أرى فـي غـربـة الانـسان سجناً

الشاعر: أحمد الصافي النجفي · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة حزينة

هذه القصيدة من شعر أحمد الصافي النجفي ، من العصر الحديث، وتقع في 93 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة حزينة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أرى فـي غـربـة الانـسان سجناً — فـكـيـف بـسـجـن انـسـانٍ غـريـب

أبـشّـر عـنـد فـتـح الباب نفسي — بـان سـتـفـوز بالفتح القريب

فـمـن لي ان أرى يـأسـاً مريحاً — يــخـلّصـنـي مـن الأمـل الكـذوب

ســأقــتــل حــيّ أمـالي سـريـعـاً — وأرجــع مــنـه ذا سـيـفٍ خـضـيـبِ

فــإن لخــادع الآمــال عــقـبـى — تـزيـد مرارة القلب الكئيب

وإن لوامـــــــع الآمـــــــال آلٌ — يزيد المحل في القفر الجديب

سـيـمـسـكـنـي وقار اليأس كيلا — أرانــي لعـبـة الأمـل اللعـوب

وأغـضـي عـن سـنا الآمال طرفي — وأدخـل ظـلمـة اليـأس الرهـيـب

فــإن أشــعّــة الآمــال تــحـكـي — نــــضــــالاً واخـــزات للقـــلوب

تـقّـطب لي السما بالسحب وجهاً — كـأن لم يـكـف دنـياها قطوبي

وتبسم لي البروق بها وكم لي — بـسـحـب النـفـس مـن بـرق خـلوب

ســحــائب بــارقـات بـالأمـانـي — ولكـــن بـــاخــلات بــالســكــوب

تـسـامـرنـي همومي في الدياجي — ويــطــربـنـي فـؤادي بـالوجـيـب

فـكـم فـي السـجن من ليل غضوب — وكـم فـي السجن من يوم عصيب

وزاد عـليّ ضـيـق السـجـن أنـي — حُــرمــت بـه مـن الخـلّ الأريـب

فــأدعــو الله تـعـجـيـلا بـفـكٍّ — لسـجـنـي او بـسـجـن فـتـىً لبيب

تــمــنـيـت الزيـارة مـن قـريـب — وان تـلك زورة الأجـل القريب

وخـــدامٍ قـــســـاةٍ أغـــبـــيـــاءٍ — ضـعـافِ العـقـل أموات القلوب

أشـاهـد مـنـهـم الأطـماعَ حولي — تـدور تـكـاد تـأكـل لي جـيوبي

كــأنــي ســاكــنٌ قــبــراً أُغــذّيٌ — بـه الحـشـرات مـن شتى الضروب

كــأن عــيــونـهـم حـشـرات نـهـش — طـلعـن عـليّ مـن خـلل الثـقوب

أفـتـش لا أرى حـولي حـبـيـباً — وكـم شـاهـدت حـولي مـن رقـيب

أجـيـل بـهـم عـيـون أخـي وثـوقٍ — فــألقـى مـنـهـمُ نـظـر المـريـب

هــم الخــلان لي لا عــن وداد — هـم الأعـداء لي لا عـن ذنـوب

نــفــوس قـد رَبـيـن عـلى عـيـوبٍ — فـمـا يـحـسسنَ بالأمر المعيب

ومــن يــنـمـى الى عـيـب تـحـرّى — عـيـوب النـاس يـبحث عن نسيب

وكــم قــد غـرنـي مـرأى نـجـيـبٍ — بـهـم فـنـكبت بالمرأى النجيب

فــمــا فـي بـرقـهـم إلاّ عـمـاء — ومـا فـي سـحـبـهـم غير القطوب

ســأبـعـد عـنـهـم الآمـال حـتـى — تــجـيـء إليّ بـالغـدق السـكـوب

نـهـاري مـن عـبـوس السـجن ليلٌ — وليــلي الف ليــل مــن كـروبـي

اذا مـــالت ذكـــاء الى غــروبٍ — أرى نـفـسـي تـميل الى الغروب

أفــتــش فــي ظـلامـي عـن رجـاء — فــأدخــل فــي ظـلام مـن غـيـوب

وأبــحـث فـيـه عـن حـدس مـصـيـب — فـأعـثـر مـنـه بـالسهم المصيب

ألا يـا ليـل ليتك لم تسارع — وليـتـك ضـعـت في أقصى الدروب

وليـتـك قـد عـثـرت بـلا مـقـيل — وليـتـك قـد دعـوت بـلا مـجـيـب

وليــتـك اذ عـثـرت عـراك كـسـرٌ — بـرجـلك لم يـصـادف مـن طـبـيـب

تــسـارع فـي خـطـاك إليّ شـوقـاً — مـسـارعـة المـحب إلى الحبيب

وتــلقــي كـل رحـلك فـوق صـدري — وتـجـثـم فـوق قـلبـي كـالخـطوب

تـجـدّ السـيـر منذ الصبح نحوي — فـتـهـجـم هـجـمة الأسد الغضوب

لبـسـت مـن النـهار الغضّ ثوباً — لتـخـفـى عـن عـيـون المـسـتريب

أراك وانـت فـي لونـيـن تـبـدو — تـسـير من المغيب إلى المغيب

كــأنــك حــيــة رقــطــاء تـزهـو — بـثـوب دجـىً وثـوب ضـحـى قـشـيب

تــبــدّل ثــوبــهـا فـي كـل ليـل — لتـجـلو حـسـنـهـا عـنـد الحبيب

ألا يـا ليـل كـم لك مـن شباب — وكــم لك كــلّ صـبـح مـن مـشـيـب

تـشـيـب بـشـيـبـك الأكـوان لكن — شـبـابـك لا يـعـيـد شـبـاب شيب

أقــول بـكـل صـبـح سـوف تـفـنـى — مـتـى أبـصـرت فـحـمـك مـن لهيب

اذا بـالفـحـم يـنـضـب باشتعال — ومـا لمـعـيـن فـحـمـك مـن نضوب

سـتـبـقـى بـعـد أن تـفـنى شموس — إلى مــا شــاء عــلام الغـيـوب

ألا يـا ليـل كـم لك مـن خطوب — وكـم لك فـي الجوانح من ندوب

أتــلبـس مـثـل رهـبـانٍ مـسـوحـاً — وقــلبــك قــلب شــيـطـان رهـيـب

فـكـم وسـعـت ثـيـابك من أفاعي — هــمــومٍ مــقــلقــات بــالدبـيـب

وكــم ضــمــت عـقـارب مـن وشـاة — بــــألســــنـــةٍ لوادغَ للقـــلوب

وكـم أخـفـت شـروراً كـالضـواري — مــحــدّدة المــخــالب والنـيـوب

فـلو خـلعـوا ثـيابك عنك أبدت — إليــنــا كـل أنـواع العـيـوب

يـلوح إهـابـك الضـافـي ظـلاماً — ويــخــفـي شـكـل حـيـوان عـجـيـب

فــيـا لك شـكـل حـيـوان عـجـيـب — تــضــمّــن الف حــيــوان غـريـب

كــأن الليــل جــبــار عــظــيــم — أصــيــب بــألف مــكـروب مـهـيـب

ومـا المـكـروب فـيه سوى هوامٍ — وآســــادٍ ووحــــش فـــلا وذيـــب

وإجــــرامٍ وأحـــقـــادٍ تـــنـــزّى — وأوهــام ودمــع نــوىً ســكــيــب

وأحــــــزانٍ وإجـــــرام ٍويـــــأس — وذكــرى عــاشــق وكــرىً ســليــب

وأشـــــبـــــاحٍ و أرواحٍ و جــــنٍ — وبــومٍ مــفــزعــات بــالنــعـيـب

أصــيــبَ بــتـلكـم الآفـات لكـن — صــحــيـحـاً عـاش ذا عـود صـليـب

أيــا فــيــلا يــمـدّ بـكـل يـوم — عـلى الأكـوان خرطوم الغروب

فــيــشــرب كــل نـور ثـم يـلقـي — مــجــاجــاً للدجـنّـة والخـطـوب

أجــبّــار الظــلام لأنــت عـبـدٌ — وإن أوتــيــت سـلطـان الشـعـوب

أرى حـر النـهـار يـخاف من أن — يــراك لذاك يـسـرع بـالهـروب

تـنـام عـلى سـواعـدك البـرايا — فـتـرضـعـهـم بـمـسـموم الحليب

وتــغــمــرهــم بــأحــلام كــذاب — وتـسـقـيـهـم مـن الرنق المشوب

تـهـدهـدهـم بـصـمـتـك وهو يحكي — زئيــراً صــكّ اســمـاعَ القـلوب

وتـطـبـق جـفـنـهم رعباً ليغفوا — مـتـى قـابـلت بـالوجـه الغضوب

كــأن الأفـق شـدقـك رحـت مـنـه — تــكــشــر عـن نـجـوم كـالنـيـوب

مــرّبـي العـالمـيـن لأنـت بـاق — وكــم خـنـقـتْ اكـفـك مـن ربـيـب

ألا يـا ليـل حسبك ليل سجني — وحـسـبـك عـن كـروبـك لي كروبي

كـرهـت القبر بعد الموت سجناً — وعفت اللبث في الوطن الخصيب

فما أرضى ولو في الخلد حبساً — ولو مــا بــيـن ازهـار وطـيـب

أيــحــبــس مــن يـجـرّم أي حـبـس — وكــل مــنـاه تـحـريـر الشـعـوب

أيــحــبــس شــاعــر حــر رقــيــق — تـضـايـقـه النـسـائم بالهبوب

يـرى مـن جـسـمـه سـجـنـاً عـليـه — يــكــاد يــهــمّ مـنـه بـالوثـوب

رأيـت السـجـن مـجتمع الزوايا — ولا كــالسـجـن للرجـل الأديـب

وكـيـف يـطـيـق ضـيـق السـجن حرّ — يـضـيـق بـه فضا الكون الرحيب

رهـيـن المـحـبـسـيـن ضـنىً وفقرٍ — وأُحـبَـسُـ؟ : جـلّ ذلك مـن نـصيب

لئن أسـجـن فـمـا الأقفاص إلا — لليــث الغــاب أو للعــنـدليـب

ألا يـا بـلبـلاً سـجـنـوك ظلماً — فـنـحـت لفـرقـة الغـصن الرطيب

كــلانــا مــن تــألمــه يــغـنـي — فـنـنـعـش صاحب القلب الطروب

لقـد أصـغـى الخـليّ إلى غنانا — و لم يـسـمـع بـه نـغـم النحيب

ولو أصــغـى لنـغـمـتـنـا مـليّـاً — لذاب بــذلك النــغــم المـذيـب

و يـا ليـت الشرى سجنوك مثلي — لدُن خـافـوا وثـوبـك أو وثوبي

لئن كــشّــرت للهــيـجـاء نـابـاً — فــأقــلامــي تــكــشــر للحــروب

كـلانـا صـاحـبـا صـمـتٍ مـهـيـب — كــلانــا صــاحـبـا وجـهٍ رعـوب

أدبّ عـلى الثـرى ضـعـفـاً ولكـن — أرى الجـبـنـاء يـقلقهم دبيبي

تُــراع حــلومــهـم لصـدى عـظـامٍ — ضـئيـلات تـقـضـقـض فـي جـنـونـي

أعّـبـس للضـنـى فـيـخـيـف قـومـاً — عـبـوسـي ثـم يـشـحـبـهـم شـحوبي

فـكـيـف بـهم اذا سمعوا زئيري — وكـيـف اذا أكـشـر عـن نـيـوبـي

البحر والقافية

القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.

تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الرهيب: الرَّهِيبُ : الرَّهُوب وهو ما يُخافُ منه ويُرهب؛ كانت المعركة مع الأعداء رهيبة.
  • الكئيب: [ك أ ب]. (صِيغَةُ فَعِيل). "وَجَدْتُهُ كَئِيباً" : حَزِيناً، مُنْكَسِرَ النَّفْسِ، مُغْتَمّاً.
  • الكذوب: الكَذوبُ : الكذّابُ، الكثير الكذب الذي لا يقول الصدق؛ (إنْ كنت كَذوبًا فَكُنْ ذكورًا) ج كُذُبٌ.
  • اللعوب: اللَّعُوبُ : الكثيرة اللَّعِب.-: من كانت رشيقة الحركات حسنة الدلال؛ فتاةٌ لَعُوبٌ.
  • بالفتح: فتح: الفَتْحُ: نَقِيضُ الإِغلاقِ، فَتَحه يَفْتَحه فَتْحاً وافْتَتَحه وفتَّحَه فانْفَتَحَ وتَفَتَّحَ. الْجَوْهَرِيُّ: فُتِّحَت الأَبواب، شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ، فتَفَتَّحتْ هِيَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَ …
  • بسجن: سجن: السِّجْنُ: الحَبْسُ. والسَّجْنُ، بِالْفَتْحِ: الْمَصْدَرُ. سَجَنَه يَسْجُنُه سَجْناً أَي حَبَسَهُ. وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: قَالَ ربِّ السَّجْنُ أَحبّ إِلَيَّ. والسِّجْنُ: المَحْبِسُ. وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: قَ …
  • خضيب: الخَضِيب : المخضوب؛ امرأة خضيب / بنان خضيب / الكف الخضيب، هو نجمٌ.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة