لقيتها ليتني ما كنت القاها

الشاعر: معروف الرصافي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة عامة

«لقيتها ليتني ما كنت القاها» من شعر معروف الرصافي، من العصر الحديث، وتقع في 37 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الألف، وغرضها قصيدة عامة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لقيتها ليتني ما كنت القاها — تمشي وقد أثقل الأملاق ممشاها

أثوابها رثّةٌ والرجل حافية — والدمع تذرفه في الخدّ عيناها

بكت من الفقر فاحمرّت مدامعها — واصفرّ كالورس من جوع محيّاها

مات الذي كان يحميها ويسعدها — فالدهر من بعده بالفقر أشقاها

الموت أفجعها والفقر أوجعها — والهمّ أنحلها والغمّ أضناها

فمنظر الحزن مشهود بمنظرها — والبؤس مرآه مقرون بمرآها

كرّ الجديدين قد ابلى عباءتها — فانشقّ أسفلها وانشق أعلاها

ومزّق الدهر ويل الدهر مئزرها — حتى بدا من شقوق الثوب جنباها

تمشي بأطمارها والبرد يلسعها — كأنه عقرب شالت زباناها

حتى غدا جسمها بالبرد مرتجفا — كالغصن في الريح واصطكّت ثناياها

تمشي وتحمل باليسرى وليدتها — حملاً على الصدر مدعوماً بيمناها

قد قمّطتها بأهدام ممزّقة — في العين منثرها سمبحٌ ومطواها

ما أنس لا أنس أنيّ كنت أسمعها — تشكو إلى ربّها أوصاب دنياها

تقول يا ربّ لا تترك بلا لبن — هذي الرضيعة وارحمني وإياها

ما تصنع الأم في تربيب طفلتها — أن مسّها الضرّ حتى جفّ ثدياها

يا ربّ ما حيلتي فيها وقد ذبلت — كزهرة الروض فقد الغيث أظماها

ما بالها وهي طول الليل باكية — والأم ساهرة تبكي لمبكاها

يكاد ينقدّ قلبي حين أنظرها — تبكي وتفتح لي من جوعها فاها

ويلمّها طفلة باتت مروّعةً — وبتّ من حولها في الليل ارعاها

تبكي لتشكوَ من داءٍ ألم بها — ولست أفهم منها كنه شكواها

قد فاتها النطق كالعجماء أرحمها — ولست أعلم أيّ السقم آذاها

ويح ابنتي أن ريب الدهر روّعها — بالفقر واليتم آها منهما آها

كانت مصيبتها بالفقر واحدة — وموت والدها باليتم ثنّاها

هذا الذي في طريقي كنت أسمعه — منها فأثرّ في نفسي وأشجاها

حتى دنَوت إليها وهي ماشية — وادمعي أوسعت في الخد مجراها

وقلت يا أخت مهلاً أنني رجل — أشارك الناس طرّاً في بلا ياها

سمعت يا أخت شكوىً تهمسين بها — في قالة أوجعت قلبي بفحواها

هل تسمح الأخت لي أني أشاطرها — ما في يدي الآن استرضي به اللها

ثم اجتذبت لها من جيب ملحفتي — دراهماً كنت استبقي بقاياها

وقلت يا أخت أرجو منك تكرِمتي — بأخذها دون ما منٍّ تغشاها

فأرسلت نظرةً رعشاءَ راجفةً — ترمي السهام وقلبي من رماياها

وأخرجت زفرات من جوانحها — كالنار تصعد من أعماق أحشاها

وأجشهت ثم قالت وهي باكية — واهاً لمثلك من ذي رقة واها

لو عمّ في الناس حسَنٌ مثل حسّك لي — ماتاه في فلوات الفقر من تاها

أو كان في الناس انصاف ومرحمة — لم تشك أرملة ضنكاً بدنياها

هذي حكاية حال جئت أذكرها — وليس يخفي على الأحرار مغزاها

أولى الأنام بعطف الناس أرملةٌ — وأشرف الناس من في المال واساها

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الألف — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • القاها: الإلْقــاءُ :[ لقي] مصــ.-: الطرّح والرّمي .-: أداء الكلام الذي يعتمد على تكييف الصوت وجودة النطق؛ اشتهــر الخطيب بحسن إلقائه.
  • بالفقر: فقر: الفَقْر والفُقْر: ضِدُّ الغِنى، مِثْلُ الضَّعْفِ والضُّعْف. اللَّيْثُ: والفُقْر لُغَةٌ رَدِيئَةٌ؛ ابْنُ سِيدَهْ: وقَدْرُ ذَلِكَ أَن يَكُونَ لَهُ مَا يَكْفي عيالَه، وَرَجُلٌ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ فَقُرَ، فَهُ …
  • بمنظرها: المَنْظَرُ : مصـ .ـ: النَّظَر.-: ما يُنظَر إليه فَيُعجِب؛ منظر السَّهل الأخضر يسرُّ النَّفسَ.-: المَرْقَبَةُ/ هُوَ في مَنْظَرٍ ومُسْتمَعٍ، أي فِيمَا يحبّ أنْ يُنظَرَ ويُسْتمَعَ إليهِ ج مَنَاظِرُ.
  • عيناها: العَيْناءُ : مذ الأعين؛ ذات العين الواسعة الحسنة.

قصائد ذات صلة

  • فعدت بقارعة الطريق تنوح
  • ما للديار تراءى وهي أطلال
  • أصبحت أعذل نوابا وأعيانا
  • أ يوسف ما إن أنت من فحل هجمة
  • ألا من مبلغ عني زنيما
  • هذي بلودان وذا نزلها
  • وفي الألعاب لم تر قط عيني
  • قالوا نخلد ذكره بحديقة