تجاوز إلى المحتوى

من «أخبار الظراف والمتماجنين» لابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)

الباب الثالث فيما ذكر عن الصبيان من ذلك

قال الزبير بن بكارٍ: كان ابن الزبير يلعب مع الصبيان وهو صبي، فمر رجلٌ فصاح عليهم، ففروّا، ومشى ابن الزبير القهقرى، وقال: يا صبيان ﴿اجعلوني أميركم؛ وشدوا عليه.

ومرّ به عمر بن الخطّاب وهو يلعب مع الصبيان، ففرّوا ووقف، فقال له: مالك لم تفرّ مع أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين﴾ لم أجرم فأخاف، ولم يكن الطريق ضيّقة فأوسع عليك.

قال علي ابن المديني: خرج سفيان بن عيينة إلى أصحاب الحديث وهو ضجرٌ، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيدٍ، وجالس ضمرة أبا سعيد الخدريّ؛ وجالست عمرو بن دينارٍ، وجالس جابر بن عبد الله؛ وجالست عبد الله بن دينارٍ، وجالس ابن عمر؛ وجالست الزهري، وجالس أنس بن مالكٍ؛ حتى عدّ جماعة، ثم أنا أجالسكم ﴿فقال له حدثٌ في المجلس: انتصف يا أبا محمدٍ﴾ قال: إن شاء الله؛ قال: والله لشقاء من جالس أصحاب رسول الله [ﷺ] بك أشدّ من شقائك بنا؛ فأطرق وتمثّل بشعر أبي نواسٍ:

خل جنبيك لراموامض عنه بسلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خل جنبيك لرام»
مت بداء الصمت خيرٌلك من داء الكلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خل جنبيك لرام»

فسأل: من الحدث؟ قالوا: يحيى بن أكثم؛ فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء. يعني: السلاطين.

قال أبو عاصم النبيل: رأيت أبا حنيفة في المسجد الحرام يفتي وقد اجتمع النّاس عليه، وآذوه، فقال: ما ههنا أحدٌ يأتينا بشرطيّ؟ فقلت: يا أبا حنيفة ﴿تريد شرطياً؟﴾ قال: نعم ﴿فقلت: اقرأ عليّ هذه الأحاديث التي معي؛ فقرأها، فقمت عنه، ووقفت بحذائه، فقال لي: أين الشرطيّ؟ فقلت له: إنّما قلت: تريد، لم أقل لك: أجيء به؛ فقال: انظروا﴾ أنا أحتال للنّاس منذ كذا وكذا، وقد احتال عليّ هذا الصبّي.

قال ثمامة: دخلت إلى صديق أعوده، وتركت حماري على الباب، ولم يكن معي غلامٌ يحفظه، ثمّ خرجت، وإذا فوقه صبيّ، فقلت: أركبت حماري بغير إذني؟ ! قال: خفت أن يذهب فحفظته لك؛ قلت: لو ذهب كان أحب لي من بقائه؛ قال: إن كان هذا رأيك فيه، فاعمل على أنّه قد ذهب وهبه لي واربح شكري؛ فلم أدر ما أقول.

قال الأصمعي: قال رجلٌ من أهل الشّام: قدمت المدينة؛ فقصدت منزل إبراهيم ابن هرمة، فإذا بنتٌ له صغيرةٌ تلعب بالطين، فقلت لها: ما فعل أبوك؟ قالت: وفد إلى بعض الأجواد، فما

لنا منه علمٌ منذ مدةٍ؛ فقلت: انحري لنا ناقةً، فإنّا أضيافك؛ قالت: والله ما عندنا، قلت: فشاةً، قالت: والله ما عندنا، قلت: فدجاجةً، قالت: والله ما عندنا، قلت: فأعطنا بيضةً، قالت: والله ما عندنا، قلت: فباطلٌ ما قال أبوك:

كم ناقةٍ قد وجأت منحرهابمستهل الشؤبوب أو جمل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»

قالت: فذاك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى ليس عندنا شيءٌ.

قال بشرٌ الحافي: أتيت باب المعافى بن عمران، فدققت الباب، فقيل لي: من؟ فقلت: بشرٌ الحافيٌ؛ فقالت لي بنية من داخل الدار: لو اشتريت نعلاً بدانقين ذهب عنك اسم الحافي.

قال الأصمعي: بينا أنا في بعض البوادي، إذا أنا بصبي - أو قال: صبيةٍ - معه قربةٌ قد غلبته، فيها ماءٌ، وهو ينادي: يا أبةِ أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها؛ قال: فوالله قد جمع العربية في ثلاث.

قال الأصمعي: وقلت لغلامٍ حدثٍ من أولاد العرب: أيسرّك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنّك أحمقٌ؟ قال: لا، والله؛ قلت: لم؟ قال: أخاف أن يجني عليّ حمقي جنايةً تذهب مالي وتبقي عليّ حمقي.

لقي صبي رجلاً غافلاً، فقال له الصبي: إلى أين تمضي؟

فقال: إلى المطبق، فقال: أوسع خطواتك.

ركب المعتصم إلى خاقان يعوده، والفتح صبي يومئذٍ، فقال له المعتصم: أيّما أحسن: دار أمير المؤمنين أو دار أبيك؟ فقال: إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي، فدار أبي أحسن؛ وأراه فصّاً في يده، فقال: رأيت يا فتح أحسن من هذا الفصّ؟ فقال: نعم! اليد التي هو فيها.

ذبح رجلٌ بخيلٌ دجاجةً، فدعاه صديقٌ له، فأمر بالدّجاجة فرفعت، وبات عند صديقه، فلمّا جاء دعا بالدّجاجة، فإذا هي منزوعة الفخذ، فقال: من هذا الذي تعاطى فعقر؟ فامتنعوا أن يخبروه، فقال لقهرمانه: اقطع خبزهم ونفقاتهم؛ فوثب غليّم له صغير، وقال: ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ فردّ عليهم خبزهم.

قعد صبيّ مع قومٍ يأكلون، فجعل يبكي، فقالوا: ما لك؟ قال: الطعام حارُّ، قالوا: فدعه حتى يبرد، فقال: أنتم ما تدعونه.

النص من طبعة دار ابن حزم (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخبار الظراف والمتماجنين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.