أيها السابح في بحر الكرى
الشاعر: سعيد الكرمي · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر سعيد الكرمي، من العصر الحديث، وتقع في 131 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أيها السابح في بحر الكرى ... وهو من راحته في تعبِ
ليس يدري في الحمى ما قد جرى ... قم نشيطاً ممعناً في الطلب
حــــيــــث أنّ الحــــيّ خــــلاّك وراه ... وهو أسرى في ذرى البر الفسيح
ليت شعري يا رفيقي مادهاه ... ودعــــاه بــــيــــن صــــب وطريح
فهو يسعى حول غدراك مناه ... بالعنا والكل منا مستريح
ثم ها نحن نبذنا بالعرا ... وحرمنا انس ذاك الموكبِ
بعد هذا هل نراه يا ترى ... ونــــداوي مــــا بنا من صب
قل لمن يركب من متن الصبا ... جَسرةً أدماء في اللهو جموح
يتهادى بين هاتيك الربى ... مشية التيه فيغدو ويروح
ومتى ما نسّمت ريح الصبا ... يذكر الألف فيبكي وينوح
ساقياً من دمعه وجه الثرى ... فــــيــــروّيــــه بــــغــــيــــثٍ صــــيِّب
حامداً من سيره طول السرى ... وهو في الحق أسير النصب
عج على أرض الحمى مستطلعاً ... خبر الساكن فيه كيف صار
تجد الحيّ يباباً بلقعاً ... لعبت في أهله أيدي الدمار
بعضهم مات أسى منفجعاً ... من دواهي دهره والبعض سار
يختفي من خول هم قد عرا ... كل حيّ من فتى أو اشيبِ
سلب مالٍ مع هرج وافترا ... جــــعل الكون كجحرٍ خرِب
واعتبر بي أيها الشهم الأديب ... وبما بي الدهر ظلماً صنعا
واستمع من قصتي الأمر العجيب ... فهي من أعجب ما قد سمعا
والليالي حالها حال غريب ... أبلغت في الوعظ لكن من وعى
مزَّقت كسرى وافنت قيصرا ... بــــعد أن قد ذلّلا كل أبي
وأرتنا مثل هذا عبرا ... تنجلي حتى لمن كان غبي
ذات يوم كنت في شهر الصيام ... اقرأ القرآن في بيتي أمين
وإذا الشرطة وافوا باهتمام ... وعليهم غضب الرب المتين
ثم قالوا أجب القائمقام ... وهو فظ أعجمي لا يلين
فــــتوجهت وعيني للورا ... بـــــفـــــؤادٍ ذاهــــلٍ مــــضــــطــــربِ
قائلاً يأهل ترى ماذا جرى ... حيث جدوا هكذا في طلبى
وإلى عاليه في لبنان قد ... ساقني الضابط قيد الإعتقال
وهناك المجلس العرفي انعقد ... وأخــــذنــــا فــــي جواب وسؤال
سألوني عن أمورٍ لم تكد ... قطّ أن تخطر والله ببال
وأتــــى ألأَمُ مــــن فوق الثرى ... ذلك الشنطيّ بحر الكذبِ
وافترى لمّا على الله اجترا ... فاتوا في حكمهم بالعجب
حكموا الحكم الذي جنكيز مع ... كفره يأنف أن يُعزى اليه
ومتى ماذكرُ نيرون وقع ... مَثَلاً قل رحمة الله عليه
وإلى محكمة التفتيش دع ... فهي يالتحقيق لا شيء لديه
وعلى الجور وفرط الافترا ... بشّر الملك بداني العطبِ
مثل هذا قد روينا سِيرا ... مُلئت منها بطون الكتب
مجلسٌ جُمّع من قاسي القلوب ... نابذي الدين العتاة الظّلمه
لا يقرّون بعلاّم الغيوب ... لا ولا يدرون معنى المرحمه
ويرون الدين من ضمن العيوب ... وعلى أهليه شنّوا ملحمه
وعليهم رَأسوا من شهرا ... باسم فخر الدين مثل العقربِ
أعـــــرجٌ نـــــحــــسٌ تــــراه كــــوّرا ... رأسه في المشي عند الذنب
لا أري البحث عمّن شنقوا ... حين عمّوا كل حيّ بالحزن
قل لهم إن ارعدوا أو أبرقوا ... أين أنتم من تصاريف الزمن
أين من ضاموا الورى بالأجترا ... لاعتزازٍ بغرور المنصبِ
قــــلب الدهر فصاروا أثراً ... بعد عين من مزيد الغضب
إنما حيّر فكري عجباً ... كونهم قد جرّموا مثلي بري
والذي لفَّقــــ عــــنــــي الكذبا ... صــــلبــــوه مذ رأوه مفتري
وبلهم لِم لم يخافوا العطبا ... من سهام الليل وقت السحر
فدعا المظلوم ان جدّ السرى ... ليس ينجي منه جد الهربِ
وترى المظلوم ان جدّ السرى ... يأتِهِ المقت بادنى سبب
ظلموا والله فيما حكموا ... حين القوني بسجنٍ أبدي
كذبوا والله فيم ازعموا ... ليس في العالم شيءٌ سرمدي
ويلهم إذ أنهم ما علموا ... أن مــــولاي غــــدا معتمدي
وهو لا يُبقي لظلمٍ مظهرا ... ويــــفــــاجــــي أهــــله بالنوبِ
وترى الحال سريعا غُيّرا ... من عناءٍ لصفاءٍ معجب
وتــــعــــجّب للذي قد عملوا ... من فعال ذكرها يُبكي الجماد
ويلهم كم من بريء قتلوا ... واستباحوا نهب أموال العباد
وعن العدل بقصدٍ عدلوا ... وإذا هم كل يوم في ازدياد
جعلوا فعل الدنايا متجراً ... وهو شرّ الكسب للمكتسبِ
لا يجلّون سوى من سكرا ... أو اذا هامَ ببنت العنبِ
ثم ساقوني إلى الفيحا دمشق ... لأقَضّي السجن في قلعتها
عندما وافيتها ذقت الأشق ... رغم ما يؤثر من سمعتها
بين ناموسٍ وبرغوث وبق ... سال مثل السيل في بقعتها
فتري الكل يعاني السهرا ... من مساءٍ لاختفاء الشهبِ
فلو الراحة كانت تشترى ... لشــــريناها بكل الذهب
وأهــــم الهــــم عــــنــــدي أَن أرى ... كاتب المحبس داود الأغر
رجـــــلٌ جُـــــسّـــــم لؤمـــــاً ومــــرا ... فــــلهــــذا كــــان أدهــــى وأمــــر
دأبه النصب لنهب الفقرا ... فحرامٌ عدّه بين البشر
يدّعي زوراً مقام الكبرا ... وهو عن كل كمالٍ اجنبي
ويرائي فإذا ما اختبرا ... عاد في القبح كجلد الأجرب
قلت لما أن طما الخطب الجليل ... مــــن زمــــانٍ مــــاله قط أمان
لا تراعي منه يا بنت خليل ... وطّني النفس على حكم الزمان
واعصمي نفسك بالصبر الجميل ... فهو في الشدة نعم المستعان
ولنــــا ربٌ ســــما فاقتدوا ... فهو كشافلإ لكل الكربِ
ويجازي دائماً من صبرا ... بجزاء الصابر المحتسب
لستُ أنسى حين أولادى الصغار ... مذ أحسّوا العيد منهم في اقتراب
سألوا أمَّهمُ بالانكسار ... لِمَ مِن والدنا طال الغياب
فأجابتهم بأنفاس حِرار ... راح يأتيكم يحلوى وثياب
حيث في العيد ترى كل الورى ... بالصفا في لهوهم والطربِ
عمّ منه الأنس حتى الفقرا ... فتراهم في صنوف اللعب
ثم لما أقبل العيدن ولم ... يجدوني بين هاتيك الجموع
أدركوا ما لفراقي من ألم ... ثم لم يستنجدوا غير الدموع
ثم قالوا حينم الأمر انفهم ... يا ترى هل لأبينا من رجوع
كي نرى وجه التهاني أسفرا ... لنطفَّيـــ مابنا من لهبِ
إذ صــــبرنا للذي قد قدّرا ... وجعلنا ذخرنا جاه النبي
صبيتي يا صاح خبِّر إنَّني ... عن قريبٍ لتهنّى بالمنى
حيث لم يثنهمُ أو يثنني ... عن جميل الصبر إفراط العنا
واعتصمنا بالملاذ الأمكن ... جاه خير الخلق ملجا من جنى
يا هنا مَن قد غدا منتصرا ... بالنبيِّ الهاشميِّ العربي
من أتاه الحق في غار حِرا ... فجلا عنه ظلام الغيهب
النبيّ المصطفى نور الهدى ... خيرة الله من الخلق الشفيع
شرف الكونين لما أن بدا ... نوره الزاهي الذي عمّ الجميع
عمَّمــ الدارين منه بالندى ... فأتى منه ربيعٌ في ربيع
ضمَّخـــ الأكوان عرفاً عطِرا ... قد أتى في فعله بالعجبِ
حيث في أسرع وقتٍ قد سرى ... نافذاً من مشرقٍ للمغرب
ظهرت أياته في النيّرين ... بوقوف الشمس مع شق القمر
وتجلّى سرّه في العمرين ... في أبي بكر المفدّى وعمر
فهما في ديننا قرة عين ... رغــــم من عادى وولّى وكفر
فلك بالأنس زانوا منبراً ... حين يتلى ذكرهم في الخطبِ
مثلما قد شرّفوا دون امترا ... بقعة حلّوا بها في يثرب
فرعى الله مكاناً أطلعا ... ذلك النــــور الذي عمّ الأَّنام
فحماه ونعم قد صنعا ... فهو قد سمَّاه بالبيت الحرام
وله مــــن كــــل بــــاغٍ مــــنعا ... حينما أسكنه العرب الكرام
ولكـــــم أولت قـــــرى أم القــــرى ... وهــــــدتــــــنـــــا لنـــــوال الأربِ
ورأينا أهلها أسد الشرى ... عــــدة فــــينا لدفع النوب
نسل عدنان الذيي حاز العلا ... وروى التمجيد عن أم وأب
ولهم سلّم بالفضل الملا ... فاستحقوا بينهم أعلى الرتب
وإذا تبلو السوى تلقاه لا ... فارس الخيل ولا وجه العرب
كان عز الكون سراً مضمراً ... فجلوه في صميم النسبِ
فسما بالمجد لما استظهرا ... بالعوالي من كريم الحسب
ورثوا من سنَّةــ المختار أن ... يمنعوا الجار وأن يحموا النزيل
فاذا ما حادث الضرّاءِ عن ... فهمُ في دفعه نعم الكفيل
وهمُ لا يتبعون الفضل مَن ... وعلى مجدهم قام الدليل
همُّهم نجدة عانٍ أو قرى ... شيمة نعرفها في العربِ
قد بنوا من مجدهم سامي الذرى ... قمة صينت بحدّ القضيب
يا رسول الله إني استجير ... بك فاشفع لي لدى المولى الرحيم
فهونعم الملتجا نعم النصير ... والعظيم الكشاف الكرب العظيم
كي ينجّيني من خطبٍ خطير ... جاءَني من نسل قنطورا اللئيم
لأرى في وطني مستبشرا ... رغم أعدائي ومن يشمت بي
ويريني الأنس وجهاً ازهرا ... طالما قد غاب خلف الحجب
فأجب يا سيد الخلق دعاي ... فعليك الله اثنى بالعظم
وبعلياك لقد نُطتُ رجاي ... بانفراج الهم عني والغمم
ويقيني أنني أعطى مناي ... فلقد لذتُ بساحات الكرم
وأرى جيش المدى منكسرا ... ذاهـــــلاً مـــــن ويــــله والحــــربِ
حيث والى عامداً من كفرا ... وتغالى في الخنا والكذب
وعـــــليـــــك الله صـــــلّى كـــــلمَّا ... سجعت في أيكها ورق الحمام
أو بدا برق الحمى مبتسماً ... ضاحكا لما بكى جفن الغمام
وعلى الآل مع الصحب الكرام ... صلوات لهما المسك ختام
ولقد جئت بذنبي جاهراً ... واقفاً وقفة ذل المذنبِ
وإليه تائباً مستغفراً ... والرضا والعفو أقصى مطلبي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- السابح: سبح: السَّبْحُ والسِّباحة: العَوْمُ. سَبَحَ بِالنَّهْرِ وَفِيهِ يَسْبَحُ سَبْحاً وسِباحةً، وَرَجُلٌ سابِحٌ وسَبُوح مِنْ قَوْمٍ سُبَحاء، وسَبَّاحٌ مِنْ قَوْمٍ سَبَّاحين؛ وأَما ابْنُ الأَعرابي فَجَعَلَ السُّبَحاء جَمْعَ سَ … (لسان العرب)
- الطلب: طلب: الطَّلَبُ: مُحاوَلَةُ وِجْدانِ الشَّيءِ وأَخْذِه. والطِّلْبَةُ: مَا كَانَ لكَ عِنْدَ آخرَ مِنْ حَقٍّ تُطالِبه بِهِ. والمُطالَبة: أَن تُطالِبَ إِنساناً بِحَقٍّ لَكَ عِنْدَهُ، وَلَا تَزَالُ تَتَقاضاه وتُطالبه بِذَلِكَ … (لسان العرب)
- الفسيح: سيح: السَّيْحُ: الماءُ الظَّاهِرُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الأَرض، وَفِي التَّهْذِيبِ: الْمَاءُ الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الأَرض، وجمعُه سُيُوح. وَقَدْ ساحَ يَسيح سَيْحاً وسَيَحاناً إِذا جَرَى عَلَى وَجْهِ الأَرض. وماءٌ سَيْ … (لسان العرب)
- الموكب: وَكَبَ: المَوْكِبُ: بابةٌ مِنَ السَّيْر. وَكَبَ وُكُوباً ووَكَباناً: مَشَى فِي دَرَجانٍ، وَهُوَ الوَكَبانُ. تَقُولُ: ظَبْيةٌ وَكُوبٌ، وعَنْزٌ وَكُوبٌ، وَقَدْ وَكَبَت تَكِبُ وُكُوباً؛ وَمِنْهُ اشْتُقَّ اسمُ المَوكِبِ؛ قَا … (لسان العرب)
- بالعرا: عرا: عَرَاهُ عَرْواً واعْتَرَاه، كِلَاهُمَا: غَشِيَه طَالِبًا مَعْرُوفَهُ، وَحَكَى ثَعْلَبٌ: أَنه سَمِعَ ابْنَ الأَعرابي يَقُولُ إِذا أَتيْت رجُلًا تَطْلُب مِنْهُ حَاجَةً قلتَ عَرَوْتُه وعَرَرْتُه واعْتَرَيْتُه واعْتَرَر … (لسان العرب)
- بالعنا: عنا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: عَنَتِ الْوُجُوهُ نَصِبَتْ لَهُ وعَمِلتْ لَهُ، وَذُكِرَ أَيضاً أَنه وضْعُ المُسْلِمِ يَدَيْه وجَبْهَته وركْبَتَيْه إِذا سَجَد ورَ … (لسان العرب)
- جموح: جَمَحَ: جَمَحَتِ المرأَةُ تَجْمَحُ جِماحاً مِنْ زَوْجِهَا: خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ إِلى أَهلها قَبْلَ أَن يُطَلِّقَهَا، وَمِثْلُهُ طَمَحَتْ طِماحاً؛ قَالَ: إِذا رأَتني ذاتُ ضِغْنٍ حَنَّتِ، ... وجَمَحَتْ مِنْ زوجِها وأَنَّ … (لسان العرب)
- خلاك: خلأ: الخِلاءُ فِي الإِبل كالحِرانِ فِي الدَّوابِّ. خَلأَتِ الناقةُ تَخْلأُ خَلْأ وخِلاءً، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ، وخُلُوءاً، وَهِيَ خَلُوءٌ: بَرَكَتْ، أَو حَرَنَتْ مِنْ غَيْرِ علةٍ؛ وَقِيلَ إِذَا لَمْ تَبْرَحْ مَكانَها، … (لسان العرب)