تجاوز إلى المحتوى

مثل عربي · مما جاء على «أفعل من»

أَلْحَنُ مِنْ قَيْنَتَيْ يَزِيدَ

من «مجمع الأمثال» لأبي الفضل الميداني (ت ٥١٨هـ)

ما قصة مثل «ألحن من قينتي يزيد»؟

يعنون به لحن الغناء، والمثلُ من أمثال أهل الشأم، ويزيد هذا هو يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقَيْنَتاه حَبَابة وسلامة وكانتا ألحنَ من رؤى في الإسلام من قِيَان النساء، واسْتُهْتِرَ يزيد وهو خليفة بحبابة حتى أهْمَلَ أمرَ الأمة وتخلى بها، ومن استهتاره بها أن غنته يوماً:

لَعَمْرُكَ إنَّني لأحِبُّ سَلْعاًلِرُؤْيَتِهاَ وَمَنْ أضْحَى بِسَلْعِ
تَقَرُّ بِقُرْبِهاَ عَيْني، وَإنِّيلأخشى أنْ تَكُونَ تَرِيْدُ فَجْعِي
للشاعر قيس لبنى، من قصيدة «لعمركَ إنَّني لأُحِبُّ سَلعا»
حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالمُصَلَّىوَأيْدِي السَّابحاَتِ غَدَاةَ جَمْعِ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك أنني لأحب سلعا»
لاَنْتِ عَلَى التَّنَائي فَاعْلَمِيهأحّبُّ إلىَّ مِنْ بَصَرِي وَسَمْعِي
للشاعر قيس لبنى، من قصيدة «لعمركَ إنَّني لأُحِبُّ سَلعا»

ثم تنفَّست، فَقَالَ يزيد: إن شئتِ أن أنقُلَ إليك سَلْعاً حَجَراً حجرا أمرتُ، فَقَالَت: وما أصنع بسَلْع؟ ليس إياه أرَدْتُ، ثم غَنتهُ:

بَيْنَ التَّرَاقي وَاللهاةِ حَرَارَةٌمَا تَطْمَئِنُّ وَلاَ تَسُوغُ فَتَبْرُدَا

فأهوى يزيد ليطير، فَقَالَت: كما أنت، على مّنْ تخِّلفُ الأمة؟فَقَالَ: عليك.

قَالَ حمزة: وأما لحن الغناء فيجمع على لُحُون وألْحَان، فيُقَال: لَحَنَ في قراءته؛ إذا طَرَّبَ فيها وغَرَّد، وقَالَ: سمعت أبا بكر ابن دريد يقول: أصل الَّلحْن في الكلام الفِطْنَة، وفي الحديث «ولعلَّ أحَدَكم أن يكون ألْحَنَ بُحجَّته» أي أفْطَنَ لها وأغوَصّ عليها، وذلك أن معنى اللحن في الكلام أن تُرِيدَ الشيء فتورِّىَ عنه بقولٍ آخر، وقيل لمعاوية: إن عبيد الله بن زياد يلحَنُ، فَقَالَ: أو ليس بظريفٍ لاَبن أخي أن يتكلم بالفارسية إذ كان التكلم بها معدولاَ عن جهة العربية، وقَالَ الفَزَاري:

وَحَدِيثٍ ألذُّهُ هُوَ ممَّايَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْناَ
مَنْطِقٌ رَائِعٌ وتَلْحَنُ أحْيَاناً وَخَيْرُ الحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَاً

يريد أنها تتكلم بالشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من ذكائها وفطنتها، وكما قَالَ الله عز وجل(ولتعرفَنَّهُمْ في لحن القول)وكما قَالَ القَتَّال الكلاَبي:

وَلَقَدْ وَحَيَتُ لَكُمْ لِكيْمَا تَفْهَمُواوَلَحَنْتُ لَحْنَاً لَيْسَ بِالمُرْتَابِ

واللحن في العربية راجع إلى هذا؛ لأنه العُدُول عن الصواب؛ لأنك إذا قلت: «ضربت عبدُ الله يزيدُ» لم يدر أيهما الضارب وأيهما المضروب، فكأنك قد عَدَلْتَ عن جهته، فإذا أعْرَبْتَ عن معناك فُهِم عنك، فسمى اللحن في الكلام لحناً؛ لأنه يخرج على نحوين، وتحته معنيان، ويسمى الأعراب نحواً لاَن صاحبه يَنْحُوا الصوابَ أي يقصده.

قَالَ أبو بكر: وقد غلط بعضُ الكبار من العلماء في تفسير بيت الفَزَارى، وهو عمرو ابن بحر الجاحظ، وأودعه كتاب البيان، فَقَالَ: معنى قوله «وخير الحديث ما كان لحناً» هو أنه تعَجَّب من الجارية أن تكون غيرَ فصيحة، وأن يعتري كلامهَا لحن، فهذه عثرةٌ منه لاَ تُقَال وقدْ استَدرَكْتَ عليه عثرةً أخرى وهو أنه قَالَ: حدثني محمد بن سلام الجمحي قَالَ: سمعت يونس النحوي يقول: ما جاءنا من روائع الكلام ما جاءنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الحكاية تجمع إلى التصحيف الذي فيها قلَّةَ الفائدة، فأما قلة الفائدة فلاَن أحداً ممن أسلم أو عَانَدَ قط لم يَشُكَّ في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أفصَحَ الخلق، وأما التصحيف فلاَن أبا حاتم حدثني عن الأَصمعي عن يونس قَالَ: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن البُسْتيّ

بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يعنى عثمان البستيّ.

فأما قولهم:

النص من «مجمع الأمثال» للميداني (ت ٥١٨هـ)، عن مجموعة «Arabic Proverbs Collection» لطه السلوي (رخصة CC BY 4.0)، بعد حذف حواشي المحقق المعاصر. المصدر · الرخصة · مصادر الموقع

من باب اللام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.