مَــــدارِسُ آياتٍ خَلَت مِن تِلاوَةٍ

الشاعر: دعبل الخزاعي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر دعبل الخزاعي، من العصر العباسي، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مَــــدارِسُ آياتٍ خَلَت مِن تِلاوَةٍ — وَمَنزِلُ وَحيٍ مُقفِرُ العَرَصاتِ

لِآلِ رَسولِ اللَهِ بِالخَيفِ مِن مِنىً — وَبِالرُكنِ وَالتَعريفِ وَالجَمَراتِ

دِيارُ عَلِيٍّ وَالحُسَينِ وَجَعفَرٍ — وَحَمزَةَ وَالسُجّادِ ذي الثَفِناتِ

دِيارٌ عَفاها جَورُ كُلِّ مُنابِذٍ — وَلَم تَــــعفُ لِلأَيّامِ وَالسَنَواتِ

قِفا نَسأَلِ الدارَ الَّتي خَفَّ أَهلُها — مَتى عَهدُها بِالصَومِ وَالصَلَواتِ

وَأَينَ الأُلى شَطَّتـ بِهِم غَربَةُ النَوى — أَفانينَ في الآفاقِ مُفتَرِقاتِ

هُمُ أَهلُ ميراثِ النَبِيِّ إِذا اِعتَزَوا — وَهُم خَيرُ قاداتٍ وَخَيرُ حُماةِ

وَما الناسُ إِلّا حاسِدٌ وَمُكَذِّبٌ — وَمُــــضطَغِنٌ ذو إِحنَةٍ وَتِراتِ

إِذا ذَكَروا قَتلى بِبَدرٍ وَخَيبَرٍ — وَيَومِ حُنَينٍ أَسبَلوا العَبَراتِ

وَكَيفَ يُحِبّونَ النَبِيَّ وَأَهلَهُ — وَقَد تَرَكوا أَحشاءَهُم وَغراتِ

لَقَد لايَنوهُ في المَقالِ وَأَضمَروا — قُلوباً عَلى الأَحقادِ مُنطَوِياتِ

قُبورٌ بِكوفانٍ وَأُخرى بِطَيبَةٍ — وَأُخرى بِفَخٍّ نالَها صَلَواتي

وَقَبرٌ بِأَرضِ الجَوزَجانِ مَحَلُّهُ — وَقَبرٌ بِباخَمرا لَدى العَرِماتِ

وَقَبرٌ بِبَغدادٍ لِنَفسٍ زَكِيَّةٍ — تَضَمَّنَها الرَحمَنُ في الغُرُفاتِ

وَقَبرٌ بِطوسٍ يا لَها مِن مُصيبَةٍ — تُرَدَّدُ بَينِ الصَدرِ وَالحَجَباتِ

فَأَمّا المُمَضّاتُ الَّتي لَستُ بالِغاً — مَبالِغَها مِنّي بِكُنهِ صِفاتِ

إِلى الحَشرِ حَتّى يَبعَثَ اللَهُ قائِماً — يُفَرِّجُ مِنها الهَمَّ وَالكَرَباتِ

نُفوسٌ لَدى النَهرَينِ مِن أَرضِ كَربَلا — مُعَرَّسُهُم مِنها بِشَطٍّ فُراتِ

أَخافُ بِأَن أَزدارَهُم وَيَشوقُني — مُعَرَّسُهُم بِالجِزعِ مِن نَخَلاتِ

تَقَسَّمَهُم رَيبِ الزَمانِ فَما تَرى — لَهُم عَقوَةً مَغشِيَّةَ الحُجُراتِ

سِوى أَنَّ مِنهُم بِالمَدينَةِ عُصبَةً — مَدى الدَهرِ أَنضاءً مِنَ الأَزَماتِ

قَــــليــــلَةُ زُوّارٍ سِــــوى بَعضِ زُوَّرٍ — مِنَ الضَبعِ وَالعِقبانِ وَالرَخَماتِ

لَهُم كُلَّ حينٍ نَومَةٌ بِمَضاجِعٍ — لَهُم في نَواحي الأَرضِ مُختَلِفاتِ

وَقَد كانَ مِنهُم بِالحِجازِ وَأَهلِها — مَغاويرُ نَحّارونَ في السَنَواتِ

تَنكَّبُ لَأواءُ السِنينَ جِوارَهُم — فَلا تَصطَليهِم جَمرَةُ الجَمَراتِ

حِمىً لَم تُطِرهُ المُبدِياتُ وَأَوجُهٌ — تَضيءُ مِنَ الايسارِ في الظُلُماتِ

إِذا أَورَدوا خَيلاً تَسَعَّرُ بِالقَنا — مَساعِرُ جَمرِ المَوتِ وَالغَمَراتِ

وَإِن فَخَروا يَوماً أَتَوا بِمُحَمَّدٍ — وَجِبريلَ وَالفُرقانِ ذي السوراتِ

أولَئِكَ لا مِن شَيخُ هِندٍ وَتِربِها — سُمَيةَ مِن نَوكى وَمِن قَذِراتِ

مَلامَكَ في أَهلِ النَبِيِّ فَإِنَّهُم — أَحِبّايَ ما عاشوا وَأَهلُ ثِقاتي

تَخَيَّرتُهُم رُشداً لِأَمري فَإِنَّهُم — عَلى كُلِّ حالٍ خيرَةُ الخيراتِ

نَبَذتُ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ جاهِداً — وَسَلَّمتُ نَفسي طائِعاً لَولاتي

فَيا رَبِّ زِدني مِن يَقيني بَصيرَةً — وَزِد حُبَّهُم يا رَبِّ في حَسَناتي

بِنَفسي أَنتُم مِن كُهولٍ وَفِتيَةٍ — لِفَــــكِّ عُــــناةٍ أَو لِحَملِ دِياتِ

وَلِلخَيلِ لَمّا قَيَّدَ المَوتُ خَطوَها — فَأَطلَقتُم مِنهُنَّ بِالذَرِباتِ

أُحِبُّ قَصِيَّ الرِحمِ مِن أَجلِ حُبِّكُم — وَأَهجُرُ فيكُم أُسرَتي وَبَناتي

وَأَكتُمُ حُبّيكُم مَخافَةَ كاشِحٍ — عَنيدٍ لِأَهلِ الحَقِّ غَيرِ مَواتِ

لَقَد حَفَّتــ الأَيّامُ حَولي بِشَرِّها — وَإِنّي لَأَرجو الأَمنَ بَعدَ وَفاتي

أَلَم تَرَ أَنّي مُذ ثَلاثونَ حِجَّةً — أَروحُ وَأَغــــــدو دائِمَ الحَـــــسَـــــراتِ

أَرى فَيئَهُم في غَيرِهِم مُتَقَسَّما — وَأَيديهُم مِن فَيئِهِم صَفِراتِ

فَآلُ رَسولِ اللَهِ نُحفٌ جُسومُهُم — وَآلُ زِيــــــادٍ غُــــــلَّظَ القَـــــصَـــــراتِ

بَناتُ زِيادٍ في القُصورِ مَصونَةٌ — وَآلُ رَســـــولِ اللَهِ فـــــي الفَــــلَواتِ

إِذا وُتِروا مَدّوا إِلى واتِريهِمُ — أَكُفّاً عَنِ الأَوتارِ مُنقَبِضاتِ

فَلَولا الَّذي أَرجوهُ في اليَومِ أَو غَدٍ — تَقَطَّعَ قَلبي إِثرَهُم حَسَراتِ

خُــــروجُ إِمامٍ لا مَحالَةَ خارِجٌ — يَقومُ عَلى اِسمِ اللَهِ وَالبَرَكاتِ

يُمَيِّزُ فينا كُلَّ حَقٍّ وَباطِلٍ — وَيُجزي عَلى النَعماءِ وَالنَقَماتِ

سَأَقصُرُ نَفسي جاهِداً عَن جِدالِهِم — كَفاني ما أَلقى مِنَ العَبَراتِ

فَيا نَفسُ طيبي ثُمَّ يا نَفسُ أَبشِري — فَغَيرُ بَعيدٍ كُلُّ ما هُوَ آتِ

وَلا تَجزَعي مِن مُدَّةِ الجَورِ إِنَّني — كَأَنّي بِها قَد آذَنَت بِبَتاتِ

فَإِن قَرَّبَ الرَحمَنُ مِن تِلكَ مُدَّتي — وَأَخَّرَ مِن عُمري لِيَومِ وَفاتي

شَفَيتُ وَلَم أَترُك لِنَفسِيَ غُصَّةً — وَرَوَّيتُ مِنهُم مُنصُلي وَقَناتي

عَسى اللَهُ أَن يَأوي لِذا الخَلقِ إِنَّهُ — إِلى كُــــلِّ قَــــومٍ دائِمُ اللَحَــــظــــاتِ

أُحاوِلُ نَقلَ الشَمسِ مِن مُستَقَرِّها — وَإِسماعَ أَحجارٍ مِنَ الصَلِداتِ

فَمِن عارِفٍ لَم يَنتَفِع وَمُعانِدٍ — يَميلُ مَعَ الأَهواءِ وَالشَهَواتِ

قُصارايَ مِنهُم أَن أَأوبَ بِغُصَّةٍ — تَــــرَدَّدُ بَينَ الصَدرِ واللَهواتِ

إِذا قُلتُ عُرفاً أَنكَروهُ بِمُنكَرٍ — وَغَطّوا عَلى التَحقيقِ بِالشُبُهاتِ

كَأَنَّكَ بِالأَضلاعِ قَد ضاقَ رُحبُها — لِما ضُمِّنَت مِن شِدَّةِ الزَفَراتِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الثفنات: ثفن: الثَّفِنةُ مِنَ الْبَعِيرِ وَالنَّاقَةِ: الرُّكْبة وَمَا مَسَّ الأَرضَ مِنْ كِرْكِرتِه وسَعْداناتِه وأُصول أَفخاذه، وَفِي الصِّحَاحِ: هُوَ مَا يَقَعُ عَلَى الأَرض مِنْ أَعضائه إِذَا اسْتَنَاخَ وغلُظ كالرُّكْبَتين وَ … (لسان العرب)
  • العرصات: عرص: العَرْصُ: خشبةٌ تُوضَعُ عَلَى الْبَيْتِ عَرْضاً إِذا أَرادُوا تَسْقِيفَه وتُلْقى عليه أَطرافُ الْخَشَبِ الصِّغَارِ، وَقِيلَ: هُوَ الحائطُ يُجْعَل بَيْنَ حَائِطَيِ الْبَيْتِ لَا يُبْلَغ بِهِ أَقصاه، ثُمَّ يُوضع الجائ … (لسان العرب)
  • بالخيف: خيف: خَيِفَ الْبَعِيرُ والإِنسانُ والفرسُ وَغَيْرُهُ خَيَفاً، وَهُوَ أَخْيَفُ بَيِّنُ الخَيَفِ، والأُنثى خَيْفَاء إِذَا كَانَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ سَوْداء كَحْلاء والأُخرى زَرْقاء. وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ أَبي بَكْرٍ … (لسان العرب)
  • بالصوم: صوم: الصَّوْمُ: تَرْكُ الطعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ والكلامِ، صامَ يَصُوم صَوْماً وصِياماً واصْطامَ، وَرَجُلٌ صائمٌ وصَوْمٌ مِنْ قومٍ صُوَّامٍ وصُيّامٍ وصُوَّمٍ، بِالتَّشْدِيدِ، وصُيَّم، قَلَبُوا الْوَاوَ لِقُرْبِهَا مِ … (لسان العرب)
  • عفاها: عفا: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: العَفُوُّ، وَهُوَ فَعُولٌ مِنَ العَفْوِ، وَهُوَ التَّجاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وتَرْكُ العِقابِ عَلَيْهِ، وأَصلُه المَحْوُ والطَّمْس، وَهُوَ مِنْ أَبْنِية المُبالَغةِ. يُقَالُ: عَفَا يَعْفُ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • هو البحر من أي النواحي أتيته
  • مدارس آيات خلت من تلاوة
  • أفيقي من ملامك يا ظعينا
  • إذا غزونا فمغزانا بأنقرة
  • يا آل بسام في المخازي
  • أمطلب أنت مستعذب
  • وبرهان باردة المطبخ
  • يا أبا سعد قوصره