رَأَيـتُ مِـنَ الدُنـيـا كَـغَـدرِ الكَـواعِـبِ
الشاعر: محمد الإصبَعي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر محمد الإصبَعي، من العصر العثماني، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رَأَيـتُ مِـنَ الدُنـيـا كَـغَـدرِ الكَـواعِـبِ — تُــواصِــلُنــا يَــومـاً وَتَـنـأى بِـجـانِـبِ
إِذا اِختَبَرَ الدُنيا الكَريمُ رَأى بِها — سُـمـومَ الأَفـاعـي لا سُـمـومَ العَقارِبِ
فَــإِيّــاكَ أَن تَــغــتَـرَّ مِـنـهـا بِـزَبـرَجٍ — فَــتَــرمــي بِــأَنــيــابٍ لَهــا وَمَـخـالِبِ
وَأَبـنـاؤُهـا أَيـضـاً لَدى الحَـقِّ مِثلَها — لَهُــــم وُدُّ خِــــلّانٍ وَرَوغُ الثَـــعـــالِبِ
فَــوُدُّهُــمُ خــبّ إِذا مــا اِخــتَــبَـرتَهُـم — قُــلوبُهُــم عِــنــدي قُــلوبُ النَــواصِــبِ
فَــإِيّــاكَ مِــن قُـربِ الَّذيـنَ عَـنَـيـتَهُـم — وَجــانِــبــهُــم فَــالخِــبُّ أَخـبَـثُ صـاحِـبِ
وَصــاحِــب أُنــاســاً يَــعــمَـلونَ لِرَبِّهـِم — فَـــآســـارهُـــم شُـــربٌ أَلَذُّ المَــشــارِبِ
أولَئِكَ أَهـلُ العِـلمِ وَالحِـلمِ وَالحِـجا — فَــلازم وَزاحـم عِـنـدَهُـم بِـالمَـنـاكِـبِ
تُــحَــزُّ دُرَراً مَــنــظــومَــةً فـي قَـلائِدٍ — مِــنَ الكَـلِمـاتِ الغُـرِّ صـيـغَـت لِكـاتِـبِ
فَـمِـنـهُـم نَـجـيـبُ النَـجرِ أُمّاً وَوالِداً — أَخو الفَضلِ وَالأَفضالِ مُحيي المَناقِبِ
أَنـــاصِـــرَ ديــنِ اللَهِ ظِــلَّ مَــليــكــه — حَـليـفُ النَـدى فـي شَـرقِـنا وَالمَغارِبِ
جُــزيــتَ مِـنَ الرَحـمَـنِ جَـزلَ المَـواهِـبِ — وَحُـزتَ مِـنَ العَـليـاءِ أَعـلى المَـراتِبِ
أَمَـــن مَـــدحُهُ فَـــرضٌ عَـــلِمــت وُجــوبَهُ — وَلَيــسَ مُــصــيــبــاً مَــن أَخَــلَّ بِـواجِـبِ
يَـمـيـنُـكَ ذاتَ الطولِ وَاليمنُ وَالنَدى — وَجَــدُّكَ نِــعــمَ الجَــدُّ شَـمـسُ الكَـواكِـبِ
وَأَنَّكــــــَ كَهــــــفٌ للأَنـــــامِ وَجُـــــنَّةٌ — وَحِــصـنٌ مَـنـيـعٌ عِـنـدَ ضـيـقِ المَـذاهِـبِ
لِكُــلٍّ نَــصــيــبٌ مِـنـكَ تُـعـطـي تَـقَـرُّبـاً — إِلى اللَهِ مَـحـضـاً لَم تَـشُـبـهُ بِـشـائِبِ
وَحَـيـثُ قَـبـولُ البِـرِّ يَـسـتَـعبِدُ الفَتى — قَـبِـلتُ عَـطـاءَ الشَـيـخِ زَيـنِ المَـناقِبِ
تَــغَــرَّســتُ فـيـكَ الجـودَ حَـتّـى وَجـدتَهُ — وَهِــمّــتُــكَ العُــليــا لَدى كُــلِّ نــائِبِ
وَأَبـصـرت لَحـظَ الغَـيـبِ جـودُكَ مُـمـرِعاً — وَشـاهَـدتُ مِـنـكَ الغَـوثَ مِـن كُـلِّ جـانِبِ
وَصَــلتُ إِلى مَــلكِ المُــلوكِ مُــبـاركـاً — وَأَنـتَ الوَصـولُ البَـرُّ نَـجـلُ الأَطـايِبِ
وَلَمّـا وَجَـدتَ العِـزَّ وَالفَـوزَ بِـالعُـلا — مَـعَ البِـرِّ بِـالإِنـسانِ صافي المَشارِبِ
عَــرَجـتَ إِلى العَـليـاءِ وَالجِـدُّ صـاعِـدٌ — بِــإِعــطـائِكَ الإِخـوانَ جَـزلَ الرَغـائِبِ
وَمَــن طَـلَبَ الآمـالَ بِـالمـالِ نـالَهـا — إِذِ المــالُ مِــعــراجٌ لِنَــيـلِ المَـآرِبِ
وَمَــن يُــرِدِ العَــليـاءَ فَـالجـودُ سُـلَّمٌ — وَبــابٌ لِطُــلّابِ العُــلا وِالمَــنــاصِــبِ
وَمَـن خَـطَـبَ العَـلياءَ بِالبَأسِ وَالنَدى — تَـجِـدهُ عَـلى التَـحـقـيـقِ أَنـجَـحُ خـاطِبِ
وَمَــن كــانَ ذا عَــقــلٍ وَجــودٍ وَصــارمٍ — فَـقَـد فـازَ بِـالعَـليـاءِ مِـن كُـلِّ جانِبِ
سُـلوكُـكَ نَهـجَ العَـقـلِ دَبـر العَـواقِـب — بِـتَـقـديـمِـكَ التَـجـريـبَ قَبلَ التَقارُبِ
فَـإِنَّ اِخـتِـبـارَ المَـرءِ قَـبلَ اِختِيارِهِ — جِـــبِـــلَّةُ لُبٍّ فــي المَــعــارِفِ ثــاقِــبِ
فَـــثِـــق بِــالَّذي جَــرَّبــتَ ثُــمَّ وَجَــدتَهُ — لَدى الخُـبـرِ بِـالتَـجـريـبِ نَجلُ أَطايِبِ
وَكُــن راغِـبـاً عَـمَّنـ سِـواهُ مِـنَ الوَرى — وَدَع كُـــلَّ خِـــبٍّ وَاِصـــرِمَـــنَّ وَجـــانِـــبِ
أَفـادَنِـيَ التَـجـريـبُ خُـبرُ أَخي الرَخا — فَـأَلفَـيـتُ مَـن جَـرَّبـتُ مِـثـلَ العَـقـارِبِ
وَأَحــوَجَــنــي دَهـري إِلى مـالِهِـم فَـلَم — يَـجـودوا بِـشَـيـءٍ وَاِسـتَباحوا مَثالِبي
أرانـي صَـحـيـحـاً عِـنـدَ أَوقـاتِ ثَروَتي — سَـليـمـاً مِـنَ الأَسـقـامِ لَسـتُ بِـعـاطِـبِ
وَإِنّــي لَأَهـوى الشَـيـءَ لِلطِـبِّ وَالدَوا — وَتَــعـديـلُهُ الخَـلطَ الَّذي هُـوَ غـالِبـي
وَلَكِــنَّمــا الإِفـلاسُ يَـمـنَـعُـنـي الَّذي — أُحِــبُّ وَأَهــوى مِــن جَــمــيـعِ مَـطـالِبـي
مَتى قُلتُ أَبغي الأَمرَ قالَ ليَ اِصطَبِر — وَإِن رُمـتُ فِـعـلَ البِـرِّ فَهـوَ مُـحـارِبـي
فَــقــوتِـلَ إِفـلاسـي وَأَبـعَـدَ بِـالغِـنـى — فَــإِنّــي أَرى الإِفــلاسَ أَقـبَـحُ صـاحِـبِ
وَلَو كُـنـتُ أَشـكـو الفَقرَ لِلشَيخِ ناصِرٍ — لَفــارَقَــنــي فَــقـري وَجـانَـبَ جـانِـبـي
وَلَو شِـئتَ صَـرفَ الفَـقـرِ عَـنّـي مُـعـجِلاً — لَرُحــتُ إِلَيــهِ وَاِمــتَــطَــيــتُ رَكـائِبـي
وَقُــــلتُ إِلَيــــهِ إِنَّ قـــنَّكـــَ مُـــمـــلِقٌ — وَأَودَعـتُ هَـذا القَـولَ بَـعـضَ كَـتـائِبـي
خَــليــلَيَّ إِنَّ الصَــبــرَ فــيـهِ مَـثـوبَـةٌ — لَدى البُـؤسِ وَالضَـرّا وَعِـنـدَ المَصائِبِ
إِذا لَم يَـكُـن بُـدٌّ مِـنَ الصَبرِ فَاِصبِرَن — عَـسـى الصَبر يُدني مِن قِرانِ الحَبائِبِ
وَيــنـكِـحُـكَ الغـيـدَ الحِـسـانَ مُـعـجـلاً — وَتَـحـظـى بِـوَصـلِ الغـانِـيـاتِ الكَواعِبِ
لَعَـلَّ الكَـريـمَ البَـرَّ يَـمـنَحُني الغِنى — وَيـوصِـلُنـي الحـورَ الحِـسـانِ الحَواجِبِ
وَيَــرزُقُــنــي مِــن بَــعـدِ فَـقـرِيَ ثَـرَوةً — وَمـالاً جَـزيـلاً مِـن جَـزيـلِ المَـواهِـبِ
وَيُـــبـــدِلُنـــي مِـــن هَــذِهِ بِــخَــريــدَةٍ — تُــحِــبُّ وَتَــرضـى عَـن جَـمـيـعِ مَـذاهِـبـي
جَــمــيــلَةُ قَــدٍّ كَــالنَــبـاتِ حَـديـثُهـا — بَــديــعَــةُ حُــســنٍ لَم تَــشُـبـهُ بِـكـاذِبِ
مــورَّدَةُ الخَــدَّيــنِ كَــالشَهــدِ ريـقُهـا — يُـعـيـدُ نَـشـاطـي ثُـمَّ يُـحـيـي تَـرائِبـي
كَـــظَـــبـــيَـــةٍ قَــنّــاصٍ وَلَكِــنَّهــا إِذا — رَمَـت طَـرفَهـا صـادَت بِـمِـثـلِ المَـخالِبِ
كَــــدُرَّةِ غَــــوّاصٍ تَــــراهــــا غَـــنِـــيَّةً — بِـحُـسـنِ الحُـلى عَن صَبغِ تِلكَ الخَواضِبِ
وَبَــيـضـاءَ كَـالقـرطـاسِ صَـفـحَـةُ خَـدِّهـا — لَهــا شَــعــرٌ مِــثــل المِــدادِ لِكـاتِـبٍ
لَهُ ظُـــلمَـــةٌ كَــاللَيــلِ أَســوَدَ حــالِكٍ — وَمِـن تَـحـتِ صُـبـح أَو شُـعـاع الثَـواقِبِ
لَهــا كُــحـلٌ بِـالمُـقـلَتَـيـنِ فَـإِن غَـدَت — لِكُـحـلِهِـمـا فَـالسَـيـفُ أَمـضى القَواضِبِ
تَـراهـا لَدى اللَيـلِ البَهـيمِ وَنورُها — يَــفــوقُ وَيَـعـلو فَـوقَ نـورِ الكَـواكِـبِ
خَــليــلي إِنَّ الزُهــدَ يُــعــقِــبُ راحَــةً — وَيـــوصِـــلُكَ الفِــردَوسَ ذاتَ الرَغــائِبِ
فَـكُـن قـانِـعـاً إِن جُـعـتَ فـيها بِبلغَةٍ — وَعَــن عَــطـشٍ فَـاِقـنَـع بِـمَـصِّ المَـشـارِبِ
وَكُـن قـانِـعـاً عِـنـدَ الشِـتـاءِ بِكُلِّ ما — يُــكـنِّكـُ عَـن بَـردِ الحَـشـا وَالجَـوانِـبِ
وَفـي الصَـيـفِ فَـاِقنَع بِالقباءِ وَتَحتَهُ — قَــمــيــصٌ وَسِــروالٌ لِسَــتــرِ المَـعـائِبِ
وَضَــــع فـــي مَـــصـــيـــفٍ فَـــوقَ رَأسِـــكَ — يَـقـي الرَأسَ وَالعَـيـنَينِ ضُرَّ الضَوارِبِ
وَضَــع فــيــهِ بِــالرِجـلَيـنِ خُـفّـاً لِأَنَّهُ — يَـقـيـكَ عَـمـى العَـيـنَـينِ شَرُّ المَصائِبِ
وَفــي كُــلِّ فَــصــلٍ فَــاِلبــسـنَّ عَـمـامَـةً — وَكُـن قـانِـعـاً فـيـهـا بِـقَدرِ المناسِبِ
وَمِـن تَـحـتِهـا فَـاِلبِـس قُـلُنـسُـوَةً تَـقي — وَتَـمـنَـعُ عَـنـكَ الريـحَ مِـن كُـلِّ جـانِـبِ
وَعِــنــدَ مَــنــامٍ فَــاِقــنَــعـنَّ بِـمَـفـرَشٍ — وَمِــن تَــحـتِ رَأسِـكَ فَـاِقـنَـعـنَّ بِـواجِـبِ
وَكُــن قــانِــعــاً فـيـهـا بِـمـا ذَكَـرتُهُ — لِأَنَّكـــَ ذو جِـــســمٍ نَــحــيــلٍ وَشــاحِــبِ
خَـــليـــلَيَّ إِنَّ الفَــقــرَ فــيــهِ مَــذَلَّةٌ — فَـقُـم وَاِجـتَهِـد وَاِقطَع مُتونَ السَباسِبِ
لَعَــلَّكَ بِــالأَســفــارِ تَــحـظـى بِـعـالمٍ — يُـريـكَ مِـنَ الأَسـفـارِ بَـعـضَ الغَـرائِبِ
وَعَـــلَّكَ إِن ســـافَــرتَ فُــزتَ بِــمــاجِــدٍ — نَــبـيـلٍ مُـنـيـلٍ مُـسـعِـدٍ فـي النَـوائِبِ
فَــمَــن حَــصَّلــَ الأَمـوالَ فَهـيَ حِـبـالُهُ — إِلى الفَوزِ بِالدارَينَ أَعلى المَراتِبِ
وَأَحــمَــدُ رَبّــي ذا الجَــلالِ مُــصَـلِّيـاً — عَــلى خَــيــرِ مَــبـعـوثٍ وَأَفـصَـحِ خـاطِـبِ
وَآلِ رَســـــولِ اللَهِ حُـــــفّــــاظ سِــــرِّهِ — فَـــإِنَّهـــُمُ هُـــم خَـــيــرُ مــاشٍ وَراكِــبِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اختبر: اخْتَبَرَ يَخْتَبِرُ اخْتِباراً :- ـه: بلاه وامتحنه:- ـه: عرفه على حقيقته؛ اختبر قدرتَه على القفز العالي.
- العقارب: [ع ق ر ب]. ن. عَقْرَبٌ.
- النواصب: جمع نَاصِبَة. [ن ص ب]. "النَّوَاصِبُ فِي النَّحْوِ" : هِيَ الْحُرُوفُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فَتَنْصِبُهُ.
- بجانب: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ.