قَلِيلٌ بِآدَابِ الْمَوَدَّةِ مَنْ يَفِي
الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 41 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الفاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قَلِيلٌ بِآدَابِ الْمَوَدَّةِ مَنْ يَفِي ... فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أَصْطَفِيهِ وَأَكْتَفِي
بَلَوْتُ بَنِي الدُّنْيَا فَلَمْ أَرَ صَاحِبَاً ... يَدُومُ عَلَى وُدٍّ بِغَيْرِ تَكَلُّفِ
فَهَلْ مِنْ فَتىً يَسْرُو عَنِ الْقَلْبِ هَمَّهُ ... بِشِيمَةِ مَطْبُوعٍ عَلَى الْمَجْدِ مُسْعِفِ
رَضِيتُ بِمَنْ لا تَشْتَهِي النَّفْسُ قُرْبَهُ ... وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْدُوحَةً يَتَكَلَّفِ
وَلَوْ أَنَّنِي صَادَفْتُ خِلاًّ يَسُرُّنِي ... عَــــلَى عُدَوَاءِ الدَّارِ لَمْ أَتَلَهَّفِ
وَلَكِنَّنِي أَصْبَحْتُ فِي دَارِ غُرْبَةٍ ... مُقِيماً لَدَى قَوْمٍ عَلَى الْبُدِّ عُكَّفِ
زَعَانِفُ هَدَّاجُونَ فِي عَرَصَاتِهِمْ ... كَخَيْطِ نَعَامٍ بَيْنَ جَرْدَاءَ صَفْصَفِ
حُفَاةٌ عُرَاةٌ غَيْرَ أَخْلاقِ صُدْرَةٍ ... تَطِيرُ كَنَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ الْمُسَدَّفِ
يَمُجُّونَ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ رَشْحَ مُضْغَةٍ ... كَنَضْحِ دَمٍ يَنْهَلُّ مِنْ أَنْفِ مُرْعَفِ
إِذَا رَاطَنُوا بَعْضَاً سَمِعْتَ لِصَوْتِهِمْ ... عَزِيفاً كَجِنٍّ فِي الْمَفَاوِزِ هُتَّفِ
فَهَا أَنَا مِنْهُمْ بَيْنَ شَمْلٍ مُبَدَّدٍ ... وَمِنْ حَسَرَاتِي بَيْنَ شَمْلٍ مُؤَلَّفِ
أَحِنُّ إِلَى أَهْلِي وَأَذْكُرُ جِيرَتِي ... وَأَشْتَاقُ خُلانِي وَأَصْبُو لِمَأْلَفِي
فَلا أَنَا أَسْلُو عَنْ هَوَايَ فَأَنْتَهِي ... وَلا أَنَا أَلْقَى مَنْ أُحِبُّ فَأَشْتَفِي
وَإِنِّيـ عَلَى مَا كَانَ مِنْ سَرَفِ النَّوَى ... لَبَاقٍ عَلَى وَدِّي لِمَنْ كُنْتُ أَصْطَفِي
سَجِيَّةُ نَفْسٍ لا تَمِيلُ مَعَ الْهَوَى ... وَذِمَّةُ عَهْدٍ بَيْنَ سَيْفٍ وَمُصْحَفِ
وَمَا كُلُّ مَوْشِيِّ الْحَدِيثِ بِصَادِقٍ ... وَلا كُلُّ مَنْسُوبٍ إِلَى الْوُدِّ بِالْوَفِي
تَشَابَهَتِ الأَخْلاقُ إِلَّا بَقِيَّةً ... بِهَا يُعْرَفُ الْمَاضِي مِنَ الْمُتَخَلِّفِ
وَمَا شَرَفُ الإِنْسَانِ إِلَّا بِنَفْسِهِ ... وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ تَلِيدٍ وَمُطْرِفِ
وَلَوْ كَانَ نَيْلُ الْفَضْلِ سَهْلاً لَزَاحَمتْ ... رِجَالُ الْخَنَا أَهْلَ الْعُلا وَالتَّعَطُّفِ
فَإِنْ أَخْلَفَتْ نَفْسٌ طَوِيَّةَ مَا وَأَتْ ... فَلِي مِنْ عَلِيٍّ صَاحِبٌ غَيْرُ مُخْلِفِ
هُمَامٌ دَعَا بِاسْمِي فَلَبَّيْتُ صَوْتَهُ ... بِيَا مَرْحَباهُ مِنْ فُؤَادٍ مُكَلَّفِ
وَلَوْ صَاحَ بِي فِي غَارَةٍ لَوَزَعْتُهَا ... عَلَى مَتْنِ مَحْبُوكِ السَّرَاةِ بِمُرْهَفِ
وَلَكِنَّنِي لَبَّيْتُ دَعْوَةَ نَظْمِهِ ... بِأَسْمَرَ مَشْقُوقِ اللِّسَانِ مُحَرَّفِ
إِذَا حَرَّكَتْهُ رَاحَتِي فَوْقَ مُهْرَقٍ ... بِذِكْرِ عُلاهُ بزَّ كُلَّ مُثَقَّفِ
هُوَ الْبَطَلُ السَّبَّاقُ فِي كُلِّ غَايَةٍ ... يَهَابُ رَدَاهَا الْمَرْءُ قَبْلَ التَّعَسُّفِ
إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ بَيَانَاً لِقَائِلٍ ... وَإِنْ سَارَ لَمْ يَتْرُكْ مَجَالاً لِمُقْتَفِي
لَهُ قَلَمٌ لَوْ كَانَ لِلسَّيْفِ حَدُّهُ ... لَفَلَّ حَبِيكَ السَّرْدِ فِي كُلِّ مَوْقِفِ
وَشُعْلَةُ فِكْرٍ لَوْ بِمِثْلِ ضِيَائِهَا ... أَنَارَ سِرَاجُ الأُفْقِ مَا كَانَ يَنْطَفِي
فَسِيحُ مَجَالِ الْفِكْرِ ثَبْتٌ يَقِينُهُ ... بَعِيدُ مَنَاطِ الْهَمِّ حُرُّ التَّصَرُّفِ
أَدِيبٌ لَهُ فِي جَنَّةِ الشِّعْرِ دَوْحَةٌ ... أَفَاءَتْ عَلَى الدُّنْيَا بِأَجْمَلِ زُخْرُفِ
إِذَا نَوَّرَتْ أَفْنَانُهَا غِبَّ دِيمَةٍ ... مِنَ الْفِكْرِ جَاءَتْ بِالْبَدِيعِ الْمُفَوَّفِ
تَرَنَّمَ فِيهَا مِنْ ثَنَائِي بُلْبُلٌ ... بِلَحْنٍ لَهُ فِي السَّمْعِ نَبْرَةُ مِعْزَفِ
حَفِيتُ لَهُ بِالْوُدِّ مِنِّيـ وَكَيْفَ لا ... أُسَابِقُهُ فِي وُدِّهِ وَهْوَ بِي حَفِي
تَأَلَّفَ نَفْسِي بَعْدَ مَا زَالَ أُنْسُهَا ... وَنَوَّهَ بِاسْمِي بَعْدَ مَا كَادَ يَخْتَفِي
وَحَرَّكَ أَسْلاكَ التَّرَاسُلِ بَيْنَنَا ... بِسَيَّالِ وُدٍّ لَفْظُهُ لَمْ يُحَرَّفِ
وَفِي النَّاسِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْوُدِّ قَلْبُهُ ... وَمِنْهُمْ سَقِيمُ الْعَهْدِ بَادِي التَّحَرُّفِ
تَوَسَّمْتُ فِيهِ الْخَيْرَ قَبْلَ لِقَائِهِ ... وَأَحْمَدْتُ مِنْهُ الْخُبْرَ بَعْدَ التَّعَرُّفِ
وَمَا حَرَكَاتُ النَّفْسِ إِلَّا دَلالَةٌ ... عَلَى صِدْقِ مَا قَالُوا بِهِ فِي التَّعَيُّفِ
فَقَدْ تَكْذِبُ الْعَيْنُ الْفَتَى وَهْوَ غَافِلٌ ... وَيَصْدُقُ ظَنُّ الْعَاقِلِ الْمُتَشَوِّفِ
وَفَيْتُ بِوَعْدِي فِي الثَّنَاءِ وَإِنْ يَكُنْ ... مَقَالِي بِهَاتِيكَ الْفَضَائِلِ لا يَفِي
وَكَيْفَ وَإِنْ أُوتِيتُ فِي النَّظْمِ قُدْرَةً ... أَضُمُّ شَتَاتَ الْكَوْنِ فِي بَعْضِ أَحْرُفِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الفاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- البد: (بَدَّ) الْبَاءُ وَالدَّالُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّفَرُّقُ وَتَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. يُقَالُ: فَرَسٌ أَبَدُّ، وَهُوَ الْبَعِيدُ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ. وَبَدَّدْتُ الشَّيْءَ: إِذَا فَر … (مقاييس اللغة)
- بلوت: لوت: لاتَه يَلُوتُه لَوْتاً: نَقَصَه حَقَّه؛ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي لَيْتَ. ولاتَ: كلمةٌ مَعْنَاهَا لَيْسَ، تَقَعُ عَلَى لَفْظِ الحِينِ خاصَّةً، عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، فَتَنْصِبُهُ؛ وَقَدْ يُجَرُّ بِهَا ويُرْفَعُ، إِلا أَن … (لسان العرب)
- تكلف: كلف: الكَلَف: شَيْءٌ يَعْلُو الْوَجْهَ كالسِّمسم. كَلِفَ وجهُه يَكْلَفُ كَلَفاً، وَهُوَ أَكلف: تغيَّر. والكلَف والكُلْفَةُ: حُمْرة كَدرة تَعْلُو الْوَجْهَ، وَقِيلَ: لَوْنٌ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ، وَقِيلَ: هُوَ س … (لسان العرب)
- زعانف: (زَعَانِفُ) الْأَدِيمِ: أَطْرَافُهُ. وَمِمَّا وُضِعَ وَضْعًا وَبَعْضُهُ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّتِهِ (مقاييس اللغة)
- صادفت: صدف: الصُّدُوفُ: المَيْلُ عَنِ الشَّيْءِ. وأَصْدَفَني عَنْهُ كَذَا وَكَذَا أَي أَمالَني. ابْنُ سِيدَهْ: صَدَفَ عَنْهُ يَصْدِفُ صَدْفاً وصُدُوفاً: عَدَلَ. وأَصْدَفَه عَنْهُ: عَدَل بِهِ، وصَدَفَ عَنِّي أَي أَعْرَضَ. وَقَوْ … (لسان العرب)