فيمَ نخشَى الكلماتْ
الشاعر: نازك الملائكة · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر نازك الملائكة، من العصر الحديث، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
فيمَ نخشَى الكلماتْ — وهي أحيانًا أكُفٌّ من ورودِ
بارداتِ العِطْرِ مرّتْ عذْبةً فوق خدودِ — وهي أحيانًا كؤوسٌ من رحيقٍ مُنْعِشِ
رشَفَتْها ذاتَ صيفٍ شَفةٌ في عَطَشِ — فيم نخشى الكلماتْ
إنّ منها كلماتٍ هي أجراسٌ خفيّهْ — رَجعُها يُعلِن من أعمارنا المنفعلاتْ
فترةً مسحورةَ الفجرِ سخيّهْ — قَطَرَتْ حسّا وحبًّا وحياةْ
فلماذا نحنُ نخشى الكلماتْ — نحنُ لُذْنا بالسكونِ
وصمتنا لم نشأ أن تكشف السرَّ الشِّفاهُ — وحَسِبنا أنّ في الألفاظ غولاً لا نراهُ
قابعًا تُخْبئُهُ الأحرُفُ عن سَمْع القرونِ — نحنُ كبّلنا الحروف الظامئهْ
لم نَدَعْها تفرشُ الليلَ لنا — مِسْندًا يقطُرُ موسيقَى وعِطْرًا ومُنَى
وكؤوسًا دافئهْ — فيم نخشى الكلماتْ
إنها بابُ هَوًى خلفيّةٌ ينْفُذُ منها — غَدُنا المُبهَمُ فلنرفعْ ستارَ الصمتِ عنها
إنها نافذةٌ ضوئيّةٌ منها يُطِلّ — ما كتمناهُ وغلّفناهُ في أعماقنا
مِن أمانينا ومن أشواقنا — فمتى يكتشفُ الصمتُ المملُّ
أنّنا عُدْنا نُحبّ الكلماتْ — ولماذا نحن نخشَى الكلماتْ
الصديقاتِ التي تأتي إلينا — من مَدَى أعماقنا دافئةَ الأحرُفِ ثَرّهْ
إنها تَفجؤنا في غَفْلةٍ من شفتينا — وتغنّينا فتنثالُ علينا ألفُ فكرهْ
من حياةٍ خِصْبة الآفاقِ نَضْرهْ — رَقَدَتْ فينا ولم تَدْرِ الحياةْ
وغدًا تُلْقي بها بين يدينا — الصديقاتُ الحريصاتُ علينا, الكلماتْ
فلماذا لا نحبّ الكلماتْ — فيمَ نخشى الكلماتْ
إنّ منها كلماتٍ مُخْمليات العُذوبَهْ — قَبَسَتْ أحرفُها دِفْءَ المُنى من شَفَتين
إنّ منها أُخَرًا جَذْلى طَروبهْ — عَبرَت ورديّةَ الأفراح سَكْرى المُقْلتين
كَلِماتٌ شاعريّاتٌ طريّهْ — أقبلتْ تلمُسُ خَدّينا حروفُ
نامَ في أصدائها لونٌ غنيّ وحفيفُ — وحماساتٌ وأشواقٌ خفيّهْ
فيمَ نخشى الكلماتْ — إن تكنْ أشواكها بالأمسِ يومًا جرَحتْنا
فلقد لفّتْ ذراعَيْها على أعناقنا — وأراقتْ عِطْرَها الحُلوَ على أشواقنا
إن تكن أحرفُها قد وَخَزَتْنا — وَلَوَتْ أعناقَها عنّا ولم تَعْطِفْ علينا
فلكم أبقت وعودًا في يَدَينا — وغدًا تغمُرُنا عِطْرًا ووردًا وحياةْ
آهِ فاملأ كأسَتيْنا كلِماتْ — في غدٍ نبني لنا عُشّ رؤًى من كلماتْ
سامقًا يعترش اللبلابُ في أحرُفِهِ — سنُذيبُ الشِّعْرَ في زُخْرُفِهِ
وسنَرْوي زهرَهُ بالكلماتْ — وسنَبْني شُرْفةً للعطْرِ والوردِ الخجولِ
ولها أعمدةٌ من كلماتْ — وممرًّا باردًا يسْبَحُ في ظلٍّ ظليلِ
حَرَسَتْهُ الكلماتْ — عُمْرُنا نحنُ نذرناهُ صلاةْ
فلمن سوف نصلّيها لغير الكلماتْ — 3-النهر العاشق
أين نمضي إنه يعدو إلينا — راكضًا عبْرَ حقول القمْح لا يَلْوي خطاهُ
باسطًا في لمعة الفجرذراعَيْهِ إلينا — طافرًا كالريحِ نشوانَ يداهُ
سوف تلقانا وتَطْوي رُعْبَنا أنَّى مَشَيْنا — إنه يعدو ويعدو
وهو يجتازُ بلا صوتٍ قُرَانا — ماؤه البنيّ يجتاحُ ولا يَلْويه سَدّ
إنه يتبعُنا لهفانَ أن يَطْوي صبانا — في ذراعَيْهِ ويَسْقينا الحنانا
لم يَزَلْ يتبعُنا مُبْتسمًا بسمةَ حبِّ — قدماهُ الرّطبتانِ
تركتْ آثارَها الحمراءَ في كلّ مكانِ — إنه قد عاث في شرقٍ وغربِ
في حنانِ — أين نعدو وهو قد لفّ يدَيهِ
حولَ أكتافِ المدينهْ — إنه يعمَلُ في بطءٍ وحَزْمٍ وسكينهْ
ساكبًا من شفَتَيْهِ — قُبَلاً طينيّةً غطّتْ مراعيْنا الحزينهْ
ذلكَ العاشقُ إنَّا قد عرفناهُ قديما — إنه لا ينتهي من زحفِهِ نحو رُبانا
وله نحنُ بنَيْنا وله شِدْنا قُرَانا — إنه زائرُنا المألوفُ ما زالَ كريما
كلَّ عامٍ ينزلُ الوادي ويأتي للِقانا — نحن أفرغنا له أكواخنا في جُنْح ليلِ
وسنؤويهِ ونمضي — إنه يتبعُنا في كل أرضِ
وله نحنُ نصلّي — وله نُفْرِغُ شكوانا من العيشِ المملِّ
إنه الآن إلهُ — أو لم تَغْسِل مبانينا عليه قَدَمَيْها
إنه يعلو ويُلْقي كنزَهُ بين يَدَيها — إنه يمنحُنا الطينَ وموتًا لا نراهُ
من لنا الآنَ سواهُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الظامئه: ظأم: الظَّأْمُ: السِّلْفُ، لغةٌ فِي الظَّأْبِ، وَقَدْ تَظاءَما وظأَمَه. وَقَدْ ظاءَبَني مُظاءبةً وظاءَمني إِذَا تَزوّجْتَ أَنْتَ امرأَةً وَتَزَوَّجَ هُوَ أُخْتَها. وظَأْمُ التَّيْسِ: صَوْتُه ولَبْلَبَتُه كَظَأْبه. الْجَو … (لسان العرب)
- باردات: برد: البَرْدُ: ضدُّ الْحَرِّ. والبُرودة: نَقِيضُ الْحَرَارَةِ؛ بَرَدَ الشيءُ يبرُدُ بُرودة وَمَاءٌ بَرْدٌ وَبَارِدٌ وبَرُودٌ وبِرادٌ، وَقَدْ بَرَدَه يَبرُدُه بَرْداً وبَرَّدَه: جَعَلَهُ بَارِدًا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَ … (لسان العرب)
- بالسكون: بلسك: البِلْسَكاء البَلْسَكاء: نَبْتٌ إِذا لَصِقَ بِالثَّوْبِ عَسُرَ زَوَالُهُ عَنْهُ. قَالَ أَبو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَعرابياً يَقُولُ بِحَضْرَةِ أَبي العَمَيْثَلِ: يُسَمَّى هَذَا النَّبْتُ الَّذِي يَلْزَق بِالثِّيَابِ فَ … (لسان العرب)
- تكشف: كشف: الكشْفُ: رفعُك الشَّيْءَ عَمَّا يُواريه وَيُغَطِّيهِ، كَشَفَه يَكُشِفه كَشْفاً وكَشَّفَه فانْكَشَفَ وتَكَشَّفَ. ورَيْطٌ كَشِيفٌ: مَكْشُوف أَو مُنْكَشِف؛ قَالَ صَخْرُ الْغَيِّ: أَجَشَّ رِبَحْلًا، لَهُ هَيْدَبٌ ... يُ … (لسان العرب)
- حسا: حسا: حَسَا الطائرُ الماءَ يَحْسُو حَسْواً: وَهُوَ كالشُّرْب للإِنسان، والحَسْوُ الفِعْل، وَلَا يُقَالُ لِلطَّائِرِ شَرِبَ، وحَسا الشيءَ حَسْواً وتحَسَّاهُ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: التَّحَسِّي عَمَلٌ فِي مُهْلةٍ. واحْتَسَاه: ك … (لسان العرب)
- خفيه: (خَفِيَ) الْخَاءُ وَالْفَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ مُتَبَايِنَانِ مُتَضَادَّانِ. فَالْأَوَّلُ السَّتْرُ، وَالثَّانِي الْإِظْهَارُ. فَالْأَوَّلُ خَفِيَ الشَّيْءُ يَخْفَى ؛ وَأَخْفَيْتُهُ، وَهُوَ فِي خِفْيَةٍ وَخَفَاءٍ، إِذ … (مقاييس اللغة)