الشعبيّ إلى المرأة، وقال: هذه.
وسأله رجلٌ عن المسح على اللّحية في الوضوء، فقال: خلّلها بأصابعك. فقال: أخاف أن لا تبلّها ﴿قال: فانقعها من أوّل اللّيل.
ودخل الشعبي على عبد الملك، فقال له: كم عطاءك؟ قال: ألفي درهم. فقال: لحن العراقي؛ ثم رد عليه، فقال: كم عطاؤك؟ قال ألفاً درهم. قال: ألم تقل: ألفي درهم﴾ فقال: لحن أمير المؤمنين فلحنت، لأني كرهت أن يكون راجلاً وأكون فارساً.
ودخل الشعبي الحمام، فرأى داود الأوديّ بلا مئزر، فغمض عينيه، فقال له داود: متى عميت يا أبا عمرو؟ قال: منذ هتك الله سترك.
وجاء رجلٌ إلى الشعبي، فقال: اكتريت حماراً بنصف درهم، وجئتك لتحدّثني؛ فقال له: أكتر بالنصف الآخر وارجع، فما أريد أن أحدثك.
وقيل للشعبي: هل تمرض الروح؟ قال: نعم! من ظل الثقلاء.
قال بعض أصحابه: فمررت به يوماً وهو بين ثقيلين، فقلت: كيف الروح؟ قال: في النزع.
قال أبو عبد الله الأسناطي: لما نزل في عين سعيد بن المسيب الماء، قيل له: اقدحها، فقال: فعلى من أفتحها.
كان إبراهيم النّخعي إذا طلبه إنسانٌ لا يحبّ لقاءه، خرجت الخادم فقالت: اطلبوه في المسجد.
عن جرير، قال: جئت الأعمش يوماً، فوجدته قاعداً في ناحيةٍ، وفي الموضع خليجٌ من ماء المطر، فجاء رجلٌ عليه سواد، فرأى الأعمش وعليه فروةٌ، فقال: قم عبرني هذا الخليج؛ وجذب بيده، فأقامه، وركبه، وقال: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾ [ سورة الزخرف الآية]. فمضى به الأعمش حتى توسط الخليج، ثم رمى به، وقال: ﴿وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين﴾. ثمّ خرج، وتركه يتخبّط في الماء.
عن الهيثم بن عدي، قال: قيل للأعمش: ممّ عمشت عيناك؟ قال: من النظر إلى الثقلاء.
قال الأعمش: وقال جالينوس: لكل شيءٍ حمى، وحمى الروح النظر إلى الثقلاء.
قال شريك: سمعت الأعمش يقول: إذا كان عن يسارك ثقيلٌ وأنت في الصلاة، فتسليمة عن اليمين تجزءك.
قال إسحاق الأزرق: قال: رجلٌ للأعمش: كيف بتّ البارحة؟ قال: فدخل، فجاء بحصير ووسادة، ثم استلقى، وقال: كذا.
قال سعيد الورّاق: كان للأعمش جارٌ، كان لا يزال يعرض عليه المنزل؛ يقول: لو دخلت فأكلت كسرةً وملحاً؟ فيأبى عليه الأعمش، فعرض عليه ذات يوم، فوافق جوع الأعمش، فقال: مرّ بنا؛ فدخل منزله، فقرّب إليه كسرةً وملحاً؛ إذ سأل سائلٌ، فقال له ربّ المنزل: بورك فيك، فأعاد عليه المسألة، فقال له: بورك فيك؛ فلما سأل الثالثة، قال له: اذهب، وإلا والله خرجت إليك بالعصا ﴿
قال: فناداه الأعمش: اذهب ويحك﴾ ولا والله ما رأيت أحداً أصدق مواعيد منه، هو منذ سنةٍ يعدني على كسرةٍ وملح، ولا والله ما زادني عليهما.
قال الأعمش لجليسٍ له: تشتهي كذا وكذا من الطعام؟
فوصف طعاماً طيباً؛ فقال: نعم؛ قال: فأنهض بنا؛ فدخل به منزله، فقدّم رغيفين يابسين وكامخاً، وقال: كل؛ قال: أين ما قلت؟ قال: ما قلت لك عندي، إنّما قلت تشتهي.
دخل على الأعمش رجلٌ يعوده، فقال له: ما أشدّ ما مرّ بك في علّتك هذه؟ قال: دخولك.
قال أبو بكرٍ بن عياش: كنّا نسمي الأعمش سيّد المحدثين، وكنّا نجيء إليه إذا فرغنا من الدّوران، فيقول: عند من كنتم؟ فيقول: عند فلان؛ فيقول: طبلٌ مخرقٌ؛ ويقول: عند من؟ فنقول: فلانٌ، فيقول: دفٌ ممزّقٌ.
وكان يخرج إلينا شيئاً لنأكله، فقلنا يوماً: لا يخرج إليكم الأعمش شيئاً إلا أكلتموه. قال: فأخرج إلينا سنّاً، فأكلناه، وأخرج فدخل، فأخرج فتيتاً، فشربناه، فدخل، فأخرج إجانةً صغيرةً وقتاً، وقال: فعل الله بكم وفعل ﴿أكلتم قوتي وقوت امرأتي، وشربتم فتيتها﴾ هذا علفٌ الشاة، كلوا!
قال: فمكثنا ثلاثين يوماً لا نكتب فزعاً منه، حتى كلّمنا إنساناً عطاراً كان يجلس إليه حتى كلمه لنا.
قال شعبة: كان الأعمش إذا رأى ثقيلاً، قال له: كم عزمك تقيم في هذا البلد؟
قال عمر بن حفص بن غياثٍ، حدّثني أبي، قال: قال لي الأعمش: إذا كان غد فاغذ عليّ حتى أحدثك عشرة أحاديث، وأطعمك عصيدةً، وانظر ﴿لا تجيء معك بثقيل﴾
قال حفص: فغدوت أريد الأعمش، فلقيني ابن إدريس، فقال: لي: أين تريد؟ قلت: إلى الأعمش، قال: فامض بنا.
قال: فلمّا بصر بنا الأعمش دخل إلى منزله، وأجاف الباب، وجعل يقول من داخل: يا حفص ﴿لا تأكل العصيدة إلا بجوزٍ﴾ ألم أقل لك لا تجئني بثقيل ﴿.
قال السيناني: دخل مع أبي حنيفة على الأعمش، فقال: يا أبا محمد﴾ لولا أني أكره أن أثقل عليك لزدت في عيادتك؛ فقال له الأعمش: إنّك تثقل عليّ وأنت في بيتك، فكيف إذا دخلت عليّ؟
قال الرّبيع بن نافع: كنّا نجلس إلى الأعمش، فنقول: في السماء غيمٌ. يعني: ههنا من نكره.
قال جرير: دعي الأعمش إلى عرس، فنشر فروته، ثم
جاء، فرده الحاجب، فرجع، فلبس قميصاً وإزاراً، وجاء، فلمّا رآه الحاجبُ أذن له، فدخل، وجاءوا بالمائدة، فبسط كمّه على المائدة، وقال: كل ﴿فإنما أنت دعيت ليس أنا﴾ وقام ولم يأكل.
قال حفص بن غياثٍ: رأيت إدريس الأودي جاء بابنه عبد الله إلى الأعمش، فقال: يا أبا محمد ﴿هذا ابني، إنّ من علمه بالقرآن، إنّ من علمه بالفرائض، إنّ من علمه بالشعر، إنّ من علمه بالنحو، إن من علمه بالفقه؛ والأعمش ساكتٌ، ثم سأل الأعمش عن شيءٍ، فقال: سل ابنك﴾.
قال وكيعٌ: كنا يوماً عند الأعمش، فجاء رجلٌ يسأله عن شيءٍ، فقال: إيش معك؟ قال: خوخٌ؛ فجعل يحدثه بحديثٍ ويعطيه واحدةً، حتى فني، قال: بقي شيءٌ؟ قال: فني يا أبا محمدٍ؛ قال: قم، قد فني الحديث.
قال خبيقٌ: عوتب الأعمش في دخوله على بعض الأمراء، فقال: هم بمنزلة الكنيف، دخلت، فقضيت حاجتي، ثم خرجت.
قال محمد بن عبيد الله بن صبيح: ولى الحجّاج رجلاً من الأعراب بعض المياه، فكسر عليه بعض خراجه، فأحضره، ثم قال له: يا عدوّ الله ﴿أخذت مال الله﴾ قال: فمال من آخذ! أنا والله مع الشيطان أربعين سنةً حتى يعطيني حبّةً ما أعطاني.
قال عبيد الله بن محمدٍ التيمي: سمعت ذا النّون يقول بمصر: من أراد أن يتعلم المروءة والظرف فعليه بسقاة الماء ببغداد، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمّا حملت إلى بغداد، رمي بي على باب السلطان مقيّداً، فمرّ بي رجلٌ متزرٌ بمنديل مصري، معتمٌ بمنديل دبيقي، بيده كيزان خزفٍ رقاقٍ وزجاج مخروط، فسألت: هذا ساقي السلطان؟ فقيل لي: لا ﴿هذا ساقي العامة؛ فأومأت إليه اسقني، فتقدّم وسقاني، فشممت من الكوز رائحة المسك، فقلت لمن معي: ادفع إليه ديناراً؛ فأعطاه الدينار، فأبى، وقال: لست آخذ شيئاً﴾ فقلت له: ولم؟ فقال: أنت أسيرٌ، وليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً؛ فقلت: كمل الظرف في هذا.
قال نسيمٌ الكاتب: قيل لأشعب: جالست الناس وطلبت العلم، فلو جلست لنا؟ فجلس، فقالوا: حدّثنا! فقال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله [ﷺ] يقول " خلّتان لا يجتمعان في مؤمن ". ثم سكت، فقالوا: ما الخلّتان؟ فقال: نسي عكرمة واحدة، ونسيت أنا الأخرى.
قال الواقديّ: لقيت أشعب يوماً، فقال: وجدت ديناراً، فكيف أصنع به؟ قلت: تعرفه؛ قال: سبحان الله! قلت: فما الرأي؟ قال: أشتري به قميصاً وأعرفه؛ قلت: إذن لا يعرفه أحدٌ؛ قال: فذلك أريد.
قال الهيثم بن عدي: كان أشعب مولى فاطمة بنت الحسين، فأسلمته في البزّازين، فقيل له: أين بلغت معرفتك بالبزّ؟ فقال: أحسن النشر، وما أحسن أطوي، وأرجو أن أتعلّم الطيّ.
وقال أشعب: رأيت في النوم كأني أحمل بدرةً، فمن ثقلها أحدثت، فانتبهت، فرأيت الحدث ولم أر البدرة.
قال عثمان بن عيسى الهاشمي: كنت عند المعتز، وكان قد كتب أبو أحمد ابن المنجّم إلى أخيه أبي القاسم رقعةً يدعوه فيها، فغلط الرسول، فأعطاها لابن المعتز وأنا عنده، فقرأها، وعلم أنّها ليست له، فقلبها وكتب:
دعاني الرسول ولم تدعنيولكن لعلّي أبو القاسم
فأخذ الرسول الرقعة ومضى، وعاد عن قريب، فإذا فيها مكتوب:
أيا سيّداً قد غدا مفخراًلهاشم إذ هو من هاشم
تفضّل وصدّق خطأ الرسولتفضل مولى على خادم
فما أن يطاق إذا ما جددتوهزلك كالشهد للطاعم
فدى لك من كل ما يتّقيهأبو أحمد وأبو القاسم
قال: فقام، ومضى إليه.
قال عثمان بن سعيد الرزاي: حدّثني الثقة من أصحابنا، قال: لمّا مات بشرٌ المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم والسنّة أحدٌ إلا عبيد الشّونيزي، فلمّا رجع من الجنازة لاموه، فقال: أنظروني حتى أخبركم، ما شهدت جنازةً رجوت فيها من الأجر ما رجوت في شهود جنازته، إنّني لما قمت في الصف، قلت: اللهمّ ﴿عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة؛ اللهمّ﴾ فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون؛ اللهم ﴿عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهمّ﴾ فعذبه اليوم في قبره عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين؛ اللهمّ ﴿عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهمّ﴾ فخفف ميزانه يوم القيامة؛ اللهمّ ﴿عبدك هذا كان ينكر الشفاعة؛ اللهمّ﴾ فلا تشفع فيه أحداً من خلقك يوم القيامة؛ قال: فسكتوا عنه وضحكوا.
دخل أبو حازم المسجد، فوسوس له الشيطان أنّك قد أحدثت بعد وضوئك؛ فقال: أو بلغ هذا من نصحك؟ !
قال المدائني: كان المطلب بن محمدٍ على قضاءٍ مكة وقد كان عنده امرأة قد مات عنها أربعة أزواج، فمرض مرض الموت، فجلست عند رأسه تبكي، وقالت: إلى من توصي بي؟ قال: إلى السادس الشقيّ.
قال أبو العباس محمد بن إسحاق الشاهد: سألت الزبير ابن البكار، فقلت: منذ كم زوجتك معك؟ فقال: لا تسألني، ليس يرد القيامة أكثر كباشاً منها، ضحيت عنها بسبعين كبشاً.
عن عبد الرزّاق، عن أبيه، أن حجراً المدري أمره محمد بن يوسف أن يلعن علياً، فقال: إنّ الأمير محمد بن يوسف أمرني أن ألعن علياً، فالعنوه؛ لعنه الله. قال: فعمّاها على أهل المسجد، فما فطن لها إلا رجلٌ واحدٌ.
قال القرشي: وامتحنت الخوارج شيعيّاً، فقال: أنا من عليّ ومن عثمان برئ.
قال مثنى: كان ابن عونٍ في جيشٍ، فخرج رجل من المشركين، فدعا إلى البراز، فخرج إليه ابن عون وهو ملثم، فقتله، ثم اندسّ في الناس، فجهد الوالي أن يعرفه، فلم يقدر، فنادى مناديه:
أعزم على من قتل هذا إلا جاءني، فجاءه ابن عونٍ، فقال: وما على رجلٍ أن يقول: أنا قتلته؟.
قال شميرٌ: إنّ رجلاً خطب امرأة وتحته أخرى، فقالوا: لا نزوّجك حتى تطلّق، فقال: اشهدوا أني قد طلقت ثلاثاً، فزوّجوه، فأقام على امرأته، فادعى القوم الطلاق، فقال: أما تعلمون أنّه كانت تحتي فلانةٌ بنت فلانٍ فطلّقتها؟ قالوا: بلى. وكانت تحتي فلانةٌ بنت فلانٍ فطلّقتها؟ قالوا: بلى. وكانت تحتي فلانةٌ فطلّقتها؟ قالوا: بلى. قال: فقد طلّقت ثلاثاً. فبلغ إلى عثمان، فجعلها نيّته.
قال علي بن عاصم: دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذ من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، قال الحجام: لا ترد، قال: ولم؟ قال: لأنّه يكثر. قال: فتتّبع مواضع السواد لعله يكثر.
دخل أبو حنيفة على المنصور، وكان أبو العباس الطوسي سيىء الرأي في أبي حنيفة، فقال الطوسي: اليوم أقتله. فقال: يا أبا حنيفة! إن أمير المؤمنين يأمرني بقتل رجل لا أدري ما هو؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق. قال: أنفذ الحق حيث كان.
قال محمد بن جعفر الإمامي: كان أبو حنيفة يتّهم
شيطان الطاق بالرجعة، وكان شيطان الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ، فخرج أبو حنيفة يوماً إلى السوق، فاستقبله شيطان الطاق ومعه ثوبٌ يريد بيعه، فقال له أبو حنيفة: تبيع هذا الثوب إلى رجوع علي؟ فقال له: إن أعطيتني كفيلاً أنك لا تمسخ قرداً، بعتك؛ فبهت أبو حنيفة.
ولمّا مات جعفر بن محمد، التقى هو وأبو حنيفة، فقال له أبو حنيفة: أمّا إمامك فقد مات. فقال له شيطان الطاق: أمّا إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.
قال محمد بن مسلمة المديني: وقيل له: إن رأي أبي حنيفة دخل هذه الأمصار كلّها ولم يدخل المدينة؛ قال: لأنّ رسول الله [ﷺ] قال: " على كل نقبٍ من أنقابها ملكٌ يمنع الدّجّال من دخولها "، وكلام هذا من كلام الدّجّالين، فمن ثم لم يدخلها!.
قال أحمد بن محمدٍ، عن يحيى القطان: قال لي يزيد بن هارون: أنت أثقل عندي من نصف حجر البزر، قلت: لم لم تقل من الرّحى كله؟ فقال: إنّه إذا كان صحيحاً تدحرج، فإذا كان نصفاً لم يرفع إلا بجهدٍ.
قال المبرد: سأل المأمون يحيى بن المبارك عن شيءٍ، فقال: لا، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين؛ فقال: لله درك! ما وضعت واوٌ قطّ وضعاً أحسن منها في هذا الموضع؛ ووصله وحمله.
عن أبي سمي الزاهد، عن إبراهيم بن أدهم، إنّه كان في بعض السّواحل ومعه رفقاءٌ له، ومعهم حميرٌ لهم، فجاء إليهم رجلٌ، فقال: أريد أصحبكم وأكون معكم؛ فكأنّهم كرهوا ذلك، فلما خرجوا إلى ساحل البحر والرّجل معهم، قال إبراهيم بن أدهم للحمار: زر؛ فصاح الحمارٌ، فانصرف الرّجل عنهم، وقال: أنا ظننت فيكم خيراً؛ فصرفوه بهذا.
قال عبد الله بن أحمد بن حربٍ: كلّم رجل عيسى بن موسى عند عبد الله بن شبرمة القاضي، فقال عيسى: من يعرفك؟ قال: ابن شبرمة، فقال: أتعرفه؟ قال: إني لأعلم أن له شرفاً وبيتاً وقدماً؛ فلما خرج ابن شبرمة، سئل عن ذلك، فقال: أعلم أن له
أذنين مشرفتين، وأنّ له بيتاً يأوي إليه، وقدماً يطأ عليها.
بلغنا أنّ رجلين سعيا بمؤمن إلى فرعون ليقتله، فأحضرهم فرعون، فقال للسّاعيين: من ربّكما؟ قالا: أنت ﴿فقال للمؤمن: من ربك؟ فقال: ربي ربّهما﴾ فقال لهما فرعون: سعيتما برجلٍ على ديني لأقتله ﴿فقتلهما.
قال الأصمعيّ: أنشدت محمد بن عمران قاضي المدينة:
يا أيها السائل عن منزلينزلت في الخان على نفسي
يغدو عليّ الخبز من خابزٍلا يقبل الرّهن ولا ينسي
آكل من كيسي ومن كسوتيحتى لقد أوجعني ضرسي
فقال: اكتبه لي؛ قلت: أصلحك الله﴾ إنّما يكتب هذا للأحداث ﴿فقال: ويحك﴾ اكتبه لي، فإن الأشراف يعجبهم الملاحة.
امتحن ابن أبي دؤاد الحارث بن مسكين أيام المحنة، فقال له: أشهد أنّ القرآن مخلوقٌ! فقال الحارث: أشهد أنّ هذه الأربعة مخلوقةٌ، وبسط أصابعه الأربع؛ وقال: التوراة والإنجيل والزّبور والفرقان؛ فتخلّص.
قال رجلٌ لأبي تمّام: لم لا تقول ما نفهم؟ فقال: لم لا تفهمون ما أقول؟
قال أحمد ابن أبي طاهر: قال أبو هفّان، ووصف
رجلاً، فقال: هو أثقل على القلوب من الموت على المعصية ﴿
قال سفيان بن وكيع: سمعت سفيان بن عيينة يقول: دعانا سفيان الثّوري يوماً، فقدّم إلينا تمراً ولبناً خاثراً، فلمّا توسّطنا الأكل، قال: قوموا بنا نصلي ركعتين شكراً لله. قال سفيان بن وكيع: لو كان قدّم إليهم شيئاً من هذا اللوزينج المحدث، لقال لهم: قوموا بنا نصلي تراويح.
قال أبو حاتم: أنشدنا الأصمعي:
إذا جاء يومٌ صالحٌ فاقبلنهفأنت على يوم الشقاء قدير
ثم قال: أتدرون من أين أخذت هذا؟ أخذته من قول العيّارين: أكثر من التخم، فإنّك على الجوع قادرٌ.
قال بكر بن عبد الله المزني: أحوجٌ الناس إلى لطمةٍ من دعي إلى وليمةٍ فذهب معه بآخر؛ وأحوج الناس إلى لطمتين رجلٌ دخل دار قوم، فقيل له: اجلس ههنا، فقال: لا﴾ بل ههنا؛ وأحوج النّاس إلى ثلاث لطماتٍ رجلٌ قدم إليه طعامٌ، فقال: لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت.
قال عمرو بن عثمان: دخل المنصور قصراً، فوجد في جداره كتاباً:
ومالي لا أبكي بعينٍ حزينةٍوقد قربت للظّاعنين حمول
وتحته مكتوبٌ: إيه إيه؟ - قال أبو عمرو: ويروى آهٍ آهٍ - فقال المنصور: أيّ شيءٍ إيه إيه؟ فقال له الربيع، وهو إذ ذاك تحت يدي أبي الخصيب الحاجب: يا أمير المؤمنين ﴿إنّه لمّا كتب البيت أحبّ أن يخبر أنّه يبكي. فقال: قاتله الله ما أظرفه.
قال أبو الفضل الرّبعي: حدثني أبي، قال: قال المأمون لعبد الله بن طاهر: أيّما أطيب: مجلسي أو منزلك؟ قال: ما عدلت بك يا أمير المؤمنين﴾ فقال: ليس إلى هذا ذهبت، إنّما ذهبت إلى الموافقة في العيش واللّذّة، قال: منزلي يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذاك؟ قال: لأني فيه مالك وأنا ههنا مملوكٌ.
عن الأصمعي، قال: قال رجلٌ: ما رأيت ذا كبرٍ قطّ إلا تحوّل داؤه فيّ. يريد: إنّي أتكبّر عليه.
بلغنا عن بعض ولاة مصر أنّه كان يلعب بالحمام، فتسابق هو وخادمٌ له، فسبقه الخادم، فبعث الأمير إلى وزيره يستعلم الحال، فكره الوزير أن يكتب إليه: إنّك قد سبقت؛ ولم يدر كيف يكني عن تلك الحال، فقال كاتبٌ: ثم إن رأيت أن تكتب:
يا أيّها المولى الذي جدّهلكلّ جدّ قاهرٌ غالبٌ
طائرك السّابق لكنّهأتى وفي خدمته حاجب
فاستحسن ذلك، وأمر له بجائزةٍ، وكتب به.
أطال الجلوس يوماً عند الواثق حسينٌ الخادم، فقال له: ألك حاجةٌ؟ قال: أمّا إلى أمير المؤمنين فلا، ولكن إلى الله تعالى أن يطيل بقاءه ويديم عزّه.
جاء رجلٌ إلى أبي خازم القاضي، فقال: إنّ الشيطان يأتيني، فيقول: إنّك قد طلّقت امرأتك، فيشككني؛ فقال له: أو ليس قد طلقّتها؟ قال: لا ﴿قال: ألم تأتني أمس فتطلّقها عندي؟ فقال: والله ما جئتك إلا اليوم، ولا طلّقتها بوجهٍ من الوجوه، قال: فاحلف للشيطان كما حلفت لي، وأنت في عافيةٍ.
كتب بعض ملوك فارس على بابه: " تحتاج أبواب الملوك إلى عقلٍ ومالٍ وصبرٍ " فكتب بعض الحكماء تحته: " من كان عنده واحدةٌ من هذه الثلاث لم يحتج إلى أبواب الملوك " فرفع خبره إلى الملك، فقال: زه﴾ وأمر بإجازته ومحو الكتابه من الباب.
مرّ الشّعبي بخيّاط، فقال: يا خيّاط! عندنا راقود قد انكسر، تخيطه؟ فقال له الخيّاط: إن كان عندك خيوطٌ من ريحٍ خطته لك.
لمّا حاصر خالد بن الوليد أهل الحيرة، قال: ابعثوا لي رجلاً من عقلائكم؛ فبعثوا عبد المسيح بن عمروٍ، وكان نصرانياً،
فجاء، فقال لخالد: أنعم صباحاً أيها الملك ﴿فقال: قد أغنانا الله عن تحيّتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي؛ قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي؛ قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض؛ قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي؛ قال: أتعقل؟ قال: أي والله، وأقيّد؛ قال: ابن كم أنت؟ قال: أبن رجلٍ واحدٍ؛ قال خالدٌ: ما رأيت كاليوم، أسألك الشيء وتنحو في غيره﴾ فقال: ما أنبأتك إلا عما سألتني.
قال المبرّد: قال رجلٌ لهشام بن عمروٍ الفوطي: كم تعدّ؟ قال: من واحدٍ إلى ألف ألف؛ قال: لم أرد هذا، قال: فما أردت؟ قال: كم تعدّ من السّنّ؟ قال: اثنان وثلاثون؛ ستة عشر من أعلى وستة عشر من أسفل؛ قال: لم أرد هذا، قال: فما أردت؟ قال: كم لك من السنين؟ قال: ما لي منها شيءٌ، كلها لله ﷿؛ قال: فما سنّك؟ قال: عظمٌ؛ قال: فابن كم أنت؟ قال: ابن اثنين: أبٌ وأمٌ؛ قال: فكم أتى عليك؟ قال: لو أتى عليٌ شيءٌ لقتلني؛ قال: فكيف أقول؟ قال: قل: كم مضى من عمرك؟
لقي الخوارجٌ رجلاً، فهمّوا بقتله، فقال: أعهد إليكم في اليهود شيء؟ قالوا: لا! قال: فامضوا راشدين.
قال الرشيد لأبي يوسف: ما تقول في الفالوذج
واللوزينج؟ أيهما أطيب؟ فقال: يا أمير المؤمنين ﴿لا أقضي بين غائبين؛ فأمر بإحضارهما، فجعل أبو يوسف يأكل من هذا لقمةً ومن هذا لقمةً، حتى نصف جاميهما، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين﴾ ما رأيت خصمين أجدل منهما، كلما أردت أن أسجل لأحدهما أدلى الآخر بحجّته.
عن مطر الورّاق، قال: إذا سألت العالم عن مسالةٍ فحكّ رأسه، فاعلم، أنّ حماره قد بلغ القنطرة.
وعنه أيضاً أنّه قال: غضب عليّ أبي، فأسلمني إلى الحاكة نصف يومٍ، فأنا أعرف ذلك في عقلي.
قال ابن خلفٍ: حدّثني بعض أصحابنا قال: بلغني أنّ
الرشيد خرج متنزهاً، فانفرد من عسكره والفضل بن الرّبيع خلفه، فإذا هو بشيخٍ قد ركب حماراً وفي يده لجامٌ كأنّه مبعرٌ محشوٌ، فنظر إليه فإذا رطب العينين، فغمز الفضل عليه، فقال له الفضل: أين تريد؟ قال: حائطاً لي. فقال: هل لك أن أدلك على شيء تداوي به عينيك فتذهب هذه الرطوبة؟ قال: ما أحوجني إلى ذلك ﴿فقال له: خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكمأة، فصيّره في قشر جوزةٍ واكتحل، فإنّه يذهب عينيك. قال: فاتكأ على قربوسه، فضرط ضرطة طويلةٌ، ثمّ قال: تأخذ أجرةٌ لصفتك، فإن نفعتنا زدناك. قال: فاستضحك الرشيد حتى كاد يسقط عن ظهر دابّته.
قال المهدي لشريك: لو شهد عندك عيسى كنت تقبله؟ وأراد أن يغري بينهما؛ فقال: من شهد عندي سألت عنه، ولا يسأل عن عيسى إلا أمير المؤمنين، فإن زكيّته قبلته.
دخل الوليد بن يزيد على هشام [بن عبد الملك]، وعلى الوليد عمامةٌ وشي، فقال هشام: بكم أخذتها؟ قال: بألف درهم. فقال: هذا كثيرٌ؛ قال: إنّها لأكرم أطرافي، وقد اشتريت جاريةً بعشرة آلافٍ لأخسّ أطرافك﴾
وقعت على يزيد بن المهلّب حيةٌ، فلم يدفعها عنه، فقال
له أبوه: ضيّعت العقل من حيث حفظت الشجاعة.
قال عمارة بن عقيل: قال ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أنّ أمير المؤمنين ﴿يعني: المأمون - لا يبصر الشعر؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه؟ والله إنّا لننشد أوّل البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه؛ قال: إنّي أنشدته بيتاً أجدت فيه، فلم أره تحرك له، وهذا البيت فاسمعه:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاًبالدّين والنّاس بالدّنيا مشاغيل
فقلت له: ما زدت أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحةٌ، فمن يقوم بأمر الدّنيا إذا كان مشغولاً عنها وهو المطرق لها؟ ألا قلت كما قال عمّك جريرٌ لعبد العزيز بن الوليد:
فلا هو في الدنيا مضيعٌ نصيبهولا عرضٌ الدنيا عن الدين شاغله
بلغنا عن الرّشيد أنّه كان في داره حزمةٌ خيزران، فقال لوزيره الفضل بن الرّبيع: ما هذه؟ فقال: عروق الرماح يا أمير المؤمنين؛ ولم يرد أن يقول: الخيزران لموافقته اسم أم الرّشيد.
قيل للحسن بن سهل، وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف خيرٌ؛ فقال: ليس في الخير سرفٌ.
رأى الفتح بن خاقان شيئاً في لحية المتوكل، فنادى: يا غلام﴾ مرآة أمير المؤمنين؛ فجيء بها، فقابل بها وجهه حتى أخذ ذلك الشيء بيده.
قال الحسن بن علي بن مقلة: كان أبو علي ابن مقلة
يوماً يأكل، فلمّا رفعت المائدة، وغسل يده، رأى على ثوبه نقطةً صفراء من الحلواء التي كان يأكلها، ففتح الدواة، واستمد منها، ونقطها على الصفرة حتى لم يبق لها أثرٌ، وقال: ذلك عيبٌ، وهذا أثر صناعةٍ؛ ثم أنشد:
إنّما الزّعفران عطر العذارىومداد الدّوي عطر الرجال
قال السلامي الشاعر: دخلت على عضد الدولة، فمدحته، فأجزل عطيّتي من الثياب والدّنانير، وبين يديه جامٌ، فرآني ألحظه، فرمى به إليّ، وقال: خذه؛ فقلت: وكل خيرٍ عندنا من عنده؛ فقال عضد الدولة: ذاك أبوك ﴿فبقيت متحيّراً لا أدري ما أراد؛ فجئت أستاذا لي، فشرحت له الحال؛ فقال: ويحك﴾ قد أخطأت خطيئة عظيمةً، لأن هذه الكلمة لأبي نواس يصف كلباً حيث يقول:
أنعت كلباً أهله في كدّهقد سعدت جدودهم بجدّه
((وكل خيرٍ عندهم من عنده)
قال: فعدت متّشحاً بكساء، ووقفت بين يدي الملك أرعد، فقال: ما لك؟ قلت: حممت الساعة، قال: هل تعرف سبب حمّاك؟ قلت: نظرت في شعر أبي نواس، فحممت؛ قال: لا تخف، لا بأس عليك من هذه الحمى؛ فسجدت له، وانصرفت.
قال يموت بن المزرّع: جلس الجمّاز يأكل على مائدةٍ
بين يدي جعفر بن القاسم، وجعفر يأكل على مائدةٍ أخرى مع قومٍ، وكانت الصحفة ترفع من بين يدي جعفر فتوضع [بين] يديّ الجمّاز ومن معه، فربّما جاء قليل وربما لم يجيء شيءٌ، فقال الجمّاز: أصلح الله الأمير، ما نحن اليوم إلا عصبةٌ، ربّما فضل لنا بعض المال، وربّما أخذه أهل السهام ولا يبقى لنا شيءٌ.
قال يموت: وكان أبي والجمّاز يمشيان، وأنا خلفهما، فمررنا بإمام وهو ينتظر من يمرّ عليه فيصلي معه، فلمّا رآنا أقام الصلاة مبادراً، فقال له الجمّاز: دع عنك هذا، فإنّ رسول الله [ﷺ] نهى أن يتلقّى الجلب.
قال عافية بن شبيبٍ: لما دخل الجمّاز على المتوكل، قال له: تكلّم، فإنّي أريد أن أستبرئك؛ فقال: له الجمّاز: بحيضةٍ أو حيضتين؟ فضحك الجماعة. فقال له الفتح [بن خاقان]: قد كلّمت أمير المؤمنين فيك حتى ولاّك جزيرة القرود؛ فقال الجمّاز: أفلست في السمع والطاعة أصلحك الله؟ فحصر الفتح وسكت، فأمر له المتوكل بعشرة آلاف درهم، فأخذها وانحدر، فمات فرحاً بها.
قال أحمد بن المعدل: كنت جالساً عند
عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، فجاءه بعضٌ جلسائه، فقال: أعجوبةٌ ﴿قال: ما هي؟ قال: خرجت إلى حائطي بالغابة، فلمّا أصحرت وبعدت عن البيوت، تعرّض لي رجلٌ، فقال: اخلع ثيابك﴾ قلت: وما يدعوني إلى خلع ثيابي؟ قال: أنا أولى بها منك، قلت: ومن أين؟ قال: لأني أخوك وأنا عريانٌ وأنت مكتسٍ؛ قلت: فالمواساة ﴿قال: كلا، قد لبستها برهةٌ، وأنّا أريد أن ألبسها كما لبستها؛ قلت: فتعريني وتبدي عورتي؟ قال: لا بأس بذلك، فقد روّينا عن مالك أنّه قال: لا بأس للرّجل أن يغتسل عرياناً؛ قلت: فيلقاني الناس فيرون عورتي؟﴾ قال: لو كان الناس يرونك في هذه الطريق ما عرضت لك فيها؛ فقلت: إني أراك ظريفاً، فدعني حتى أمضي إلى حائطي وأنزع هذه الثياب، وأوجه بها إليك؛ قال: كلا، أردت أن توجه إلى أربعةً من عبيدك، فيحملوني إلى السلطان، فيحبسني، ويمزق جلدي، ويطرح في رجلي القيد؛ قلت: كلا، أحلف لك أيماناً أني أفي لك بما وعدتك ولا أسؤوك ﴿قال: كلا﴾ إنّا روّينا عن مالك أنّه قال: لا تلزم الأيمان التي يحلف بها للصوص؛ قلت: فأحلف لك إنّي لا أحتال في أيماني هذه؛ قال: هذه يمين مركبةٌ على أيمان اللصوص؛ قلت: فدع المناظرة بيننا، فوالله لأوجّهن إليك هذه الثياب طيبةٌ بها نفسي؛ فأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: تدري فيم فكرت؟ قلت: لا؛ قال: تصفحت أمر اللصوص من عهد رسول الله [ﷺ] وإلى وقتنا هذا فلم أجد لصاً أخذ نسيئةٌ، وأكره أن أبتدع في الإسلام بدعةً يكون عليّ وزرها ووزر من
عمل بها بعدي إلى يوم القيامة، اخلع ثيابك؛ فخلعتها ودفعتها إليه.
شاهد عبيد الله بن محمدٍ الخفّاف لصّاً قد أخذ، وشهد عيه أنّه كان يفشّ الأقفال في الدور اللطاف، فإذا دخل، حفر في الدار حفرةً لطيفةً كأنّها بئر النرد، وطرح فيها جوزاتٍ كأنّه يلاعب إنساناً، وأخرج منديلاً فيه نحو مئتي جوزةً، فتركه إلى جانبها، ثم يكور جميع ما يطيق حمله، فإن لم يفطن به خرج، وإن جاء صاحب الدار ترك القماش وأفلت، وإن كان صاحب الدار جلداً، فواثبه، وصاح: اللصوص ﴿واجتمع الجيران، أقبل عليه، وقال: ما أبردك﴾ أنا أقامرك بالجوز منذ شهور، قد أفقرتني وأخذت كل ما أملكه، لأفضحنّك بين جيرانك، لمّا قمرتك الآن تصيح ﴿يا غثّ﴾ يا بارد ﴿بيني وبينك دار القمار، قل قد ضغوت حتى أخرج﴾ فيقول الجيران: إنّما يريد أن لا يفضح نفسه بالقمار، فقد ادعي على ذا اللصوصية؛ فيحولون بينهما، ويخرجون اللص.
دخل لصٌ بيت قوم، فلم يجد فيه شيئاً، فكتب على الحائط: " عزّ علي فقركم وغناي ".
دخل لصٌ داراً، فأخذ ما فيها وخرج، فقال صاحب الدار: ما أنحس هذه الليلة ﴿فقال اللص: ليس على كل أحدٍ.
قال أبو حاتم: أنشدنا الأصمعي:
إذا جاء يومٌ صالحٌ فاقبلنهفأنت على يوم الشقاء قدير
ثم قال: أتدرون من أين أخذت هذا؟ من قول العيّارين: أكثر من التخم، فأنت على الجوع قادر.
قال إسحاق بن إبراهيم القزاز: كنّا عند بندار، فقال في حديث: عن عائشة، قال: قالت رسول الله [ﷺ]، فقال له رجلٌ يسخر منه: بالله ما أفضحك﴾ فقال: كنّا إذا خرجنا من عند روحٍ دخلنا على أبي عبيدة، قال: فقد بان ذلك عليك.
قال الأصمعي: كان بعض الكرماء في مجلسه وعنده جماعةٌ، فضرط رجلٌ من جلسائه، فانقبض لذلك، واغتمّ بانقباضه صاحب المجلس، فلمّا كان من الغد، أمر فترك تحت الفرش نفّاخة السمك، فلمّا جلس الناس عنده تفرقعت من تحت الجلساء، فقال:
ما هذا؟ انظروا ﴿فأخرجت وقد انشقّت، فقال: هذا بالأمس، وهذا اليوم﴾ وأمر بصفع الفراشين، فزالت الظنّة عن الضّارط، وبرئت ساحته.
قال أبو أحمد العسكري: حدثني شيخٌ من شيوخ بغداد، قال: كان حيّان بن بشرٍ قد ولي قضاء بغداد وقضاء إصبهان أيضاً، وكان من جلّة أصحاب الحديث، فروى يوماً أنّ عرفجة قطع أنفه يوم الكلام ﴿وكان مستمليه رجلاً يقال له: كجّة، فقال: أيّها القاضي﴾ إنّما هو يوم الكلاب؛ فأمر بحبسه، فدخل إليه الناس، وقالوا: ما الذي دهاك؟ فقال: قطع أنف عرفجة في الجاهلية، وامتحنت أنا به في الإسلام.
قال محمد بن حفص جارُ بشر: دخلنا على بشر بن الحارث وهو مريضٌ، فقال له رجلٌ: أوصني ﴿فقال: إذا دخلت إلى مريضٍ فلا تطل القعود عنده.
دفع أبو الطّيب الطبري خفاً إلى خفاف ليصلحه، فكان كلّما مرّ عليه يتقاضاه، وكان الخفّاف كلما رأى القاضي أخذ الخف وغمسه في الماء، وقال: الساعة الساعة؛ فلمّا طال عليه، قال له: إنّما دفعته إليك لتصلحه، ولم أدفعه إليك لتعلّمه السباحة﴾
قال عبد الله بن البوّاب: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا في بعض الأوقات؛ جلس يستاك على دجلة من وراء ستر ونحن قيامٌ
بين يديه، فمرّ ملاّحٌ وهو يقول: أتظنّون أنّ هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه؟ قال: فوالله ما زاد على أن تبسّم، وقال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل؟ ﴿
قال أبو الحسن المدائني: قال بعض أهل العلم: كان لنا صديقٌ من أهل البصرة، وكان ظريفاً أديباً، فوعدنا أن يدعونا إلى منزله، فكان يمرّ بنا، فكلما رأيناه قلنا له: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾. فيسكت إلى أن اجتمع ما نريد، فمرّ بنا، فأعدنا عليه، فقال: ﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون﴾.
قال الزهري: سمعت سعيد بن المسيب يقول لرجل: ألك امرأةٌ إذا أخذتها قالت لك: قتلتني؟ قال: نعم﴾ قال: فاقتلها، فإن ماتت، فعلي ديتها.
قال أبو محمدٍ عبد الله بن علي المقرئ: كان حاجب الباب ابن النسوي ذكياً، فسمع في بعض ليالي الشتاء بصوت برّادةٍ، فأمر بكبس الدّار، فأخرجوا رجلاً وامرأة، فقيل له: من أين علمت؟ فقال: في الشتاء لا يبرّد الماء، وإنّما هذه علامةٌ بين هذين.
كان لأحمد بن الخصيب وكيلٌ في ضياعه، فرفعت عليه جنايةٌ، فهرب، فكتب إليه أحمد يؤنسه ويحلف له على بطلان ما اتصل به، ويأمره بالرّجوع، فكتب إليه:
أنّا لك عبدٌ سامعٌ ومطيعٌوإنّي بما تهوى إليك سريع
ولكن لي كفّاً أعيش بفضلهافما أشتري إلا بها وأبيع
أأجعلها تحت الرّحى ثمّ أبتغيخلاصاً لها ﴿إنّي إذن لرقيع
وروّينا أنّ المتوكل قال: أشتهي أنادم أبا العيناء لولا أنّه ضريرٌ؛ فقال أبو العيناء: إن أعفاني أميرُ المؤمنين من رؤية الهلال ونقش الخواتيم فإني أصلح.
وقيل لأبي العيناء: بقي من يلقى؟ قال: نعم﴾ في البئر.
قال علي بن سليمان الأخفش: سمعت أبا العيناء يقول: كنت يوماً في الورّاقين، إذ رأيت منادياً مغفّلاً، في يده مصحف مخلّق الأداة، فقلت له: ناد عليه بالبراءة ممّا فيه؛ وأنا أعني أداته، فأقبل ينادي بذلك، فاجتمع أهل السّوق والمارّة على المنادي، وقالوا لهُ: يا عدوّ الله! تنادي على مصحف بالبراءة ممّا فيه.
قال: وأوقعوا به، فقال لهم: ذلك الرّجل القاعد أمرني بذلك؛ فتركوا المنادي، وأقبلوا عليّ، ورفعوني إلى الوالي، وكتب في أمري إلى السلطان، فأمر بحملي، فحملت مستوثقاً مني، واتصل خبري بابن أبي داؤدٍ، فلم يزل يتلطّف في أمري حتى خلّصني.
قال أبو العيناء: كان سبب خروجي من البصرة وانتقالي عنها، أني مررت بسوق النّخّاسين يوماً، فرأيت غلاماً ينادي عليه
وقد بلغ ثلاثين ديناراً وهو يساوي ثلاث مئة دينار، فاشتريته، وكنت أبني داراً، فدفعت إليه عشرين ديناراً على أن ينفقها على الصّناع، فجاءني بعد أيّام يسيرةٍ، فقال: قد نفدت النّفقة، قلت: هات حسابك؛ فرفع حساباً بعشرة دنانير، قلت: فأين الباقي؟ قال: اشتريت به ثوباً مصمتاً وقطعته، قلت: ومن أمرك بهذا؟ قال: يا مولاي ﴿لا تعجل، فإن أهل المروءات والأقدار لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلاً يعود بالزّين على مواليهم؛ فقلت في نفسي: أنا اشتريت الأصمعي ولم أعلم﴾.
