ألم يأن أن يصغي إلى الحق عاقلُ
الشاعر: محمد رضا الأزري · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر محمد رضا الأزري، من العصر العثماني، وتقع في 103 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ألم يأن أن يصغي إلى الحق عاقلُ ... ويسلك نهج الاستقامة عادلُ
ويصحو ذوو سكر ويبصر ذو عمى ... ويبرأ ذو سقم ويحلم جاهلُ
فهاتيك سبل المسلمين تفرقت ... وشطت برأي المبدعين المخائل
وجاءوا بها نكراء وعراً سبيلها ... موام بها سيد الغواية عاسل
فقل للألى حادوا عن الدين ضلة ... وبدر الهدى في هالة الدين كامل
تعالوا إلى قول سواء فبيننا ... وبينكم ما فيه خلف وباطل
نراجع بما فيه اختلفنا من الهدى ... مذاهبنا اللاتي بها الحق شامل
بأن تجنحوا للسلم نجنح لها وإن ... أبيتم فحد السيف بالحق فاصل
ترى هل عسيتم إن توليتم بأن ... تسنوا سبيلاً تقتفيه الأراذل
ولم أدر ذا وحيٌ عن الله جاءكم ... حديثاً ولم تدرك مداه الأوائل
أم الأمر ممن قد حكمتم بشركهم ... أتاكم وكل في الشريعة باطل
ويا ليت شعري حيث قام زعيمكم ... إذا لم يك الإسلام والدين زائل
فإن قال إبراهيم قد كان أمة ... فذاك له الوحي السماوي نازل
وإن يدعي بالبعض والبعض فليقل ... لنا من أولاك البعض إن هو قائل
وإلا فكل مثل دعواه يدعي ... إذا لم يصحَّ نقل ما هو ناقل
وإن يزعموا أن الكتاب دليله ... فكل فريق بالكتاب يجادل
على أنه ما نال في العلم شأوهم ... ولا كان من أقرانهم لو تنازلوا
ولا نال ما نالوه من قرب عهدهم ... وشتان ما منه غريب وآهل
ومن ير أهل الاعتزال وعلمهم ... فنسبتهم منه إياس وباقل
على أنه لا نمتري بضلاله ... فماذا عسى بالذكر يغني المجادل
وإن تسألوا عن بعض ما اقترف الورى ... من الإثم فالرحمن للتوب قابل
هبوا أنهم جاءوا بكل كبيرة ... فما ذاك كفر بل فسوق وباطل
بل الكفر تحليل الدماء التي أتى ... بتحريمها الإجماع والذكر نازل
ولا خلَفٌ في ذلكم لو علمتم ... وإن كنتم لا تعلمون فسائلوا
وتلكم زيارات القبور تواترت ... نصوص بها مشهورة ودلايل
وجاءت إلينا عن يد بيد إلى ... صحابة طه منهج متواصل
وقد دفن الهادي النبي بحجرة ... محجبة تزجي إليها الرواحل
ومن بعدُ حلا صاحباه إزاءه ... وبضعته والدين إذ ذاك كامل
وحلف بغير الله لم يجز عندنا ... بحد ولا فيه لدى الشرع قائل
وإن جاء أحيانا ففيه كراهة ... به نص أهل الاجتهاد الأفاضل
ونحن أمرنا باتباع سبيلهم ... ومن حاد عن تلك السبيل فجاهل
ومن حرم التتن الذي لم يرد لنا ... بتحريمه نص من الشرع فاصل
وما لم يحرمه الإله فعندنا ... مباح وفيما ذلكم لا مجادل
وإن يستدل الشيخ في كل مسكر ... حرام فقول الشيخ بالسكر باطل
فتعساً لشيخ خاض في الجهل لجة ... غطامط لا يلفى لها الدهر ساحل
وصير أمر الدين أحبولة الدنا ... وما تلك للشيطان إلا حبائل
وإن غركم أن أجّل الله نصرنا ... فــــمــــا ذاك إلا للفتوح دلائل
وهيهات يوم الغار من فتح مكة ... ألا إن نصر المسلمين لآجل
وإن قتل العبد المزنم سيداً ... فليس ببدع ذاك حيث الأفاضل
لقد قتل الرجس ابن ملجم حيدراً ... وأردى حسيناً أخبث الناس جاهل
ومن فوقت أيدي القضا سهم حتفه ... فكل الذي يلقاه في الدهر قاتل
وغير عجيب إن نبا بك صارم ... وليس ببدع إن كبا بك صاهل
فما لأولاء القوم لم يسمعوا نداً ... إذا ما دعوا للحق والحق فاصل
وإن أبصروا رشداً تناهوا بغيّهم ... وعند التناهي يقصر المتطاول
ولم أدر في الأبصار في غيهم عمى ... فلم يبصروا أم أبصروا وتغافلوا
أفي أي شرع أن تباع هجينة ... بها لولي الأمر في الحقّ طائل
وسيان أن تسرق مهاً وحمالة ... إذا ما أقام الحد قاض وعامل
وهل جائز ذبح الرضيع بشرعة ... فهاتيكم الأديان طراً فسائلوا
وكان رسول الله في كل حربه ... لإسلام أهل الشرك في الحرب قابل
فإن قلتم في ردة بعد فطرة ... ففي الشرك من آبائنا لا نجادل
وفي الأمس أنتم حاكمون بشركهم ... بناء لعمر الله بالنقض هائل
وإن قستم لما رأوا بأسنا بها ... فــــذاك قــــيــــاس فــــارق ومزايل
ولوجاز هذا جاز بالتين حلفنا ... كما حلف الباري قياس مماثل
وقـــــد أورد الله الردى أوليـــــاءه ... فهل أحد ما يفعل الله فاعل
فيا قوم هبوا عن مضاجع جهلكم ... ولبوا لداعي الله فالأمر هائل
ولا تعبثوا في الدين فالله غالب ... على أمره سبحانه لا يناضل
وكلمته العليا تعالى بشأنه ... مدمر عاد إذ عتوا وتطاولوا
ومن قبلكم فيها مسيلمة عتا ... فدارت عليه الدائرات القواتل
ومن قبل أهل الرس باؤوا بغيه ... وغالت بهاتيك القرون الغوائل
فتلكم ديار القوم ينعى بها الصدى ... خلاء بها تعوي الذئاب العواسل
كأنهم لم يلبثوا غير ساعة ... بلاغ فهل يبغي بها اليوم عاقل
وسرعان نزجيها إليكم سحائباً ... صواعقها بيض الظبا والعوامل
عليها من الفتيان كل موحد ... أشم طويل الساعدين حلاحل
يذب بها عن بيضة الدين قائلاً ... ألا في سبيل الله ما أنا فاعل
مِنَ القوم لم يرضوا سوى الصعب مركباً ... وليــــس لهم إلا السيوف وسائل
غطاريف طلاعون كل ثنية ... تناذر في الأقطار منها القبائل
وآساد غيل غيلها حومة الوغى ... ولا مخلب إلا القنا والمناصل
إذا ما الملوك الصيد طالوا بمفخر ... فما منهم إلا سنام وكاهل
ولو خفقت تحت العجاج بنودهم ... لكانت لها الشم الرعان تهايل
صواد إلى شرب الدماء كأنهم ... من البزل هيم عارضتها المناهل
يـــــقـــــرون أن الأمـــــر لله وحـــــده ... وكــــــــل له داع وإيـــــــاه ســـــــائل
ولم ينكروا للأنبياء مزية ... ولا لرجـــــال الله والله فـــــاعــــل
أولئك هــــم حــــزب الإله وجــــنــــده ... إذا ما دهى الإسلام أجمع نازل
ومن قبل دعوى الصيد كادت تغيظها ... فلم نكترث هولاً بهم إذ تطاولوا
بلى منذ وافتنا رسائل من لدن ... صعاليك نجد أضحكتنا الرسائل
وأغلب من جادلت من ليس يرعوي ... وأقتل من حاولت من لا يماثل
وأعلمنا في الدين من هو عالم ... وأجهلنا بالدين من هو جاهل
يميناً برب البدن تنحر في منى ... صباح منى والحج هاد وغافل
وأول بيت قام في الناس للذي ... ببكة فيه للعصاة معاقل
ومختلف الأملاك في ملكوتها ... لهم عارج بالأمر منه ونازل
بذاك اعتقادي قد أمطت حجابه ... ولا منه بدٌّ لا ولا عنه حائل
ورثناه عن آباء صدق أفاضل ... حبتهم به آباء صدق أفاضل
بهذا تواصوا قبلنا قدماؤنا ... ونحن على آثارهم نتناسل
إلى مثل ذا فليسع من كان ساعياً ... مــــنــــازله مــــنــــه عليه دلائل
