من «الفلاكة والمفلوكون» للدلجي (ت ٨٣٨هـ)
يحيى بن اكتم
ابن محمد التميمي المروزي أحد أعلام الدنيا، روى عنه الإمام أحمد ابن حنبل وغيره،
وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً، وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب وتركها الناس لطولها، وكان له كتب في الأصول أيضا، وكان من أدهى الناس واخبرهم بالأمور كان إذا رأى فقيهاً سأله عن
الحديث أو محدثاً سأله عن النحو أو نحوياً سأله عن الكلام فيخجله ويقطعه. كان ابن زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى ابن اكتم وكان غلاماً متناهي الجمال، فقرص القاضي خده فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده، فقال له: خذ القلم واكتب فأملاه:
أبا قمراً خمشته فتغضباوأصبح لي من تيهه متجنبا
إذا كنت للتخميش والعض كارهاًفكن أبداً يا سيدي متنقبا
ولا تظهر الأصداغ للناس فتنةوتجعل منها فوق خديك عقربا
فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاًوتترك قاضي المسلمين معذباً
ولما تواتر النقل عن يحيى إلى المأمون في هذا المعنى أراد امتحانه، فأغرى به مملوكاً في غاية الجمال وذهب إلى الخلاء ثم تجسس عليه فسمعه يقول له: لولا انتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد بيتي ابن حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب:
وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراًفأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلهاوقاضي قضاة المسلمين يلوط
ذكر ذلك كله ابن خلكان في تاريخه، وذكرى الحصري في كتابه الذي سماه زهر الآداب وتحامل عليه في هذا المعنى بما لا يليق ذكره وذكر ولوع الشعراء به، ومما أنشده فيه قول الشاعر:
ياليت يحيى لم تلده اكتمهولا وطت ارض العراق قدمه
ألوط قاضي في الأنام نعلمهأي دواة لم يلقها قدمه
وأي حجر لم يلجه أرقمه
توفي سنة.
النص من طبعة مطبعة الشعب بمصر (١٣٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع