بـــــــيـــــــن اليـــــــأس والرجـــــــاء
الشاعر: محمد حبيب العبيدي · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر محمد حبيب العبيدي ، من العصر الحديث، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بـــــــيـــــــن اليـــــــأس والرجـــــــاء ... ...
هي حينًا يأس وحينًا رجاءُ ... وفناء طورًا وطورًا بقاءُ
قد تلونتَ يا زمان علينا ... فحنانيكِ أيها الحرباء!
قَرَع الدَّهر نابنا وقرعنا ... نحنُ والدَّهر لو درى أكفاء
موقف ترعد الفَرَائص فيه ... وتــــبــــوخ القــــلوب والأحشاء
لم ينلْ من حصاتنا الدَّهر لكن ... ألفت غير كأسها الصهباء
أين في القوم من يخلد ذكرًا ... يملأ الصحف من سناه بهاء
إن مَن مات في سبيل المعالي ... كفَّنته بثوبها العلياء
غــــســــلتــــه الدمــــوع وهــــي لآل ... أبَّنتْه الأشعار وهي ثناء
وحــــوتــــهُ مــــن القــــبور قلوب ... ونعتهُ في وكرها الورقاء
ربّ رحماك هل يزمجر رعد ... وتــــروِّي وجــــه الثــــرى وطفاء
ومتى يُضْمِدُ الجروح أساها ... أزمـــــنـــــت عـــــلة وعـــــز الدواء
من تفانى في المجد نال بقاءً ... وطريق البقاء هذا الفناء
ولقــــــد آن أن يُــــــلَمَّ شــــــتــــــات ... وتُــــســــوَّى أرض ويــــعــــلو بناء
أيــــــــــــــهــــــــــــــا الغــــــــــــــرب ... ...
أيها الغرب إنَّ للشرق شأنًا ... وعلى غابر الزمان العفاء
هبَّ من نومه وكان خليقًا ... أن يُجافي أجفانه الإغفاء
أيقظتْ كلَّ راقدٍ واستفزتْ ... كــــلَّ قــــلبٍ حــــقيقةٌ زهراء
ما لشرقيٍّ بعد هذا هوان ... أُطلقتْ من قيودها الأُسَراء
ولقد عاش الشرق دهرًا طويلًا ... وهو في مقلة الزمان ضياء
تِلك صحف التاريخ تَشهد أَنَّاـ ... خيرُ نَسل أقلَّت الغبراء
كم عمرنا الديار وهْي خراب ... وملأنا القفار وهْي خلاء
وركبنا البحار وهي طوامٍ ... وألفنا الأسفار وهي عناء
يــــوم لا دُقَّ بالحديد تراب ... لا ولا شُقَّ بالبخار الماء
وملكنا بالسيف ملكًا جسامًا ... لم يشد مثل ركنه بنَّاء
أيــــــــــــــهــــــــــــــا الشــــــــــــــرق ... ...
أيُّها الشرق حدِّث الغرب عمَّا ... أحدثت في حياتك الأبناء
وإليك الأبصار من كل قطر ... شاخصات وللأمور انتهاء
وجــــديــــر بــــمــــن يــــجدُّ لأمرٍ ... أن يَرَى قبلُ ما يكون وراء
وسيحكي التاريخُ ما كان مِنَّا ... ليت شيئًا يحكيه عنا ثناء
قَلِّدوا الشَّرقَ يا بني الشرقِ سيفًا ... لم تــــخــــن غــــربــــه يد شلاء
أوتروا القوس إنَّ للسهم مرمًى ... واقدحوا أزندًا شأنها الإبراء
جددوا عهده أُسرة أورثوكم ... هم بِمَا أورثوكمُ كرماء
وارفعوا الصوتَ إِنْ أَرَدْتُم بَلاغًا ... رُبَّ أُذن عـــــن الهـــــدى صـــــمـــــاء
إن مجدًا أُورثتموه قديمًا ... سلبتكم فخارَه الأعداء
لبس الغرب حلة الشرق حتى ... قيل عريان ما عليه رداء
ولقد كان الغرب أعرى وجود ... حــــين للشرق جبة وكساء
جددوا العهد يا بني الشرق وارعَوْا ... ذممًا أخفرت فأصمى البلاء
ســــــــــهــــــــــروا ورقـــــــــدنـــــــــا ... ...
ســـــهـــــرت كــــلُّ أمــــة ورقــــدنــــا ... فلها الذِّكر دوننا والثناءُ
كيف ترضى يا شرق أن تكسب الغر ... ب فخارًا من دونك العلياء
كيف ترضى يا شرق أن يمشيَ الغر ... ب أمامًا وأنت تمشي وراء
أفلم يأنِ أن تُجَدِّد عهدًا ... شهد الصبح فضله والمساء
أفــــلم يــــأن للحــــقائق أن تق ... دح زَندًا لوريها الفهماء
أفــــلم يــــأن للمــــعارف أن ين ... شق عرفًا لمسكها الأذكياء
أفــــلم يــــأنِ للصــــنائع أن تج ... ريَ شوطًا لنيلها النجباء
أيـــــن دارُ الســـــلام إذ هــــي دار ... شيدتها العلوم والعلماء
أين كُتْبٌ للعلم إذ أحرقوها ... برمادٍ منها أُقيمَ بناء
أين في مصر ما استعاد بنوها ... يــــوم عــــدت ألوفــــهــــا الزوراء
أين أقلام قلَّمت ظفر جهل ... يــــوم للجــــهــــل صولة ومراء
مِن حِمانا نور العلوم بدا في ... ها وعَمَّتــ أقطارها الأضواء
نحنُ أحيينا ما أمات زمانُ ال ... جهل مما قد أسس القدماء
إنَّ للفارابي شأنًا بما سا ... رت عليهِ في إثره الحكماء
لابن سينا قانونه ولفخر ال ... دين ما فيه تفخر النبلاء
ولكم هزت المنابرَ منا ... خطباء تشفي الظمى فصحاء
ما حللنا في أرضٍ الَّا وحلى ... جيدها العلم والهدى والذكاء
لو أردنا الإلكتريك فعلنا ... وكذاك البخار والكهرباء
غير أنَّاـ عن موقف الجسم كنا ... في أمور للروح فيها اهتداء
نحن قوم لم نرع روض هيولا ... ها ورضنا الأفكار حيث نشاء
بـــــــــــــــــــــــــلا عـــــــــــــــــــــــــش ... ...
قد أقمنا في غير عش درجنا ... فكأنا في خبطنا عشواء
فترانا والغرب يلبسنا الثو ... ب ولولاه مــــا يــــخــــاط الرداء
نحن في حاجة إليه من العي ... ش ولولاه عـــــيـــــشــــنــــا لأواء
لا نُباريه في محاسن شتى ... ولنا فيما ساء منه اقتداء
فعليك السلام يا شرق إن لم ... تُــــحــــيِ ما أسستْ لك الآباء
أي الرجــــــــال أحــــــــرارهــــــــا؟ ... ...
ألجفنٍ كما يُريد اكتحال ... ولجفن على القذى إغضاء
عميت مُقلة تلذ بغمض ... لم تمهد وطاءه العلياء
أنسام الهوان دون المنايا ... إنَّما الموتُ والهوان سواء
ليــــس دار الهــــوان للحُــــرِّ دارًا ... إنــــمــــا الحــــر داره الجــــوزاء
يا بني الضادِ إنَّ للضاد حقًّا ... ناطحت دون هضمه الآباء
إن رضينا غير الكرامة وردًا ... غص منا بشاربيه الماء
ليت شعري ما ينقم القوم منا؟ ... أم على أبصار هناك غشاء؟
ليت شعري ما ينقم العمي منا؟ ... رب قــــوم أرض ونــــحــــن سماء
يـــــشـــــهــــد الله أنَّ أوَّل بــــيــــت ... للعُلى فينا شاده البنَّاء
خيرة الله نَحنُ في الخلق مما ... ولدت مــــن أنــــســــالها حواء
نحن شيء وغيرنا بعض شيء ... نحن نورٌ وغيرنا الظلماء
نحن بحر وما سِوانَا سَرَابٌ ... نحنُ در وغيرنا الحَصْباء
إنما ينكر الحقيقة غِرٌّ ... أو لئيم أو حاسد مستاء
نحن في الحي مهبط الوحي قدمًا ... وإلينا المصير والإنتهاء
كل حرٍّ بقية السيف منا ... يوم دانت لسيفنا الأنحاء
لا يرم بعضكم لبعض فخارًا ... أيها القوم كلكم عتقاء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الصحف: صحف: الصَّحِيفَةُ: الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا، وَالْجَمْعُ صَحَائِفُ وصُحُفٌ وصُحْفٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى؛ يَعْنِي الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِمَا، صَلَوَ … (لسان العرب)
- بثوبها: ثوب: ثابَ الرَّجُلُ يَثُوبُ ثَوْباً وثَوَباناً: رجَع بَعْدَ ذَهَابِهِ. وَيُقَالُ: ثابَ فُلَانٌ إِلَى اللَّهِ، وتابَ، بِالثَّاءِ وَالتَّاءِ، أَي عادَ ورجعَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَثابَ بِمَعْنَاهُ. ورجلٌ تَوّابٌ أَو … (لسان العرب)
- ترعد: رعد: الرِّعْدَة: النَّافِضُ يَكُونُ مِنَ الْفَزَعِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أُرْعِدَ فارتَعَدَ. وتَرَعْدَد: أَخَذته الرِّعْدَةُ. وَالِارْتِعَادُ: الِاضْطِرَابُ، تَقُولُ: أَرعده فَارْتَعَدَ. وأُرْعِدَت فَرَائِصُهُ عِنْدَ الْفَز … (لسان العرب)
- تلونت: لون: اللَّوْنُ: هيئةٌ كالسَّوَاد والحُمْرة، ولَوَّنْتُه فتَلَوَّنَ. ولَوْنُ كلِّ شَيْءٍ: مَا فَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ أَلْوَان، وَقَدْ تَلَوَّنَ ولَوَّنَ ولَوَّنه. والأَلْوانُ: الضُّروبُ. واللَّوْنُ … (لسان العرب)
- فحنانيك: فحن: الأَزهري: أَمَّا فَحَنَ فأَهمله اللَّيْثُ: قَالَ: وفَيْحانُ اسْمُ مَوْضِعٍ، قَالَ: وأَظنه فَيْعالٌ مِنْ فَحَنَ. والأَكثر أَنه فَعْلان مِنَ الأَفْيَح، وَهُوَ الواسِعُ، وسمَّت الْعَرَبُ المرأَة فَيْحُونة. (لسان العرب)