فإن كان قدحي لم يطش وهو لم يطش ... ستكثر في تلك العراص الثواكل
ويصبح في أيدي القبائل فيئهم ... تقاسمه إيمانهم والشمائل
وهل أمنوا أهل القرى أن نزورهم ... بغاشية قد ظللتها القساطل
وهل أمنوا أهل القرى أن تحلهم ... بياتاً وكل راقد الطرف غافل
وهل أمنوا أهل القرى أن تشلهم ... صباحاً وكل في الضلال يجادل
مجلجلة مبراقة الجو حشوها ... شفار المواضي والعتاق الصواهل
إذا طالعت نجداً أقلت بشمه ... جحافل حنت أردفتها جحافل
تدور بمردات طحون عليهم ... لهــــا لهــــوات للجــــيــــوش أواكــــل
وتعرك روقي كل أرعن شاهق ... تكاد تحك السحب منه الأياطل
إذا الحرب عن أنيابها العضل كشرت ... وحطت على الآفاق عنها الكلاكل
أقلت بها سوداء ضر يحوقها ... لفيف من الجند السماوي نازل
تعوم بثجاج من الدم واطف ... إذا غب منهم هاطل عب هاطل
إذا برقت تحت القتام حسبتها ... بروقاً تدلى أو نجوماً هوائل
تنوء بأعباء الردى أحمدية ... بها صاعد تحت السماء ونازل
لها شرر لو طار عن قبساتها ... لكادت لها تحكي الجمال البوازل
ويا قوم سمعاً ما أقول فإنها ... لتــــذكــــرة فيها هدى ودلائل
حذار، فقد أنذرتكم بزواجر ... تناشد غطفاناً فتسمع وائل
فإن تنتهوا يغفر لكم ما مضى وإن ... تعودوا فما غير البنود رسائل
وساء صباح المنذرين إذا هوت ... صواعقها في أرضهم والزلازل
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اللاتي: : أَبو زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: لاتَ حِينَ مَناصٍ، قَالَ: التَّاءُ فِيهَا صِلةٌ وَالْعَرَبُ تَصِلُ هَذِهِ التَّاءَ فِي كَلَامِهَا وتَنْزِعُها؛ وأَنشد: طَلَبُوا صُلْحَنا وَلَاتَ أَوانٍ، ... فأَجَبْنا أَنْ لَيسَ حِينَ بَقاءِ ق … (لسان العرب)
- المبدعين: بدع: بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع الرَّكِيّة: اسْتَنْبَطَها وأَحدَثها. ورَكِيٌّ بَدِيعٌ: حَدِيثةُ الحَفْر. والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ أَوّلًا. وَفِي التَّنْزِيلِ: … (لسان العرب)
- المخائل: خيل: خَالَ الشيءَ يَخَالُ خَيْلًا وخِيلَة وخَيْلة وخَالًا وخِيَلًا وخَيَلاناً ومَخَالَة ومَخِيلَة وخَيْلُولَة: ظَنَّه، وَفِي الْمَثَلِ: مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ أَي يَظُنَّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ ظَنَنْتُ وأَخواتها الَّتِي تَدْخ … (لسان العرب)
- تعالوا: تعل: ابْنُ الأَعرابي: التَّعَل حَرَارة الحَلْق الهائجةُ، تفرَّد به الأَزهري. (لسان العرب)
- تفرقت: فرق: الفَرْقُ: خِلَافُ الْجَمْعِ، فَرَقه يَفْرُقُه فَرْقاً وفَرَّقه، وَقِيلَ: فَرَقَ لِلصَّلَاحِ فَرْقاً، وفَرَّق للإِفساد تَفْريقاً، وانْفَرَقَ الشَّيْءُ وتَفَرَّق وافْتَرقَ. وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ: لَا يُفَرَّقُ بَيْ … (لسان العرب)
- سبيلها: سبل: السَّبِيلُ: الطريقُ وَمَا وَضَحَ مِنْهُ، يُذَكَّر وَيُؤَنَّثُ. وسَبِيلُ اللَّهِ: طَرِيقُ الهُدى الَّذِي دَعَا إِليه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ ي … (لسان العرب)