غــذائي الحــب يــا مــن فــيــه حـرمـان

الشاعر: إبراهيم عبد القادر المازني · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة غزل

هذه القصيدة من شعر إبراهيم عبد القادر المازني، من العصر الحديث، وتقع في 209 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

غــذائي الحــب يــا مــن فــيــه حـرمـان — مـــنـــى له أبـــدا مـــاعــشــت نــشــدان

وهــــــــل غــــــــذائي إلا أن أراك وأن — يــمــر بــالســمــع لفــظٌ مــنــك فــتــان

ومـــا أقـــل الذي أبـــغـــى وأيـــســـره — لو كــنــت تــنــصــف إن الحــق عــريــان

ذنــبــي إليــك هــوى يــنــفــك يــعـلنـه — شـــعـــري وإحــســانــكــم صــدٌّ وحــرمــان

يــا ليــت أن ذنــوب النــاس قــاطــبــةً — شـــعـــرٌ عـــفـــيــف وأشــواق وتــحــنــان

عــجــبــت مــمـن بـراه الحـب كـيـف غـدا — يـقـلي الهـوى والهـوى والحـسـن أخدان

لأي أمـــرٍ طـــويــت الكــشــح عــن رجــل — عـــف الأديـــم لفــضــل فــيــه بــرهــان

أخــفــت أن تــأخـذ العـيـنـان مـنـقـصـةً — فــي حــســنـك الغـض والإنـسـان إنـسـان

فــقــلت أعــشــى مــآقــيــه بــأدمــعـهـا — حــتــى أبــيــت وكــل النــقــض رجــحــان

كــذلك الشــمــس يــعـشـى طـرفـهـا أبـداً — والكــون جــهــمٌ ووجــه الجــو غــيـمـان

كــلا لعــمــري لقــد جــلت مــحــاســنــه — مــن أن يــكــون بــهــا عــيـبٌ ونـقـصـان

أرق مــن دمــعــة التــوديــع طــلعــتــه — وقـــد تـــحـــمـــل للتـــوديـــع خــلصــان

ومــا ابــتــســامــة ولهـانـيـن لفـهـمـا — بـعـد النـوى وانـصـداع الشـمـل لقـيان

يــومــاً بــأعــذب مــن حــســن تــسـربـله — عــليــه مــنــه عــلى الأيــام ريــعــان

عـــبـــدت فــيــه آلهــا كــنــت أكــفــره — دهــراً فــأعــقــب نــكــرانــيــه عـرفـان

هـــذا نـــبـــيّ ولم يـــبــعــث وليــس له — إلّا الجــــمـــال وآي الحـــســـن قـــرآنٌ

آمــنــتُ بــالعــيـن عـن طـوعٍ وفـي سـعـةٍ — وآمـــنـــت مـــن نـــفـــوس النـــاس آذان

لو أنــه كــان فــي وســعــي ومــقـدرتـي — أن تــرســم اللحــظ ألفــاظٌ لهــا شــان

وأن أصــور فــي القــرطــاس فــتــنــتــه — لقــالت النــاس هــذا مــنــك بــهــتــان

ســحــرٌ لعــمــرك لم يــمــنـحـه مـن أحـد — إلّا المـــــلائك لا أنـــــسٌ ولا جــــان

وشــاعــر لبــق التــصــويــر يــحــكــمــه — أحــكــامــه وخــيــال الفــحــل مــعــوان

يــكــســوه مــن شــعــره ثــوبــاً يـخـلده — وليــس يــبــلى جــديــد الشــعـر أزمـان

فــمــا يــعــطــل شــيــءٌ مــن مــحــاسـنـه — إلّا غــدا وهــو بــالأشــعــار حــليــان

ورب مـــســـود ســـطـــرٍ أنـــت تـــحــقــره — تــألق الحــســن فــيــه فــهــو ضــيـحـان

وعـــاش فـــيـــه جـــمــالٌ طــاح لابــســه — ومـــاس فـــيـــه ورب الحـــســـن ذبـــلان

والشــعــر حــصــنٌ عــزيــز ليـس تـقـهـره — هــذي الليــالي وغـيـر الشـعـر وهـنـان

كــم قــلت لمــا رأيــت الدهــر أيـديـه — مـــطـــاعـــنـــات وللأيـــام تـــطـــعـــان

مـــقـــوضــاتٍ حــصــونــاً وهــي مــن ضــرعٍ — لهـــا عـــلى ذلة التـــقـــويــض إذعــان

يـذوي تـعـاقـبـهـا الغـصـن الرطيب ولا — يـبـقـى عـلى الغـصـن أن الغـصـن فينان

وجــائع اليــمّ لا يــنــفــك مــن ســغــبٍ — له عــــلى الأرض عـــدوان وطـــغـــيـــان

كـــلاهـــمـــا أبـــداً ربـــحٌ لصـــاحــبــه — لاغــنــم فــيــه وبــعـض الربـح خـسـران

يــا ليــت شــعـري إلّا شـيـءٌ نـصـون بـه — هــذا الجــمــال فــلا يــعـروه نـقـصـان

أمـــا يـــثـــقـــل هــذا الدهــر أرجــله — أليـــس فـــي الدهـــر إروادٌ وإمـــعــان

وكـــيـــف نــصــرف عــنــه لحــظ طــالبــه — أنـــي ونـــائم هــذا الدهــر يــقــظــان

وهــل تــغــالب هــوج الريــح نــرجــســةٌ — مـا إن لهـا غـيـر فـرط الحـسـن إمـكان

إلّا تـــكـــن هـــذه الأشـــعــار خــالدةً — فـــلن يـــدوم لهــذا الحــســن ريــعــان

يـبـلى مـن الحـسـن عـشق العاشقيه ولا — يــبــلى جــمــال فـتـىً بـالشـعـر يـزدان

لا بــد مــن هــرمٍ للمــرء غــيــر فـتـى — يــصــونــه الشــعــر إن الشــعــر صــوان

وإنــمــا النــاس كــالأمــواج بـعـضـهـم — فــي بــعــضــهـم غـائبٌ والعـيـش مـيـدان

إذا الفــتــى أئتــلفــت ألوان رونـقـه — وراح وهـــو بـــمـــاء الحـــســـن ريـــان

عــدت عــلى حـسـنـه الأيـام فـاخـتـلفـت — بـــعـــد التـــنـــاســب أصــبــاغٌ وألوان

مـا يـسـمـن الدهـر إنـسـانـاً ليـشـبـعـه — لكـــن ليـــعــجــفــه والدهــر ســغــبــان

وكـــل مـــا تـــزرع الأيـــام تــحــصــده — وللجـــــمـــــال كــــمــــا للزرع إبــــان

أظــافــر الذئب أحــرى أن يــقــلمــهــا — لو كــان فــي الدهــر أنـصـافٌ وعـرفـان

لكــن شــعــري بــرغــم الدهــر يــكــلؤه — وهـل لذي الحـسـن غـيـر الشـعـر أكـنان

مـا ضـر ذا الحـسـن أن الحـسـن عـاريـةٌ — تــبــقــى له الروحُ إمّــا رث جــثــمــان

كـــالورد إمـــا ذوت يـــومـــاً غــلائله — ذكـــى فـــصــار بــه عــنــهــن غــنــيــان

أراه فــي الزهــر مــخــضــلّاً وأســمـعـه — فــي هــادل الطــيــر هـاجـتـهـن أشـجـان

وأجــتــلي نــفــســه فـي المـاء حـف بـه — عـــلى الجـــوانـــب ريـــحـــانٌ وحـــوذان

لكـــنـــنـــي كـــســجــيــنٍ مــرهــقٍ تــعــبٍ — تــســكُّ مــســمــعــه فــي الســجـن ألحـان

تــضـيـئه الشـمـس مـن قـضـبـان مـحـبـسـه — ودون أن يــجــتــليـهـا الدهـر قـضـبـان

يـا ليـت شـعـري وهـل فـي ليـت مـن فرجٍ — مــن أزم مــا أنــا عــانٍ مــنـه أسـوان

مــاذا أراد بــنــا حــتــى نــأى ودنــا — طــيــف يـخـادع فـي طـرفـي وهـو وسـنـان

أخــال أنــي إذا اســتــوحــشـت آنـسـنـي — عــلى النــوى مــنــه أشــبــاهٌ وأقــران

يــبـدي ودادي ويـحـمـي العـيـن رؤيـتـه — لو كــان يــنــصــف ســاوى ذاك مــيــزان

عـــجـــبــت مــن مــائلٍ عــنــا وإن لنــا — شـعـراً كـمـا سـجـعـت فـي الروض مـرنـان

لكــــل روضٍ نــــضــــيــــرٍ طــــائرٌ غــــرد — كـــذاك نـــحـــن حـــمــامــاتٌ وبــســتــان

أمــا يـرى غـايـتـي فـي الشـعـر واحـدةً — وإن تــــــــبـــــــايـــــــن أوزانٌ وأوزان

فــمــا أحــوك عــلى الأيــام قــافــيــةً — إلّا وفـــيـــهــا عــلى حــبَّيــه عــنــوان

أكـــســـو قــديــمــي أفــوافــاً تــجــدده — وبــعـض مـا تـكـتـسـي الأشـعـار أكـفـان

كـــالشـــمــس غــاربــةً طــوراً وطــالعــة — عـــوداً لبـــدء ومــا للشــمــس أيــهــان

مـــســـبــحــاً بــاســمــه فــي كــل آونــةٍ — كــمــا يــســبــح بــاســم اللَه رهــبــان

كــــأن ذكــــريــــه آيــــاتٌ أرتــــلهــــا — كـــمـــا يـــرتـــل إنـــجـــيــلٌ وفــرقــان

لي مــن مــلاحــتــه وحــيٌ يــســاعــفـنـي — إذا أعــان عــلى الأشــعــار شــيــطــان

قــليــل ذكــريــه فــي شــعــري يــزيـنـه — كـــــأنـــــمــــا ذكــــره در ومــــرجــــان

أراك تــجــرحــنــي بــاللفــظ تــبــعـثـه — يــا ليــتــنــي جـرحـتـنـي مـنـك أجـفـان

قــتــلت بــعـضـي فـأتـمـم مـا بـدأت بـه — فـالقـتـل أمـا اسـتـحـال البـرء إحسان

وكــن كــمــا أنــت قــاسٍ كـيـسـاً فـطـنـاً — فـــللجـــفـــاء كـــمــا للرفــق أحــيــان

أذقـتـنـي النـار في الدنيا فأحر بأن — يــذيــقــنــي مـنـك طـعـم الخـلد رضـوان

آمـنـت بـالحـب فـاجـز المـؤمـنـيـن كما — يــجــزي عــلى طــاعــة المــخـلوق ديـان

ضــنــنــت بــاســمــك حــتــى لا تــدنـسـه — أفــواه ذي النــاس أن النــاس ديــدان

مــن ذا كــرهــت فــلم أنــبــذ مــودتــه — حـــتـــى كــأن لم يــكــن ود وتــحــنــان

أمــا تــرانــي إذا هــاجــرت مــن غـضـب — يـــقـــتــص مــنــي لكــم وجــدٌ وأشــجــان

إنــي أعــيــذك مــن ظــلمـي وأنـت فـتـىً — يــحــمــيـه أن يـفـعـل الأسـواء وجـدان

لا تـحـسـب البـعـد يـسـليـنـي فـتهجرني — فــليــس فــي البـعـد للمـشـغـوف سـلوان

هـل يـنـفـع الصـبـر مـلتـاحـاً تـدافـعـه — عــــن الورود فــــيــــروي وهـــو غـــلان

مــا لذة القـلب خـلواً مـن دخـيـل هـوىً — مـا الليـل إن لم يـكـن بالصبح إيقان

هـل تـمـرع الأرض لم تـنـسـج مـنـاسجها — فـــيـــهــا ســوارٍ لهــا ســح وتــهــتــان

مـا لي بـغير الهوى في العيش من أرب — ولا بــــقـــلبـــي أحـــقـــاد وأضـــغـــان

مــحــا الهــوى مـن فـؤادي كـل مـقـليـةٍ — فـــاعـــجـــب لقـــلبٍ خـــلى وهـــو مــلآن

كـأنـمـا ليـس فـي الدنـيـا سـواه فـتـى — أحـــبـــه وكـــأن النـــاس مــا كــانــوا

أنــســانـي الحـب مـا قـد كـنـت أحـمـله — عــلى الليــالي فـلي بـالذكـر نـسـيـان

فـــعـــدت أطـــلب أن أحـــيــا له أبــدا — وكــان للمــوت مــنــي الدهــر نــشــدان

أحــيــا وأزهــق آمــالاً شــقــيــت بـهـا — فــــالحـــال واحـــدةٌ والطـــعـــم ألوان

يـا ليـت لي والأمـانـي إن تـكـن خدعاً — لكـــنـــهـــن عـــلى الأشـــجـــان أعــوان

غــاراً عــلى جــبــلٍ تـجـري الريـاح بـه — حــيــرى يــزافــرهــا حــيــران لهــفــان

والبــحــر مــصـطـفـق الأمـواج تـحـسـبـه — يـــهـــيـــجـــه طـــربٌ مـــثــلى وأشــجــان

إذا تــلفــت فــي خــضــرائه اعــتــلجــت — آذيـــــه فـــــلســــرى مــــنــــه إعــــلان

خــل القـصـور لخـالي الذرع يـسـكـنـهـا — وخــيــر مــا ســكــن المــعـمـود غـيـران

حـسـبـي إذا اسـتـوحـشـت نـفـسـي لبعدكم — بــالبــحــر أنــسٌ وبــالأرواح جــيــران

لا كــالريــاح ســمــيـرٌ حـيـن ثـورتـهـا — إذ مــا لأسـرارهـا فـي الصـدر إجـنـان

تــفــضــي إليــك بــنـجـواهـا زمـازمـهـا — نــم الصــبــاح بــمــا يــطــويـه أدجـان

إذا الفــتـى كـان ذا شـجـوٍ يـمـيـد بـه — مــعــذبـاً بـالمـنـى مـن مـعـشـر خـانـوا

فـــنـــعـــم مـــســكــنــه غــراٌ له أبــداً — مـــن الســـحـــاب قـــلاداتٌ وتـــيـــجــان

ونــــعـــم أقـــرانـــه بـــحـــرٌ له زجـــلٌ — وســــافـــيـــاتٌ لهـــا ســـجـــعٌ وأرنـــان

ومــا أبــالي وقــد أصــبــحــت مــطـرحـاً — إذا خـــلت لي مـــن الإنــســان أوطــان

مـا بـي إلى النـاس أطـرابٌ فـأفـقـدهـم — إذا اعـــتـــزلت وهـــل للداء فـــقــدان

بــيـنـي وبـيـن الورى بـونٌ فـأحـج بـأن — يــكــون بــيــنــي وبـيـن النـاس وديـان

أنـــي شـــغـــلت بـــمــعــراضٍ أخــي مــللٍ — فــــلســـت أدري أفـــوق الأرض ســـكـــان

سـيـان عـنـدي إذا مـا ازور عـن نـظـري — وأظــــلم الجــــو إنـــســـانٌ وعـــيـــران

ومـــا عـــلي وليــس النــاس مــن أربــي — إن قــطــعــت بــيــنــنــا بــيـدٌ وغـدران

هــيــهــات آنــس بــالإنــســان ثــانـيـةً — مــن يــألف الكــأس يـألم وهـو صـديـان

خــل الريــاح تــنــاجــيـنـي وتـعـزف لي — فــــللريــــاح كـــمـــا للنـــاس ألحـــان

إن يــســتــخــف بــمــا ألقـى أخـو عـنـفٍ — لا رفــق فــيــه فــإن البــحــر حــنــان

تــســليــك مــنــه وإن أشــجـتـك روعـتـه — وقــد تــســري مــن الأشــجــان أشــجــان

والبــحــر للنــفــس مــرآةٌ تــرى صــوراً — مــنــهــا بـهـا ولعـجـم المـوج تـبـيـان

يــا حــبــذا الغــار والأرواح نـائحـةٌ — والبــحــر مــصــطــخــب والليـل طـخـيـان

ومــرحــبــاً بــهــمـومٍ لا ارتـحـال لهـا — وجــــون ليــــلٍ له كـــالهـــم أيـــطـــان

وأنـــت بـــيـــن أبـــابـــيـــلٍ مـــغـــردةٍ — كـــأنـــهـــن عـــلى الأغــصــان قــنــوان

حـــمـــائمٌ فــي نــواحــي الروض هــادلةً — وأقــحــوانٌ عــلى الحــافــات نــعــســان

ونـــرجـــس كــاســف والعــيــن ضــاحــكــةٌ — يـــا حـــبــذا نــرجــس لهــفــان جــذلان

والمــاء كــالفــضــة البـيـضـاء سـائلةً — طـــوراً وطـــوراً تــراه وهــو عــقــيــان

بــمــعــزل عــن هــمــوم أنــت مــوقـدهـا — أرعـــى وأنـــت عــلى الأيــام غــفــلان

لك الريــاض عــليــهــا الدهــر أوشـيـةٌ — خــضــر يــضــاحـك فـيـهـا الورد ريـحـان

إن شـئت حـيـاك فـيـهـا النـور مـبتسماً — أو شـــئت ألهـــاك مــســجــاع ومــرنــان

أو شــئت فــي ظــل أغــصــان مــوســوســة — تــنــأى وتــدنـو كـمـا يـخـتـال نـشـوان

جــريــت فــي حـلبـة السـراء مـنـتـصـفـاً — مـــن الزمـــان كـــمـــن ضــرتــه أزمــان

ولي الجــبــال عــرايــا غــيـر كـاسـيـةٍ — والبـــحـــر والريــح ســمــار ونــدمــان

إن فــاتــنــي مـن ذكـي الورد نـفـحـتـه — فــــلى بـــذكـــرك ريـــحـــان وســـوســـان

وإنـــمـــا حـــبـــب الأجـــبـــال أنــكــم — كــنــتــم تــحـبـونـهـا والوصـل فـيـنـان

هــل أنــس ليــلتـنـا والغـيـث مـنـسـكـبٌ — وللبـــروق بـــقـــلب الســـحــب أثــخــان

وقــــوله لي مــــن لي أن تــــظـــللنـــي — مــن الســحــاب عــلى الأطــواد غـيـران

ربـــح تـــهــب لنــا مــن كــل نــاحــيــةٍ — وديـــمـــة كـــحـــلهـــا نـــور ونــيــران

يــلفــنــا الليــل فــي طــيـات حـنـدسـه — كــمــا يــغــيــب ســر المــرء كــتــمــان

نــكـاد نـلمـس بـالأيـدي السـمـاء ونـج — تـلي بـهـا الرعـد يـطـغـى وهـو غـضـبان

وللصــــدى حــــولنــــا حــــال مـــروعـــةٍ — كــأنــمــا تــســكــن الغــيــران جــنــان

لكـــل صـــوتٍ صــدى مــن كــل مــنــعــطــف — كـــمـــا تـــجـــاوب عـــســـاسٌ وأعـــيـــان

يــطــيــر كــل صــدىً عــن كــل شــاهــقــةٍ — كــمــا تــطــيـر عـن العـقـبـان عـقـبـان

تــبــدو لأعــيــنــنـا البـلدان كـالحـةً — كـــالوجـــه غـــضـــنـــه ســـنٌّ وحـــدثـــان

حــاشــا لمــثـلي أن يـنـسـى وإن بـعـدت — مـــســـافــة الذكــر إن الذكــر ديــدان

هــيــهـات مـا تـطـفـئ الأيـام حـر جـوى — وقـــد يـــســعــر نــار الذكــر هــجــران

كـــالنـــهـــر عـــمــق مــجــراه تــحــدره — والنـــار ألعـــجـــهـــا ريــح وعــيــدان

لنــا بــمــا قـد مـضـى عـن غـيـره شـغـلٌ — كـــأنـــمــا عــطــل الأفــلاك خــطــبــان

وصـــرت لا أنـــا مــن ضــراء مــبــتــئسٌ — يــومــاً ولا أنــا بــالســراء فــرحــان

أعـطـيـتـك العـهـد أن أحـيـا لكم أبدا — فــــهـــل تـــرى أنـــي للعـــهـــد خـــوان

مـا لي سـوى طـيـف أيـامـي التـي غـبرت — خـــدنٌ إذا شـــئت وافــى وهــو مــذعــان

كـــأنـــنـــي حـــيـــن أدعـــوه وأنــشــره — عـيـسـى بـن مـريـم يـحـيى معشراً حانوا

هــذا نــديــمــي أنــاجــيــه ويـتـرع لي — كــؤوس ذكــرٍ لمــن لي مــنــه نــســيــان

كـم ليـلةٍ بـات يـحـيـيـهـا مـعـي سـهـراً — يـــا حـــبـــذا هـــو ســمــيــرٌ ومــلســان

يــطــوف بــي بــيـن أطـلالي ويـطـرفـنـي — فــيــهــا بــأيــامــنـا والعـيـش زهـران

عــاد الربــيــع فــهــل فـي ظـل بـردتـه — ألفــى مــقــيــلاً لقــلبــي وهــو حــران

واخـضـرت الأرض واسـتـحيا الموات فهل — يــخــضــر لي بــربــيــع الوصــل مـوتـان

حــتــى الطــيــور لضــم اللَه ألفــتـهـا — فــهــل لنــا بـعـد طـول النـأي لقـيـان

وهــــل أقــــول له والســـن ضـــاحـــكـــةٌ — والعــيــن بــاكــيــةٌ والقــلب هــيـمـان

يــا مــرحــبــاً بــربــيــعـي جـنـةٍ وهـوى — وحــبــذا مــن شــهــور الحــول نــيـسـان

قـد كـانـت السـحـب تـبـكـي عند فرقتنا — فـــالآن تـــبــســم للقــيــان قــيــعــان

وكـــان يـــؤنـــســـي ربـــحٌ مـــزفـــزفـــةٌ — فــالآن لي بــالنــسـيـم الغـض قـنـعـان

أرمــي بــظــنـي وأخـلق أن يـطـيـش وفـي — عــيــنــي ضــبــابٌ وفــي الآفـاق أدجـان

طــامــن رجــاءك لا الآمــال نــافــعــةٌ — يــومــاً ولا لربــيــع الحــب غــشــيــان

وقـــل لمـــســـود يـــأسٍ كــنــت تــألفــه — عــمــر الزمــان لنــحـن العـمـر أخـوان

أنــا عــشــيــراً مــصــافــاةٍ مــصــفــقــة — قــد وشــجــت بــيــنــنـا قـربـىَ وألبـان

لو أن مـــا بـــيــنــنــا رثــت مــرائره — لكــان خــيــر أو بــعــض الغـوث خـذلان

لكـــنـــنـــي ســـأرد النــفــس مــكــرهــةً — عـــلى الذي تـــتـــقـــي واللَه مــعــوان

يـا يـأس فـاجـعـل بـساط الروض مرقدنا — والســرو كــلتــنــا فــالســرو مــحــزان

واجــعــل ذراعــي أمــا نــمــت أو ســدة — واعــذر إذا لام فــقــر الحـر ضـيـفـان

إلّا يـــكـــن وجـــد حـــرٍّ مــلء هــمــتــه — فـــقـــد يـــمـــد وعــاءٌ وهــو نــصــفــان

يـا مـن بـه اصـفر لون العيش وانفصمت — عـــرى الرجـــاء ودكــت مــنــه أحــصــان

ومــن تـوسـط مـحـلي الأفـق فـاحـتـجـبـت — بـــه البـــدور وضـــلت ثـــم شـــهـــبــان

ومـــن أســـالمـــه والنـــفـــس عـــالمــةٌ — بـــأنـــه حـــربـــان إن طــاش حــســبــان

ومــن بــكــرهـي جـعـلت القـلب مـسـكـنـه — كــمــا تــوارى نــصــال البـيـض غـمـدان

إنــي لأهــوى عــلى ذا أن تــلابــسـنـي — عــســى تــبــرد قــلبــي وهــو هــيــمــان

عــســى إذا مــا تــلابـسـنـا تـغـيـبـنـي — بـعـض الظـلال لهـا فـي البـعـض إجـنان

عــســى تــرنــق فــي قــلبــي فــتــقـصـده — فــطــالمــا نــام جــفــنـي وهـو سـهـران

إنـي اجـتـويـت مـذاق العـيـش وانـتفخت — مــســاحــري مــنــه إن العــيــش ذيـفـان

وحـــن قـــلبــي إلى نــومٍ تــخــادعــنــي — أضــغــاث أحــلامــه والليــل نــعــســان

حــتــى أخــال بــأنــي فــي بــلهــنــيــةٍ — وأن عـــيـــنـــي لم يـــدمــع لهــا شــان

وأنـــي لســـت مـــن ليـــعــت جــوانــحــه — وبــات فــيــهــا مــن الأشــجـان جـولان

حــتــى إذا دب بــعــد النــوم صــاحـبـه — فــالجــفــن مـن سـكـرات المـوت سـكـران

وشــارف الحــيــن واســتـروحـت نـشـقـتـه — والعـــيـــن شــاخــصــةٌ والوجــه بــردان

وكـــل ذهـــنـــي حـــتـــى مـــا يــحــركــه — شــيــءٌ وأعــيــا لســانــي وهـو سـحـبـان

والتــــف حــــولي خـــلّانـــي وآصـــرتـــي — وكــــلهــــم شــــرقٌ بـــالدمـــع غـــصـــان

مــصـغـيـن حـتـى كـأن المـوت يـخـطـبـهـم — فـــــالكـــــل حــــولي آذان وأعــــيــــان

طــوراً وطــوراً يـهـى بـالخـطـب صـبـرهـم — فـــيـــعـــولون كـــأن القـــوم غـــيــلان

وأضـــمـــرتـــنـــي أرضٌ لســـت أعـــذرهــا — إن عــاودتــنــي تــحــت التــرب أديــان

وغــيــبــونــي بــمــلحــودٍ يــنــادمــنــي — بـــه مـــن الســـحـــب هـــطـــال وهــتــان

نــضــوت عــنــي هـمـومـاً كـنـت ألبـسـهـا — مــع الحــيــاة فــلي بــالمــوت ســلوان

واســـتـــروح القــلب مــن شــوق يــلدِّده — ومــن دمــوعٍ لهــا فـي العـيـن عـيـنـان

فــي ظــلمــة القــبـر للثـاوي بـه فـرجٌ — وفـــي التـــراب تــواف الهــم أحــيــان

مـن لم يـسـع نـفـسـه الدنيا بما رحبت — فــلن تـضـيـق بـهـا فـي القـبـر أعـطـان

ديــــنٌ عـــلى ســـأقـــضـــيـــه إلى زمـــن — فــــي ديـــنـــه لي تـــســـويـــفٌ وليـــان

يــا ليــت شـعـري إذا بـوئت فـي جـدثـي — هــل يــرهــق القــلب ضـرّاً مـنـه عـدوان

لســوف أســخــر مــنــه وهــو يــطــلبـنـي — ودون ذاك صــــــفـــــاحٌ وكـــــثـــــبـــــان

مــا كــان ذلك ظــنــي بــالحــيــاة ولا — قــــدرت أن تـــجـــلب الآفـــات أذهـــان

ولا تــــخــــيـــلت أن النـــاس كـــلهـــم — فــي الســر والجــهــر غــيـلان وذؤبـان

ولا تـــوهـــمـــت أن الكـــون واحــرَبــي — حـــلمٌ يـــراه مـــن الأربـــاب ســكــران

وأنــــنـــي مـــوجـــةٌ فـــي زاخـــرٍ لجـــبٍ — مـــن الورى مـــاله كــالبــحــر شــطــآن

بــحــرٌ كــمــا شـائت الأقـدار مـصـطـخـب — أصــــم ليــــس له بــــالليــــن إيــــذان

مــا كــنــت آمــل أن أحــيــا بـمـنـتـزح — عــن الهــمــوم وهــل عــنــهــن حــيــدان

أعــددت للدهــر درعــاً كـنـت أحـسـبـهـا — مـــتـــيـــنـــةً فـــإذا بـــالدرع كــتــان

وكــنــت أنــظــر فـي قـلبـي وأحـسـب فـي — بـــطـــنــانــه لقــلوب النــاس ظــهــران

فــشــد مــا مــوهــت نــفــســي وجــوهـهـم — حـــتـــى تــشــابــه عــقــيــان وصــيــدان

وإنـــمـــا النــفــس مــرآة إذا كــرمــت — فــكــل مــا تــبــصــر العــيـنـان حـسـان

بـيـن الرجـاء وبـيـن اليـأس يـا أسـفي — عــليــك يــا قــلب أنـت الدهـر حـيـران

لا بـــل عـــلي وصـــدري مـــوكـــنٌ خـــرع — كــبــرت يــا طــيـر عـنـه فـهـو تـعـبـان

إنــي وإن أطــلقــت نــفــســي مــعــتـقـةٌ — حــيــنــاً وســرى مــن الأشــجـان إخـوان

فـــفـــي فـــؤادي ظـــلامٌ لا يــزحــزحــه — فــــــجــــــر يــــــزوره كـــــأسٌ وخـــــلان

هــيــهــات يــؤنــســنــي قــومٌ نـكـرتـهـم — لا هـــم عـــداةٌ ولا صـــحـــبٌ وخــلصــان

تــضــمــنــاً صــدفٌ قــد كــنــت أحــمـدهـا — لو فــرقــتــنــا وبـعـض المـنـع إحـسـان

مــخــاوف القــلب شــتــى غــيــر واحــدةٍ — كــــأنــــمــــا مــــالهـــا إلّاه إيـــوان

حـتـى السـحـاب وحـتـى الريـح تـفـزعـني — والنــبــت إن مــرحــت مــنــه أغــيـصـان

قـــســـا عـــلي رفـــيــق القــلب ليــنــه — فـــكـــل شـــيـــءٍ تــراه العــيــن صــوان

رفــقــاً بــنـا أنـنـا طـيـف سـيـخـلجـنـا — عــنــكــم وإن طــالت الأيــام مــوتــان

مــا طـال عـمـري ولكـن طـال مـا حـمـلت — نــفــســي فــسـنـى وإن لم تـعـل أسـنـان

كـــأنـــنـــي عـــشــت أدهــاراً وأزمــنــةً — ولم أعـــش غـــيـــر أيـــام لهـــا شـــان

وأكــبــر الظــن أن الحــيــن يـعـجـلنـي — فـــإن مـــر الريـــاح الهـــوج عــجــلان

طــول البــقــاء لكــم أنــا عــلى سـفـر — يـــريـــغـــنـــا آكــلٌ للنــاس مــبــطــان

أصـــاب حـــبـــك مـــنــا شــبــعــه أبــدا — وســـوف تـــأكـــل مـــا أبــقــاه ديــدان

أعـزز عـليـنـا بـان يـشـجـيـك مـصـرعـنا — وأن تـــروح بـــجـــفـــن وهـــو عـــبــران

قــد كــنــت أشــفـق حـيّـاً إن يـصـيـبـكـم — ســـوء واحـــذر أن يــهــمــى لكــم شــان

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الكشح: كشح: الكَشْحُ: مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إِلى الضِّلَعِ الخَلف، وَهُوَ مِنْ لَدُن السُّرَّةِ إِلى المَتْن؛ قَالَ طَرَفَةُ: وآلَيْتُ لَا يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطانَةً ... لعَضْبٍ، رَقيقِ الشَّفْرَتَيْنِ، مُهَنَّدِ قَالَ الأَزه …
  • بالسمع: سمع: السَّمْعُ: حِسُّ الأُذن. وَفِي التَّنْزِيلِ: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ خَلا لَهُ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ؛ وَقَدْ سَمِعَه سَمْعاً وسِمْعاً وسَماعاً وسَماعةً وسَماعِيةً. ق …
  • براه: البَرَاءةُ : مصــ.-: السلامة من العيب والإثم؛ تدهشني براءة الأطفال. -: الإعذار والإنذار بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. -: تحرير الذمة في دعوى أو عيْن؛ حكم القاضي ببراءة فلان.-: شهادة أو رسالةُ اعتماد تعطَى لممثل سياس …
  • برهان: البُرْهَانُ : البيّنة الواضحة وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أُنْ رَأىَ بُرْهَانَ رَبِّهِ -: الحجة القاطعة، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ -: في الفلسفة، القياس الذي يتألف من مقدمات يقينية …
  • تنصف: تَنَصَّفَ يَتَنَصَّفُ تَنَصُّفًا :- ت المرأة: تخَمَّرت بالنصيف وهو خمار الرأس.- ـه الشيبُ: بلغ نصف رأسه؛ تنصّفه الشيْب وهو في ريعان الشباب.- منه: استوفى حقَّه منه؛ لم يتنصَّف منه إلا بفضل القاضي العادل.- الحاكم: طلب منه …
  • حرمان: الحَرَمَانِ : مكة والمدينة.
  • عريان: العُرْيَانُ : العاري لا ثِيابَ عليه.- النَّجيِّ: الذي لا يَكُتم السرَّ، كيف أبوح له بالسرِّ وهو عُريان النجيِّ / عُريانات الأسنان من الأسماك هي من مرتبة العظميات ورتبة ملحومات الفك.
  • عفيف: العَفِيفُ : من يتّصفُ بحسن القول والفعل؛ عفيف اللّسان/ عفيف اليد / عفيف النفْس/ أَعِفَّةُ الفقر، هم الذين لا يَسْألون إِذا افتقروا ج أَعِفّاءُ وأَعِفَّةٌ.

قصائد ذات صلة

  • ما تصنعون بفان مات أكثره
  • يا أم لا تجزعي مما يداهمنا
  • عباس إن ابني لي مفزع
  • يا حسن واحسرتا على غرر
  • أقلى الدنا وأخاف فرقتها
  • أصبحت كالملاح صافح عينه
  • قد أفعل الشيء لا أبغي به أملا
  • قمر يحلم في لج السما