قال: وكانت في نفسي امرأةٌ أردت أن أتزوّجها سرّاً من ابنة عمي، فقلت له يوماً: أفيك خيرٌ؟ قال: إي لعمري؛ فأطلعته على الخبر، فقال: أنا نعم العون لك؛ فتزوجت، ودفعت إليه ديناراً، فقلت له: اشتر لنا كذا وكذا، ويكون فيما تشتريه سمكٌ هازبى؛ فمضى، ورجع وقد اشترى ما أردت، إلا أنّه اشترى سمكاً مارماهى، فغاظني، فقلت: أليس أمرتك أن تشتري هازبى؟ قال: بلى ﴿ولكنّي رأيت بقراط يقول: إنّ الهازبى يولّد السّوداء ويصف المارماهى؛ ويقول: إنّه أقل غائلةً؛ فقلت: أنا لم أعلم إني اشتريت جالينوس؟﴾ وقمت إليه، فضربته عشر مقارع، فلمّا فرغت من ضربه، أخذني وأخذ المقرعة، وضربني سبع مقارع، وقال: يا مولاي ﴿الأدب ثلاث، والسبع فضلٌ، ولذلك قصاصٌ، فضربتك هذه السبع خوفاً عليك من القصاص يوم القيامة؛ فغاظني جدّاً، فرميته، فشجحته، فمضى من وقته إلى ابنة عمي، فقال لها: يا مولاتي﴾ الدين النصيحة، وقد قال النبي [ﷺ]: " من غشّنا فليس منا " وأنا أعلمك أنّ مولاي قد تزوّج
واستكتمني، فلمّا قلت له: لا بدّ من إعلام مولاتي، ضربني بالمقارع، وشجّني؛ فمنعتني بنت عمّي من دخول الدار، وحالت بيني وبين ما فيها، فلم أر الأمر يصلح إلاّ بأن طلقت المرأة التي تزوّجتها، فصلح أمري مع ابنة عمّي وسمّت الغلام، " النّاصح "، فلم يتهيّأ لي أن أكلّمه، فقلت: أعتقه وأستريح، لعلّه أن يمضي عنّي؛ فأعتقته، فلزمني؛ قال: الآن وجب حقّك عليّ؛ ثمّ إنّه أراد الحجّ، فجهّزته وزوّدته، وخرج، فغاب عليّ عشرين يوماً، ثمّ رجع، فقلت له: لم رجعت؟ قال: قطع الطريق، وفكّرت، فإذا الله تعالى يقول: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. وكنت غير مستطيع، وفكرت، فإذا حقك عليّ أوجب، فرجعت؛ ثم أراد الغزو، فجهزته، فشخص، فلمّا غاب عني بعت كل ما أملكه بالبصرة من عقارٍ وغيره، وخرجت عنها خوفاً أن يرجع.
وسئل أبو العيناء عن حماد بن زيدٍ بن درهم، وحمّاد بن سلمة بن دينار، فقال: بينهما في القدر ما بين أبويهما في الصرف.
وشكى بعض الوزراء كثرة الأشغال، فقال أبو العيناء: لا أراني الله يوم فراغك.
وشكى أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان تأخّر رزقه، فقال: ألم نكن كتبنا لك إلى فلانٍ، فما فعل في أمرك؟ قال: جرّني
على شوك المطل؛ قال: أنت اخترته؛ قال: وما علي وقد اختار موسى قومه سبعين رجلاً، فما كان فيهم رشيدٌ، فأخذتهم الرجفة، واختار رسول الله [ﷺ] ابن أبي سرح كاتباً، فلحق بالكفّار مرتدّاً واختار عليّ أبا موسى، فحكم عليه؟ ﴿.
قال بعض العلويّة لأبي العيناء: أنت تبغضني، ولا تصحّ صلاتك إلاّ بالصّلاة عليّ، لأنّك تقول: اللهم صلّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، قال: إذا قلت: " الطّيّبين " خرجت منهم.
وقال له رجل: أشتهي أرى الشيطان، قال: انظر في المرآة.
كان علي بن عيسى الرّبعي يمشي على جانب دجلة، فرأى الرّضيّ والمرتضى في سفينةٍ، ومعهما عثمان بن جنّي، فقال: من أعجب أحوال الشّريفين أن يكون عثمان جالساً بينهما وعليّ يمشي على الشط بعيداً عنهما.
دخل حميد الطوسي على المأمون وعنده بشرٌ المريسيّ، فقال المأمون لحميد: أتدري من هذا؟ قال: لا﴾ قال: هذا بشرٌ المريسيّ؛ فقال حميدٌ: يا أمير المؤمنين ﴿هذا سيّد الفقهاء، هذا قد رفع عذاب القبر ومسألة منكر ونكير، والميزان والصّراط، انظر هل يقدر أن يرفع الموت فيكون سيّد الفقهاء حقّاً؟﴾.
قال السري: اعتللت بطرطوس علة الذرب، فدخل عليّ هؤلاء القرّاء يعودوني، فجلسوا، فأطالوا، فآذاني جلوسهم، ثمّ قالوا: إن رأيت أن تدعو الله؟ فمددت يدي، فقلت: الّلهمّ علّمنا أدب العيادة.
قال عبد الله بن سليمان بن الأشعث؛ سمعت أبي يقول: كان هارون الأعور يهودياً، فأسلم وحسن إسلامه، وحفظ القرآن والنحو، فناظره إنسانٌ في مسألة، فغلبه هارون، فلم يدر المغلوب ما يصنع، فقال له: أنت كنت يهودياً فأسلمت، فقال هارون: فبئس ما صنعت؟ ! فغلبه في هذا أيضاً.
قال المبرّد: ضاف رجلٌ قوماً، فكرهوه، فقال الرجل لامرأته: كيف نعلم مقدار مقامه؟ فقالت: ألقِِ بيننا شرّاً حتى نتحاكم إليه، ففعل، فقالت للضّيف: بالذي يبارك لك في غدوّك غداً، أيّنا أظلم؟ فقال الضّيف: والذي يبارك لي في مقامي عندكم شهراً ما أعلم.
لما دخل أبو محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي بيت المقدس، قصد أبا عثمان ابن ورقاء، فطلب منه جزءاً، فوعده به، ثم
رجع ورجع مرّات، والشيخ ينسى، فقال له أبو محمدٍ: أيّها الشيخ ﴿لا تنظر إليّ بعين الصّبوة، فإن الله تعالى قد رزقني من هذا الشأن ما لم يرزق أبا زرعة الرّازي. فقال الشيخ: الحمد لله. ثم رجع إليه في طلب الجزء، فقال الشيخ: أيّها الشاب﴾ إنّي طلبت البارحة الأجزاء، فلم أر جزءاً يصلح لأبي زرعة الرّازي ﴿فخجل وقام.
كان أبو الحسين بن المتيّم الصوفي يسكن الرّصافة، وكان مطبوعاً مضحاكاً، وكان دائماً يتولّع برجلٍ شاهد فيه غفلةً، يعرف بأبي عبد الله إلكيا. قال ابن المتيّم: فلقيته يوماً في شارع الرصافة، فسلّمت عليه، وصحت به: لتشهد عليّ؛ فاجتمع النّاس علينا، فقال: بماذا؟ قلت: إن الله تعالى إله واحدٌ لا إله إلا هو وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأن الجنّة حقّ، والنّار حقّ، والسّاعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؛ فقال: أبشر يا أبا الحسين﴾ سقطت عنك الجزية، وصرت أخاً من إخواننا. فضحك النّاس وانقلب الولع بي.
استأجر رجلٌ رجلاً يخدمه، فقال له: كم أجرتك؟ قال: شبع بطني؛ فقال له: سامحني؛ فقال: أصوم كل اثنين وخميس.
قال الجاحظ: كنت مجتازاً في بعض الطرق فإذا أنا برجلٍ قصيرٍ بطينٍ كبير الهامة، متّزرٍ بمئزرٍ وبيده مشطٌ، يسقي به شقةً، ويمشطها به؛ فاستزريته، فقلت: أيها الشيخ! قد قلت فيك
شعراً؛ فترك المشط من يده، وقال: هات؛ فقلت:
كأنّك صعوةٌ في أصل حشّأصاب الحشّ طشٌ بعد رش
فقال لي: اسمع الجواب؛ قلت: هات ﴿فقال:
كأنّك كندنٌ في ذنب كبشيدلدل هكذا والكبش يمشي
منع عمرو بن العاص أصحابه ما كان يصل إليهم؛ فقام إليه رجلٌ، فقال له: اتّخذ جنداً من الحجارة لا تأكل ولا تشرب؛ فقال له عمرو: اخسأ أيّها الكلب. فقال له الرجل: أنا من جندك، فإن كنت كلباً فأنت أمير الكلاب وقائدها.
قال رجلٌ لغلامه: يا فاجر﴾ فقال: مولى القوم منهم.
قال الصّاحب بن عباد: جئت من دار السلطان ضجراً من أمر عرض لي؛ فقال لي رجلٌ: من أين أقبلت؟ فقلت: من لعنةِ الله؛ فقال: ردّ الله عليك غربتك.
قال شيخنا أبو منصور ابن زريق: كان رجلٌ من
الأصبهانّيين قد لازم أبي يسمع منه الحديث، فأضجره، فخرج أبي يوماً، فتبعه الأصبهانيُّ، وقال له: إلى أين؟ قال: إلى المطبق، قال: وأنا معك.
قال رجلٌ لرجلٍ: بماذا تداوي عينك؟ قال: بالقرآن ودعاء العجوز؛ فقال: اجعل معهما شيئاً من أنزروت.
قال الأصمعي: رأيت رجلاً قاعداً في زمن الطّاعون يعدّ الموتى في كوزٍ، فعدّ أوّل يوم عشرين ومئة ألفٍ، وعدّ في اليوم الثاني خمسين ومئة ألفٍ؛ فمرّ قومٌ بميتّهم وهو يعدّ، فلما رجعوا إذا عند الكوز غيره، فسألوا عنه، فقالوا: هو في الكوز.
قال جعفر بن يحيى لبعض جلسائه: أشتهي والله أن أرى إنساناً تليق به النعّمة؛ فقال: أنا أريك؛ قال: هات؛ فأخذ المرآة وقرّبها من وجهه.
قال أبو الحسن السّلاميّ الشاعر: مدح الخالديان سيف الدّولة ابن حمدان بقصيدةٍ أوّلها:
تصدّ ودارها صددوتوعده ولا تعد
وقد قتلته ظالمةًفلا عقلٌ ولا قود
وقال فيها في مدحه:
فوجهٌ كلّهُ قمرٌوسائر جسمه أسد
فأعجب بها سيف الدّولة واستحسن هذا البيت، وجعل يردّده؛ فدخل عيه الشّيظميُّ الشاعر، فقال له: اسمع هذا البيت؛ وأنشده؛ فقال الشيظميُّ: احمد ربّك ﴿فقد جعلك من عجائب البحر.
سئل جحظةُ عن دعوة حضرها، فقال: كلُّ شيءٍ كان منها بارداً إلاّ الماء.
قال شاعرٌ لشاعر: أنا أقول البيت وأخاه، وأنت تقوله وابن عمّه.
قال أبو حنيفة السائح: لقيت بهلول المجنون وهو يأكل في السوق، فقلت: يا بهلول﴾ تجالس جعفر بن محمدٍ، وتأكل في السوق؟ ! فقال: حدّثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله [ﷺ] يقول: " مطل الغني ظلمٌ " ولقيني الجوع وخبزي في كمي، فما أمكنني أماطله.
قال عليّ بن الحسين الرّازي: مرّ بهلول بقومٍ في أصل شجرةٍ، فقالوا: يا بهلول ﴿تصعد هذه الشجرة وتأخذ عشرة دراهم؟ فقال: نعم؛ فأعطوه عشرة دراهم، فجعلها في كمّه، ثمّ التفت إليهم، فقال: هاتوا سلّماً؛ فقالوا: لم يكن هذا في شرطنا﴾ قال: كان في شرطي.
ومرّ بهلول بسويق البزّازين، فرأى قوماً مجتمعين على باب دكّانٍ قد نقب، فنظر فيه، وقال: ما تعلمون من عمل هذا؟ قالوا: لا، قال: فأنا أعلم. فقالوا: هذا مجنونٌ، يراهم بالليل ولا يتحاشونه، فالطفوا به لعلّه يخبركم؛ فقالوا: خبرنا؛ قال: أنا جائع؛ فجاؤه بطعام سني وحلواء، فلمّا شبع، قام، فنظر في النّقب، وقال: هذا عمل اللّصوص.
وسئل بهلول عن رجلٍ مات وخلّف ابناً وبنتاً وزوجةً، ولم يترك شيئاً؛ فقال: للابن اليتم، وللبنت الثكل، وللزوجة خراب البيت، وما بقي للعصبة.
ودخل بهلول وعليّان المجنون على موسى ابن المهديّ، فقال لعليّان: إيش معنى عليّان؟ فقال عليّان: فإيش معنى موسى؟ فقال: خذوا برجل ابن الفاعلة؛ فالتفت عليّان إلى بهلول، فقال: خذ إليك، كنّا اثنين صرنا ثلاثة.
بعث بلال بن أبي بردة إلى ابن أبي علقمة المجنون، فلمّا جاء قال له: أحضرتك لأضحك منك ﴿فقال المجنون: لقد ضحك أحد الحكمين من صاحبه؛ يعرض بأبي موسى.
قال أبو جعفر محمد بن جعفر البربي: مررت بسائل على الجسر وهو يقول: مسكيناً ضريراً؛ فدفعت إليه قطعة. وقلت لهُ: لم نصبت؟ فقال: فديتك﴾ بإضمار " ارحموا ".
قال محمد بن القاسم: سئل بعض المجّان، فقيل لهُ: كيف أنت في دينك؟ فقال: أخرقه بالمعاصي، وأرقعه بالاستغفار.
صحب مجوسي قدرياً، فقال له القدري: مالك لا تسلم؟ قال: حتى يريد الله! قال: قد أراد ذلك، ولكن الشّيطان لا يريده؛ قال: فأنا مع أقواهما.
قال محمد بن سكرة: دخلت حماماً، وخرجت وقد سرق مداسي، فعدت إلى داري حافياً، وأنا أقول:
إليك أذم حمّام ابن موسىوإن فاق المنى طيباً وحرّا
تكاثرت اللّصوص عليه حتىليحفى من يطيف به ويعرى
ولم أفقد به ثوباً ولكندخلت محمداً وخرجت بشراً
جهل رجل على بعض العلماء، فقال العالم: جرح العجماء جبار.
قال محمد بن يوسف القطان: يحكى أن أبا الحسين الطّرائفي لمّا رحل إلى عثمان بن سعيد الدّرامي، فدخل عليه، قال له عثمان: متى قدمت هذا البلد؟ فأراد أن يقول: أمس، فقال: قدمت غداً. فقال له عثمان: فأنت بعد في الطريق.
جاء رجل إلى ابن عقيل، فقال له: إني أغتمس في النهر غمستين وثلاثاً ولا أتيقّن أنه قد عمّني الماء ولا أني قد تطهّرت! فقال له: لا تصل. قيل له: كيف قلت هذا؟ قال: لأن رسول الله [ﷺ] قال: " رفع القلم عن المجنون حتى يفيق " ومن ينغمس في النهر مرّتين وثلاثاً ويظن أنه ما اغتسل، فهو مجنون.
قال عبد الرّحمن بن صالح: دخل أبو بكر ابن عيّاش على موسى بن عيسى وهو على الكوفة، وعنده عبد الله بن مصعب الزّبيري، فأدناه موسى، ودعا له بتكاء، فاتّكأ وبسط رجليه، فقال
الزّبيري: من هذا الذي دخل ولم يستأذن له، ثم اتّكأته وبسطته؟ قال: هذا فقيه الفقهاء والمرأس عند أهل المصر، أبو بكر ابن عيّاش؛ قال الزّبيري: فلا كثير ولا طيب، ولا مستحق لما فعلت به ﴿فقال أبو بكر للأمير: من هذا الذي يسأل عني بجهل، ثم تتابع بسوء قول وفعل؟ فنسبه له، فقال له: اسكت مسكتاً﴾ فبأبيك غدر ببيعتنا، وبقول الزور خرجت أمّنا، وبابنه هدمت كعبتنا، وبك أحرى ان يخرج الدّجّال فينا؛ فضحك موسى حتى فحص برجليه، وقال للزّبيري: أنا والله أعلم أنّه يحفظ أهلك وأباك ويتولاه، ولكنّك مشؤوم على آبائك.
دخل كلثوم بن عمرو العتّابي على المأمون وعنده إسحاق الموصلي، فغمز المأمون إسحاق عليه، فجعل العتّابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه فيه إسحاق، فقال له العتّابي: ما اسمك؟ فقال: كل بصل؛ قال: هذا اسم منكر. قال: أتنكر أن يكون اسمي كل بصل واسمك كل ثوم ﴿والبصل أطيب من الثوم﴾ ؟ فقال: أظنك إسحاق! فقال: نعم؛ فتوادّا.
خرج الرشيد يوماً في ثياب العوام ومعه يحيى بن خالد وخالد الكاتب وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وأبو نواس وعليهم ثياب العامة، فنزلوا سهرية مع ملاّح غريب اختلاطا بالعوام. فنزل معهم
عامي، فثقل على الرشيد، وهمّ بإخراجه وعقوبته، فقال أبو نواس: عليّ إخراجه من غير إساءةٍ إليه؛ فقال أبو نواس للجماعة: عليّ مأكولكم من اليوم وإلى يوم مثله؛ فقال الرشيد: وعليّ مشروبكم من اليوم وإلى يوم مثله؛ وقال يحيى: عليّ مشمومكم من اليوم وإلى يوم مثله؛ وقال خالد: عليّ بقلكم من اليوم إلى يوم مثله؛ وقال إسحاق: عليّ أن أغنيكم من اليوم إلى يوم مثله؛ ثمّ التفت أبو نواس إلى الرجل، فقال: ما الذي لنا عليك أنت؟ فقال: عليّ أن لا أفارقكم من اليوم إلى يوم مثله؛ فقال الرشيد: هذا ظريفٌ لا يحسن إخراجه، فصحبهم في تفرّجهم بقيةً يومهم.
تغدى أعرابيٌ مع مزبدٍ، فقال له مزبد: كيف مات أبوك؟ فأخذ يحدثه بحاله وأخذ مزبّد يمضي في أكله، فلمّا فطن الأعرابي، قطع الحديث، وقال له: أنت ﴿كيف مات أبوك؟ فقال: فجأة؛ وأخذ يأكل.
قال سفيان الثّوري: ما نظرت قطّ إلى ثقيل أو بغيضٍ إلا كحّلت عينيّ بماء وردٍ مخافة أن يكون قد التصق بها شيءٌ.
قال بعض المجّان: قال إبليس: لقيت من أصحاب البلغم شزّةً، ينسون ويلعنوني﴾
قال الجمّاز: قال لي أبو كعب القاص: والدتي بالبصرة، وأنا شديد الشّفقة عليها، وأخاف إن حملتها إلى بغداد في الماء أن تغرق، وإن حملتها على الظّهر أن تتعب، فما تشير عليّ في أمرها؟ فقلت له: أشير عليك أن تأخذ بها سفتجةً.
قال محمد بن حرب الهلالي: أتيت بمزبدٍ في تهمةٍ، فضربته سبعين درّةً، ثمّ تبيّن لي أنّه كان مظلوماً، فدعوته، وقلت: أحلنّي منها، فقال: لا تعجل، ودعها لي عندك، فإنّي أجيء إليك كثيراً، فكلّما وجب عليّ شيءٌ قاصصتني عليها. فكنت أوتى به في الشيء الذي يجب عليه فيه التقويم، فأحاسبه على العشرة منها وعلى الخمسة، حتى استوفى.
قال الحسين بن فهم: كان المرتمي - مضحك الرّشيد - يأكل قبل طلوع الشمس، فقيل له: لو انتظرت حتى تطلع الشمس! فقال: لعنني الله إن انتظرت غائباً من وراء سمرقند، لا أدري ما يحدث عليه في الطريق.
قال أبو العيناء: دفع الجمّاز إلى غسّال ثياباً، فدفع إليه
أقصر منها، فطالبه، فقال: لمّا غسلت تشمّرت. قال: ففي كم غسلةٍ يصير القميص زنقاً.
نزل عيارٌ في شاروفة الدّار فانقطعت، فوقع، فانكسرت رجله؛ فصاحت المرأة: خذوه؛ فقال لها: ما عليك عجلةٌ، أنا عندك اليوم وغداً وبعده.
قال سليمان الأعمش لابنه: اذهب فاشتر لنا حبلاً يكون طوله ثلاثين ذراعاً، فقال: يا أبةِ! في عرض كم؟ قالك في عرض مصيبتي فيك.
قيل لجمّير: من يحضر مائدة فلانٍ؟ فقال: أكرم الخلق وألأمهم، يعني: الملائكة والذباب.
رأى منصورٌ الفقيه ابنه يلعب ويعدو، فقال له: لو علمت أنّ رجلك من قلب أبيك لرفقت بها.
جاء شاعران إلى بعض النّحاة، فقالا: اسمع شعرنا
وأخبرنا بأجودنا؛ فسمع شعر أحدهما، وقال: ذاك أجود؛ قال له: فما سمعت شعره ﴿؟ ما يكون أنحس من هذا قطّ.
دخل قومٌ من بني تيم الله على مجنون من بني أسدٍ، فأكثروا العبث به، فقال لهم: يا بني تيم الله﴾ ما أعلم قوماً خيراً منكم. قالوا: كيف؟ قال: بنو أسدٍ ليس فيهم مجنونٌ غيري، قد قيّدوني؛ وأنتم كلّكم مجانين، وليس فيكم مقيّدٌ.
قال سعيد بن حفص المدينيّ: قال أبي: أتي المأمون بأسود قد ادّعى النبّوة، وقال: أنا موسى بن عمران ﴿فقال له: إنّ موسى أخرج يده من جيبه بيضاء، فأخرج يدك بيضاء حتى أؤمن بك﴾ فقال الأسود: إنّما فعل موسى ذلك لمّا قال فرعون: أنا ربّكم الأعلى ﴿فقل أنت كما قال حتى أخرج يدي بيضاء، وإلاّ لم تبيضّ.
سقي رجلٌ ماءً بارداً، ثمّ عاد فطلب، فسقي ماءً حارّاً، فقال: لعلّ مزمّلتكم يعتريها حمى الرّبع.
قال الحسن بن موسى: أضاف رجلٌ رجلاً، فقال المضيف: يا جاريةُ﴾ هاتِ خبزاً وما رزق الله؛ فجاءت بخبزٍ وكامخٍ؛ ثمّ قال أيضاً: يا جاريةُ! هات خبزاً وما رزق الله؛ فجاءت
بخبزٍ وكامخٍ؛ فقال الضيف: يا جارية ﴿هات خبزاً ودعي ما رزق الله.
قال الماجشون: كان بالمدينة عطّاران يهوديّان، فأسلم أحدهما وخرج فنزل العراق، فالتقيا ذات يوم، فقال اليهودي للمسلم: كيف رأيت دين الإسلام؟ قال: خير دين، إلاّ أنّهم لا يدعونا نفسو في الصلاة كما كنّا نصنع ونحن يهودٌ﴾ فقال له اليهودي: ويلك ﴿افس وهم لا يعلمون﴾.
قال ابن الأعرابي: قيل لكذّاب: تذكر أنّك صدقت قطّ؟ فقال: لولا أني أخاف أن أصدق لقلت: نعم.
قال عبد الله بن أحمد المقرئ: صلى بنا إمامٌ لنا وكان شيخاً صالحاً، وقد اشترى سطلاً، فاستحيا أن يجعله قدّامه في الصلاة، فجعله خلفه، فلمّا ركع شغل قلبه به، فظن أنّه قد سرق، فرفع رأسه، فقال: ربنّا ولك السطل ﴿فقلت له: السطل خلفك، لا بأس.
سمع يزيد بن أبي حبيبٍ رجلاً يقول: جئت من أسفل الأرض﴾ فقال: كيف تركت قارون؟.
عن أبي حميدٍ أو حميدٍ، قال: مرض مولى لسعيد بن
العاص، فبعث إلى سعيد بن العاص أنّه ليس له وارثٌ غيرك، وههنا ثلاثون ألفاً مدفونةٌ، فإذا أنا مت فخذها؛ فقال سعيدٌ: ما أرانا إلا قد قصّرنا في حقه، وهو من شيوخ موالينا؛ فبعث إليه بفرسٍ، وتعاهده، فلمّا مات اشترى له كفناً بثلاثِ مئة درهم، وشهد جنازته، فلمّا رجع إلى البيت، وردّ الباب، وأمر أن يحفر الموضع الذي ذكر، فلم يوجد شيءٌ، ثمّ حفر موضعٌ آخر فلم يوجد شيءٌ، فحفر البيت كلّه فلم يوجد شيءٌ، وجاءه صاحب الكفن يطلب ثمن الكفن، فقال: لقد هممت أن أنبش عنه. لما تداخله.
قال علي بن عاصم: تنبّأ حائكٌ بالكوفة، فاجتمع عليه الناس، فقالوا: أتق الله، خف الله، رأيت حائك نبيّ؟ قال: ما تريدون أن يكون نبيّكم إلا صيرفيّ.
النص من طبعة دار ابن حزم (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع