عِشْ في زَمانِك وَاِحذَر الإِنسانا
الشاعر: صالح السويسي القيرواني · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر صالح السويسي القيرواني، من العصر الحديث، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عِشْ في زَمانِك وَاِحذَر الإِنسانا ... يَكفيكَ مِن أَفعالِهِ ما كانا
وَاصرِم حبالَكَ مِن مُعاشَرةِ الألى ... مَقتوا النُفوسَ وَغَيّروا الأَبدانا
قَد طالَما يَأتي الأَذى مِمَن يُري ... ك صَداقةً قَد أَخفَت البُهتانا
فَمِن المُحالِ صَفاءُ قَلبٍ فاسدٍ ... مَن ذا يَصيِّرُ حنظلاً رُمّانا
فَاِسخَر مِنَ اَهلِ الكِبرياءِ وَحالَهِم ... فَأَخو التَكَبُّرِ لا يَزال مُهانا
يَكفيهمُ عِندَ السَلامِ بِأَن غَدَوا ... بِنطاحِهم قَد أَشبَهوا الثيرانا
إِنَ الوَضيعَ إِذا اِرتَقى لِوظيفةٍ ... صَعَدَ السَماءَ اَن يَستَطِع طَيَرانا
فَالتّبرُ يُخفي جُرمَهُ في مائِهِ ... وَالتبنُ يَظهرُ طافياً وَمُهانا
رَدِّد لحاظكَ في العَوالم لا تَرى ... إِلا صَــــديــــقاً غادَرا خوّانا
جَعَلوا الدِيانةَ لِلشُرورِ وَسيلةً ... لِلأَبرياء وَأَلهبوا النيرانا
لا دين لا وَصف المُروءةِ عِندَهُم ... بَل خالَفوا القُرآن وَالدّيّانا
داسوا الضِعافَ بِأَرجُلٍ أَفهكذا ... رَبُّ الأَنامِ عَلَيهُمُ أَوصانا
فَالناسُ يُولونَ الغِنيَّ كَرامةً ... وَلَو اِرتَدى مِن لُؤمِهِ قُمصانا
فَإِذا اِرتَقَيتَ لِمَنصبٍ فَجَليلَهُم ... وَحَقيرُهُم نَحوَ الحِمى قَد دانا
وَسَعَوا إَلَيكَ بِما تَروم وَتَشتَهي ... وَإِذا نُكِبتَ فَلا تَرى أَعوانا
أَهل التَمَلُّقِ يَنتَمونَ لِكُلِّ مَن ... نالَ الوَظيفَ وَلَو غَدا شَيطانا
أَهلُ الدَسائسِ وَالوَساوسِ إِن رَأوا ... شَراً لِقَومٍ قالوا ما أَولانا
قالوا الشُعورُ وَلا شُعورَ لَدَيهِمُ ... إِلا شُعوراً أَشبَهت نِسوانا
أَهلُ الحَميةِ مِنهُم جَرِّبهُمُ ... إِن وُظِّفوا أَو قُلِّدوا نيشانا
وَأَنظر لَهُم مِن بَعدِ ذَلِك لَم تَجِد ... شَيئاً مِن الأَمر الَّذي قَد كانا
لا تَعجَبَنَّ مِن الشُرورِ إِذا بَدَت ... وَاعجبْ لِخَيرٍ في زَمانَك بانا
شَتانَ بَينَ السالفين وَفعلِهِم ... وَفِعالُنا في دَهرِنا شَتّانا
أَسلافُ خَيرٍ لِلكَمالِ تَسابقوا ... بِعَزيمةٍ وَتَدرَّعوا الإِيمانا
كانتَ قُلوبَهُمُ تَفيضُ بَرَحمةٍ ... لَما اِهتَدوا وَتَدَبَّروا القُرآنا
رَفَعوا البِناءَ فَجاءَ خَلفٌ بَعدَهُم ... نَشَرَ الفَسادَ وَقَوَّضَ البُنيانا
خُلِقَ العِبادُ إِلى السَعادةِ وَالصَفا ... لَكِن لِسوء الحَظِّ ما أَشقانا
مِن عَهد آدمَ وَالتَباغضُ قَد سَرى ... قابيلُ قَد سَفَكَ الدِماء وَخانا
بَعَثَ الإِلَهُ الأَنبياءَ لِنَشرِ ما ... فيهِ التَآخي فَلم نَرَ إِلا خوانا
حَسَدٌ وَبُغضٌ وَاِغتيابٌ قَد فَشا ... بَينَ الشُعوبِ وَهَدَّمَ الأَركانا
فَمباهجُ الدُنيا لَدَينا كَثرةٌ ... يا لَيتَ شِعري ما الَّذي أَبكانا
لَو كانَ فينا ألفةٌ وَتَحاببٌ ... ما اِستَعبَدَتنا في الوَرى أَعدانا
فَــــأرِحْ فُؤادَكَ مِن عَذابٍ نازلٍ ... وَمَناظرٍ تَدَع الفَتى حَيرانا
وَإِنسَ بَهرَ البَيت وَاِترُك صاحِباً ... مُتَلَوِّناً مِن خُبثِهِ أَلوانا
وَأَسَعَد فَقَد سَعِد القُنوعُ بِكَسرةٍ ... وَشَقى مَليكٌ قَد حَوى تيجانا
نَسجُ العَناكِبِ قَد يَروق لِنَاظِري ... في عُزلَتي وَرِياضَتي أَحيانا
وَلَقد أَرى بَينَ القُيود مَسَرةٌ ... وَالحــــيُّ يَجلبُ لِلوَرى أَحزانا
ناجِ الطُيورَ عَلى الغُصون إِذا اِرتَقَت ... وَدَعِ الوَرى وَاِسمَع لَها أَلحانا
وَاِنظُر إِلى الأَوراقِ تَبسطُ كَفَّها ... شُكراً إِلى مَن أَبدَعَ الأَكوانا
وَالشَمسُ عِندَ مَغيبِها مُصفَرةٌ ... كَمَحيا خُودٍ عِشقُها قَد بانا
وَتَرى النُجومَ مِنَ السَماءِ مُطلةٌ ... كَخرائدٍ قَد غازَلَت وَلهانا
وَالبَدرُ يَشبَهُ وَجهَ مَن أَهواهُ في ... إِشــــراقِهِ وَكَمالِهِ سُبحانا
لا تَجزَعَنَّ مِنَ الوحوشِ فَإِنَّها ... إن أُكرَمت لا تُنكرُ الإِحسانا
فَالوَحشُ يَعطيك الأَمانَ حَقيقةً ... وَإِذا اِئتَمَنت إِبنَ آدم خانا
قَد تَوجدُ الأَخيارُ لَكِن نادر ... وَالفَحصُ عَنهُم يُتعِبُ الأَبدانا
دُنياك بَحرٌ وَالعِبادُ كَأَنَّهُم ... في أَكلِ بَعضِهِمُ غَدوا حِيتانا
وَالمَوتُ صَياد وَفيهِ عِبرةٌ ... لِنُفوِسِنا عَجَباً فَما أَقسانا
ما كانَ أَحوَجَنا لِحُسنِ تَآلفٍ ... لَكِن لِسوءِ الخَلف قَد أَردانا
فَسَفينةُ الإِصلاحِ فيها صلّاحَنا ... وَحَياتُنا لَو صادَفَت رُبانا
حُــــبُّ الرِئاسةِ قادَنا لِمَهالكٍ ... وَقَضى عَلى ما نَأمَلوه هَوانا
فَالبُخلُ فينا عَلْى المَصالحِ قَد فَشا ... لَكِن عَلى الشَهواتِ ما أَسخانا
يا أَيُّها الإِنسانُ كُن مُتَبَصِّراً ... ما دُمتَ حَياً في حِمى دُنيانا
وَاسلك سَبيلَ الخَيرِ دَوماً وَاِبتَعد ... عَن جَمعِياتٍ شَرُّها قَد بانا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البهتانا: هتأ: هَتَأَه بالعَصا هَتْأً: ضرَبَه. وتَهَتَّأَ الثوبُ: تَقَطَّعَ وبَلِيَ، بِالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ تَهَمَّأَ، بِالْمِيمِ، وتَفَسَّأَ. وكلٌّ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. ومَضَى مِنَ اللَّيْلِ هَتْءٌ وهِتْءٌ وهِي … (لسان العرب)
- التكبر: كبر: الكَبير فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى: الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ والمُتَكَبِّر الَّذِي تَكَبَّر عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ، والكِبْرِياء عَظَمَة اللَّهِ، جاءتْ عَلَى فِعْلِياء؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى … (لسان العرب)
- الكبرياء: برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ. وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ. قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ … (لسان العرب)
- الوضيع: لأَثير في ترجمة ضيع: وفي الحديث تُعِينُ ضائِعاً أَي ذا ضياعٍ من قَفْر أَو عِيالٍ أَو حال قَصَّر عن القيام بها، قال: ورواه بعضهم بالصاد المهملة والنون، وقيل: إِنه هو الصواب، وقيل: هو في حديث بالمهملة وفي آخر بالمعجمة، قال … (لسان العرب)
- جرمه: جَرَمَ: الجَرْمُ: القَطْعُ. جَرَمَه يَجْرِمُه جَرْماً: قَطَعَهُ. وَشَجَرَةٌ جَرِيمَةٌ: مَقْطُوعَةٌ. وجَرَمَ النَّخْلَ والتَّمْرَ يَجْرِمه جَرْماً وجِراماً وجَراماً واجْتَرَمه: صَرَمَه: عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، فَهُوَ جارمٌ، … (لسان العرب)
- حبالك: حبل: الحَبْل: الرِّباط، بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْجَمْعُ أَحْبُل وأَحبال وحِبَال وحُبُول؛ وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ لأَبي طَالِبٍ: أَمِنْ أَجْلِ حَبْلٍ، لَا أَباكَ، ضَرَبْتَه ... بمِنْسَأَة؟ قَدْ جَرَّ حَبْلُك أَحْبُلا قَالَ ا … (لسان العرب)
- رمانا: رمأ: رَمَأَتِ الإِبلُ بِالْمَكَانِ تَرْمَأُ رَمْأً ورُمُوءًا: أَقامت فِيهِ. وَخَصَّ بعضُهم بِهِ إِقَامَتَهَا فِي العُشْبِ. وَرَمَأَ الرجلُ بالمكانِ: أَقامَ. وَهَلْ رمأَ إِلَيْكَ خَبَرٌ، وَهُوَ، مِنَ الأَخبار، ظَنٌّ فِي ح … (لسان العرب)